EPISODE · Apr 19, 2026 · 23 MIN
فيِ تَشريح العقل المتسلِّط: بين الإبداع المزيف ونسق الرَّفض د. بدر الحمري
from مقالات مجتمع · host مجتمع Mujtama
يقول عالم الاجتماع الأمريكي المعاصر راندال كولينز (ولد سنة 1941):«المبدعون بطبيعة الحال يرتبطون ببعضهم كحلقات السِّلسلة ويظهرون في صورة المتنافسين المعاصرين «[1]ما يستشف من القول السابق أن الرَّحم الذي يجمع المبدعين هو الإبداع نفسه؛ صحيح أنهم يظهرون كمتنافسين في عصرهم، ولعلّهم يتنافسون مع مبدعين في عصور سابقة، فيلتقون بذلك في القمم الشَّمّاء. لكن هذا من جهة الصورة، أما من جهة الجوهر فبِخلاف ذلك، فإنّ هذا الصِّراع هو امتداد سليم لحركة الإبداع المتَّصل. من ثم فلا ضير من أن يتآخى المبدعون الحقيقيون في جوهر الصيرورة الحضارية، لأن الرَّحم واحد: وهو الآدمية أو قل عنها الإنسانية. لكن متى يحصلُ الإبداع؟الإبداع يحصل من الأفكار، وتحديدًا من الأفكار الجديدة القائمة على الحجة والنقد والتخيُّل والشَّك والتمحيص والتركيب والإحصاء والمراجعة.. وغيرها من الفعاليات العقلية التي تستحدث إما من رحم معارضتها للأفكار الكلاسيكية العقيمة أو أفكار جديدة تُطرح لأول مرة؛ وها هنا سنلحظ الصراع بين الأفكار التي تعدّ بمثابة الدماء النَّابضة في عروق تاريخ الأمم، والأفكار الممسوخة التي تعدّ بمثابة الغرابيب التي تنذر بالخراب في الثقافة السِّحرية القديمة. من ثمّ فالأمة الحية هي التي تعيش على أفكار جديدة مبدعة، يقودها مفكّرون وفلاسفة وفقهاء ومهندسون وأطباء وباحثون وفيزيائيون ومثقفون.. وآخرون، ﴿قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَىٰ شَاكِلَتِهِ فَرَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أَهْدَىٰ سَبِيلًا﴾﴿الإسراء: ٨٤﴾، الكافر والشاكر، المؤمن واللامؤمن، المسيحي والمسلم، اليهودي واللاديني، الله أعلم بالمهتدي منهم، أو بتعبير أكثر عرفانية: الله يعلمُ من هو سائر إليه! في تجلٍ عظيم لتعدد مسالك الحقيقة وسياساتها؛ فــَ ﴿كُلٌّ﴾ حدث خطابي يجب أن يبقى حيًّا في ضمير العالمين ما دامت السماوات والأرض، ينصبّ اهتمامهم على إدراك الحقيقة، سواء في نقد التراث أو نقد كل أشكال المعاصرة المزيفة التي فشلت في إدراك تلكم الحقيقة. فما الذي يفعله المبدعون المزيفون، أي هؤلاء الإقصائيون الجذريون، أو العدميون الأصوليون، أو المثقفون المغالطون؟أو بصيغة تاريخية تحفر في عمقنا الوجودي بألم نسأل: بعد 15 قرنًا من الرسالة المحمدية، هل استطاع المسلمون المعاصرون أن يترابطوا ببعضهم كحلقات في سلسلة واحدة، مُتماسكة ومُنسجمة، يصل بعضُها بَعضًا، ويكمِّل اللاحق منها إبداع السَّابق ويقوِّمُ اجتهاده، ويفتِّح الطَّريق أمام حلقات أخرى تستكمل الإبداع المتَّصل، والاجتهاد المتكامل، من أجل تكوين شبكات إبداعية حية، وجماعات علمية رصينة؟لماذا ينتعش في العقل الإسلاموي المعاصر التكفير والإقصاء والنَّمطية وتخبو فيه عقلية التركيب والتحليل والمناقشة؟ لماذا تنتعش فيه خطابات التخويف والتهديد والبكائية على الآخرة وعقدة الذنب، وتخبو فيه خطابات الإنسان المتزن والمستقبلي والمجتهد في العلوم النظرية والحقة والتجريبية والرقمية؟ لماذا تغيب عنه هذه الترابطية بين المبدعين ويحضر الصراع بمعناهُ الصّدامي والتحقير؟ هل العقل الإسلاموي المعاصر عاجر عن الاختلاف؟ هل أصبح “المسلم” مجرد “صفة” عند الهُويَّات الشَّخصانية المتفجرة، لا تهتم بهويته الفكرية أو النفسية أو العصبية أو الاجتماعية أو الاقتصادية أو السياسية؟ لماذا أصبح تصوُّر “المسلم” في تلكم الخطابات المأزومة مُجرد رقم في المليار ونيّف من المسلمين، أي إحصائية بائسة لارتفاع نسبة المسلمين أو مصدرًا لتقوية رأس المال الرمزي الشَّعبوي الديني؟ هل تحول تصور “المسلم” في العقل الإسلاموي المعاصر إلى مختطف من عمقه الروحي وسلامته النفسية المتصالحة مع أعطابها والمدركة لــــِ ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ﴾ ﴿الأنبياء: ١٠٧﴾؟من دون شكّ فالمسلم متعدد الثقافات، حيث هناك المسلم الأفريقي، والمسلم الصيني والمسلم الياباني والمسلم العربي والمسلم اللاتيني.. وغيرهم، فلماذا تريد الخطابات الأحادية الأصولية أن تجعله هُوية مُتشابهة فارغًا من دون ثقافة أو حضارة إلاّ تلك التي تملأ هويته بسردِية عاجزة عن تجاوز ذاتها والانخراط في ركب العالمين الحضاري؟«الغيرُ هو أنا آخر ليسَ إيّاي»بهذه العبارة السارترية – نسبة إلى الفيلسوف الفرنسي جون بول سارتر- يمكن أن يكون الغير يهوديًا أو مسيحيًا أو بوذيًا أو ملحدًا أو لا دينيًا أو غير ذلك من الانتماءات الدينية أو غيرها.. لكنه آخر، بيني وبينه صلة نَفي وعدم أو بتعبير ج.ب. سارتر نفسه: بيني وبينه “سلب جذري”، لا تلتقي معه أنا-المسلم إلاّ من جهة الإنسانية التي يتشابهان فيها، هذا التشابه هو الذي يوجب التواصل والتعايش والتسامح. من ثم فكل المحاولات التي تجعل الغير يُشبِهني، من منطلق أني المسلم الطاهر السليم المبشر بالجنة هي محاولات فاشلة في تمزيق رابطة الأخوة البشرية، وتشتيت الوجود الإنساني، والتألي على الربوبية، الذي يسقطنا في النسيان الكبير، على سبيل المثال نسيان الآية الكريمة التي قال فيها الحق تعالى: ﴿ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ مَن يَضِلُّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ ﴾ ﴿الأنعام: ١١٧﴾هذه الثنائية، الأنا / الغير، إذا لم نتنبّه إلى آياتها المتجلية في القدرة الإلهية على الخلق، وقدرته البديعة في المخلوقات، فلا غرو أنّ الهويَّات المفخخة تستغلها لإلغاء الاختلاف وجماليته وآياته ورحمته، فلا نصبح إلاّ على ديكتاتورية التشابه، ومسخ الثقافة الواحدة المهيمنة المتسلِّطة.إنّ الوعي بأننا لسنا وحدنا في الوجود، لا نمتلكه مطلقًا، نحنُ فيهِ ندبِّره بالإمكانات المتاحة للإنسانية، وفق علاقات اجتماعية، وصِلات ثقافية، ومبادلات تجارية، وتجارب سياسية، ندفع بها الشرور العالقة بنا، والظلام الذي ينسف تماسُكنا، وكذا الوعي بأن هناك أممًا أخرى تنتمي إلى مجموع ظواهر الكون، ﴿وَمَا مِن دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُم مَّا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِن شَيْءٍ ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ ﴾ ﴿الأنعام: ٣٨﴾ هذا الوعي هو السَّبيل الواسع إلى المشاركة الحضارية، واليقظة الناقدة لوضعنا البشري المأزوم بين الأمم.