EPISODE · Sep 3, 2026
جمانة حداد: جلدي القديم
from مدونة اليوم · host مونت كارلو الدولية / MCD
ثمة تهمة غريبة نوجّهها أحياناً إلى البشر: لقد تغيّرتَ. لقد تغيّرتِ. سمعتها في حياتي أكثر من مرة، وأعترف أنني لم أفهم يوماً لماذا يُفترض بي أن أشعر بالإهانة منها. بالعكس، أكثر ما كان سيخيفني أن يقول لي أحدهم، بعد عشرين عاماً: لم تتغيّري أبداً. نقولها غالباً كما لو أننا نقول: لقد خنت نفسك. كأن الإنسان يولد بنسخته النهائية، وعليه أن يحملها حتى الموت من دون تعديل، وإلا اتُّهم بالتناقض. لكن لماذا يُفترض أن أبقى وفية لامرأة كنتها قبل عشرين عاماً؟ تلك المرأة كانت تعرف أقل. عاشت أقل. خسرت أقل. أحبت أشخاصاً لم أعد أحبهم، وخافت أشياء لم تعد تخيفني، وربما دافعت عن أفكار أختلف معها اليوم. لماذا يجب أن أكون سجينة قناعاتها لمجرد أنها كانت، ذات يوم، قناعاتي؟ نحن نحب الثبات لأنه يطمئننا. نريد الآخرين قابلين للتوقع، واضحين، موضوعين في خاناتهم. هذا يساري، ذاك محافظ، هذه قوية، تلك ضعيفة، هذا لا يتزوج، تلك لا تريد أطفالاً. ثم يأتي الإنسان ويرتكب جريمته الكبرى: يتغيّر. فنصرخ: ولكنك قلت العكس قبل عشر سنوات! طبعاً قلت العكس. كنت شخصاً آخر قبل عشر سنوات. المشكلة ليست في أن نغيّر رأينا. المشكلة في أن نفعل ذلك بلا تفكير، أو لمصلحة، أو خوفاً، أو سعياً وراء التصفيق. هناك فرق شاسع بين الانتهازية والتطوّر. الأولى أن تغيّر جلدك كي يناسب الطقس. والثاني أن تكتشف أن جلدك القديم لم يعد يتّسع لك. حتى الوفاء لأنفسنا أُسيء فهمه. الوفاء الحقيقي ليس أن أبقى كما كنت، بل أن أملك شجاعة الاعتراف بأنني لم أعد كما كنت. ربما لهذا يخاف البعض من تغيير آرائهم. ليس لأنهم مقتنعون بها إلى هذا الحد، بل لأنهم يخشون الجملة الشهيرة: «ألم تقولي سابقاً…؟» بلى، قلت. ثم عشت. وهذه الـ«ثم» هي كل الحكاية. عشت، ورأيت، وأخطأت، وقرأت، وخسرت، وأحببت، وخاب ظني، وفهمت أشياء لم أكن أفهمها. ما قيمة كل ذلك إذا كان المطلوب مني أن أخرج منه بالشخص نفسه الذي دخل؟ لا أريد أن أكون متّسقة مع ماضيّ إلى درجة الخيانة لحاضري. وأرجو، بعد عشر سنوات، أن أختلف أيضاً مع بعض ما أقوله اليوم. لأن البديل الوحيد عن التناقض أحياناً ليس الثبات. إنه الجمود.
Embed this episode
Ready to play
جمانة حداد: جلدي القديم
No transcript for this episode yet
Similar Episodes
No similar episodes found.