ليس هناك أقسى من رفض الآخر المختلف، لأنّ الرفض لا يقصي بالقوة إنسانًا فحسب، بل ينفي حق الاختلاف نفسه. غير أنّ المعضلة تتعمق حين يتحوّلُ الرَّفضُ من أمر عارض إلى موقف بنيوي في العقل الإسلاموي، إذ يغدو آلية تفكير قبل أن يكون ردّ فعل على الاختلاف. وعندئذ فإنّ رفض من ينتمي إلى الجماعة نفسها، عقيدة ومذهبًا ودينًا مثلا، لا يكون استثناءً. بل قاعدة تؤكّد طبيعة العقل الإسلاموي الإقصائية. وإذا كان المنتمي إلى الجماعة غير ناجٍ من هذا المنطق التَّسلطيّ، فإن من هو خارجها يصبحُ مرفوضًا بالبداهة. لا لسبب منطقي معقول وسليم وصادق، ولكن لأن الرفض هنا نتيجة منطقية مُسبقة تفرضها بنية التفكير ذاتها. من هنا يغدو رفض المختلف خارج الجماعة ليس أمرًا واردًا فحسب، بل لزومًا منطقيًا يمليه النسقُ المتسلط، لا البرهان أو الحجة السليمة.وقد بيَّنت التحليلات السيكولوجية أنّ رفض الغير ليس فقط موقفًا أخلاقيًّا منه، بل عرض نفسي ينمُّ عن تراكم تجارب الطفولة القاسية التي تحكمُ صورة الشخصية تجاه نفسها والعالم مُستقبلا، وهو جرح نفسي لا يمكنُ الشفاء منه إلا بمواجهته الواعية. غير أنّ ما يمكن تسميتهم بالأموات الأحياء يرفضون هذا المسار العلاجي، لأنّهم لا يعترفون بتجاربهم الماضية أو اللاشعور التاريخي للفرد، بوصفه أرشيفًا نفسيًا، رغم مسؤوليته المباشرة في بناء هوياتهم الهشَّة والمفخخة. وبما أنّ هذا الاعتراف غائب، فكيف يكون الاعتراف بالغير القريب، بله الاعتراف بالغير البعيد. بعد هذا الفشل فيما يمكنُ تسميته بالقراءة النفسية السلمية للذات، تتحول المواجهة إلى إقصاء منجزات الحضارة الإنسانية نفسها. وهكذا يتحوّل الإقصاء النفسي إلى انتقام ثقافي أو رمزي؛ فبدلّ تفكيك أرشيف اللاشعور كما سماه جاك دريدا، يعمدون إلى تكفير رموز الحضارة العالمية والنهضة العربية، ويتوهمون أنهم قادرون على هدم معالمها.وإذا كان وجودهم الداخلي غير قابل للتساؤل لديهم، فإنّ ما يتبدّى لهم من صور الحضارة يصبح ساحتهم الوحيدة لإعلان الوجود. ومن البوابات الخلفية ينسحبون ليؤسِّسوا جماعاتٍ متطرفة، تعدّ صدى نفسيًّا وثقافيًّا لتلك التعثّرات اللاشعورية.لهذا السبب، ولأسباب أخرى، ما زلنا منذ ما لا يقلّ عن قرن ونصف، أي منذ التحولات التي دشنتها النهضة العربية، نراوح مكاننا، ونتعثر في خطونا إلى المستقبل، لأن المسار لم يكن مسار مواجهة الذات، بل إعلان الوجود خارجها، ولا مسار الإبداع المتَّصّل، بل الإبداع في الرفض والإقصاء ومقاومة الحضارة.حين ينقلب التواصل إلى ضدّهلقد أتاحت التكنولوجيات التواصلية المعاصرة للإنسان المعاصر سهولة الاتصال مع أخيه الإنسان، ليخرج من منطق التوحُّش إلى سعة المدنية. لأن الوسيط لا يوصل الرسالة فحسب، بل ينقل الوعي أيضًا. لكن، المفارقة التي نلاحظها اليوم أنّ العقل المتسلِّط لا يفرق بين التواصل واللاتواصل، حيث يظهر في صورة جديدة لا تناسب تكنولوجيا وسائل التواصل الاجتماعي، بل تمهد لما يمكن تسميته بوسائل اللاتواصل الاجتماعي، حين ينقلبُ التواصل إلى ضده، فرغم الإمكانات التقنية التي يمكنُ أن يدبر بها العقل المتسلط وجوده التاريخي من خلالها، إلاّ أنه يقلبها إلى مستحيل ثقافي، وإصرار على القطع مع كل أسباب النهوض والإرتقاء إلى مراتب الأمم المتحضرة. وهكذا فمنصات مثل Facebook وTikTok تغرق في التفاهة والشعبوية الدينية والتهديد والاستعلاء والسَّب والشتم والتكفير، لأنها تدار بعقلية خارج الإبداع المتَّصل وشروط السِّلم الاجتماعي.إن العقل المتسلِّط لم يفهم التواصل ووسائله التكنولوجية الرقمية بأشكالها الصحيحة، فكانت منصَّات تفرِّخ الفتاوى التدميرية العابرة للقارات، والتطرف العنيف العابر للأعمار، فلا يفرق العقل المتسلط اللاتواصلي في وسائله التكنولوجية بين الذكر والأنثى، بين الحامل والمطلقة، بين الفقير والغني، بين الصومالي والأمريكي، بين الأمي والمتعالم، بين الجاهل وطالب علم، بين الشمالي والجنوبي، بين الشرقي والغربي.. كل عنده سواء. وبما أن الإمكانات التقنية بلا مصالحة نفسية، وجموح نحو رفض الغير، فإنّ النتيجة هي رفض أخلاقيات التواصل وسوء فهم وسائله. ومن لا يمتلك شروط التواصل يستحيل عليه أن يمتلك أسباب المنافسة.نعود من جديد إلى السؤال الجوهري: لماذا يتحمُّس المتسلُّط الجديد لمنطق التكرار ونسق التقليد وتقليد التقليد، منذ مئات السنين، مستغلا منصّات تكنولوجية يفترض أن توسع من أفق الإنسان، فإذا بها تستخدم لإعادة إنتاج التسلط ذاته بأدوات جديدة؟لا يمكنُ أن تكون الإجابة عن السؤال السابق كاملة وثابتة، لأن الأفكار لا تنفصلُ عن شرطها التاريخي، ولا يمكن تأويلها خارج صيرورتها. وفي عالم يعج بالمفاجآت العلمية والتقنية الرقمية، لا يكون التفسير قطعيًا، بل نسبيًا وتراكميًا، فتاريخ العلم كما نستلهمُ ذلك من قول الفيلسوف جاستون باشلار هو تاريخ تصحيح أخطائه، أي أنه خاضع لتحولات السياق ومعاييره القائمة على التصحيح أو التكذيب بتعبير كارل بوبر.غير أنّ ما يمكنُ التأكيد عليه – بما لا يدع مجالا للتأويل المتسلط- أن قطار الحضارة الذي بشّرَ به رواد النهضة العربية، مثل سلامة موسى، وشبلي شميل، وجورجي زيدان، ومحمد عبده، وطه حسين، ونجيب محفوظ، وعبد الرحمان بدوي، وعلال الفاسي، ومحمد عابد الجابري … لم يعد اليوم قطارًا، بل ترسانة فائقة السرعة، غوَّاصات ونفَّاثات وطائرات الدْرُون، بل طائرات مسيَّرة من دون طيَّار، وعوالم رقمية تتقدّمُ فيها الخوارزميات بخطواتٍ أوسع من قدرات الإنسان نفسه، تتمثل في إدارة تحليل البيانات وتأثيرها الرمزي على مَصير العِلم والعالم … وبالتالي فإن التكفيريات المعاصرة التي تلقي المحاضرات والخطب والزعيق البارد فوق كرسيّ عصري، وأمام كاميرا رقمية لا تنظر إلى العالم بصفاء المعرفة، تعمل على إقصاء نفسها من أندية التقدم الإنسانية عندما تفصح عن فكرها. فتظهرُ من تلك البيانات أنها تعادي العالم وروح الرقمنة
NOW PLAYING
فيِ تَشريح العقل المتسلِّط: بين الإبداع المزيف ونسق الرَّفض د. بدر الحمري
No transcript for this episode yet
Similar Episodes
May 12, 2026 ·3m
May 11, 2026 ·5m
May 11, 2026 ·3m
May 10, 2026 ·5m
May 10, 2026 ·3m