جمانة حداد: لا أعرف
from مدونة اليوم Hosted by مونت كارلو الدولية / MCD
ثمة أشياء كثيرة أخجل من أنني لا أعرفها، لكنني أخجل أكثر من الأشياء التي قلتُ إنني أعرفها، ولم أكن أعرف. فقد فعلتها، طبعاً. أومأت برأسي أحياناً عندما كان يجب أن أسأل: «عمّ تتحدث؟». أبديت رأياً في موضوع لم أكن مطّلعة عليه بما يكفي. دافعت، بثقة في غير مكانها، عن فكرة اكتشفت لاحقاً أنني لم أكن أفهمها أصلاً. لا أظن أنني استثناء. الاعتراف بالجهل أصعب علينا، نحن البشر، من الجهل نفسه. وهنا المشكلة. العصر لا يساعدنا. يُتوقع منا أن نعرف كل شيء، والأسوأ، أن يكون لنا رأي في كل شيء. تندلع حرب صباحاً، فنصبح خبراء فيها ظهراً. تُنشر دراسة علمية، فنناقش نتائجها قبل أن نقرأها. نسمع عن قضية معقدة في بلد لا نعرف عنه سوى موقعه على الخريطة، وبعد خمس دقائق نكون قد حددنا مَن هو المجرم ومَن هو الضحية وما الحل. "لا أعرف" ليست جاذبة بما يكفي على السوشال ميديا. لا تحصد كثيراً من الإعجابات، ولا تجعل صاحبها يبدو مثيراً للاهتمام. اليقين أكثر جاذبية، حتى عندما يكون كاذباً. الجزم أكثر انتشاراً، حتى عندما يصدر عن جهل. الغريب أنني، كلما تقدمت في العمر وعرفت أكثر، صرت أكثر ارتياحاً إلى جهلي. في العشرين، كانت لديّ إجابات مذهلة عن أسئلة هائلة. اليوم، لديّ أسئلة أكثر وإجابات أقل. لا أعتقد أنني أصبحت أقل ذكاء. كل ما في الأمر أني أصبحت أدرك حجم المساحة الهائلة الواقعة خارج حدود معرفتي. وللتوضيح: "لا أعرف" ليست هي نفسَها "لا أريد أن أعرف"، التي تنم عن نبذ للمعرفة. ولا هي نفسَها "لا أستطيع أن أعرف"، التي هي اعتراف بالعجز. ولكن لعلّ أخطر ما يقابل "لا أعرف" هو الـ "طبعاً أعرف"، أي الجهل الواثق من نفسه. مثلاً، الطبيب الذي يقول "لا أعرف، أحتاج إلى المزيد من الفحوص" يطمئنني أكثر ممن يخمّن تشخيصاً كي لا يعترف بحيرته. والمفكر الذي يقول "لم أحسم رأيي بعد" أكثر جدارة باحترامي ممن يملك جواباً فورياً عن كل سؤال. لكننا، لسبب ما، نكافئ أصحاب الأجوبة أكثر من أصحاب الشكوك. ربما لأن «لا أعرف» تتركنا عراة للحظة. تسحب منا سلطة المعرفة، وتضعنا أمام شخص آخر بلا درع. لكنها تفتح أيضاً شيئاً لا يستطيع اليقين الزائف فتحه: باباً للتعلّم. لا. لم أعد أخجل من "لا أعرف". صرتُ فقط أخجل من المرات التي كان يجب أن أقولها فيها، ولم أفعل.
Embed this episode
No transcript yet.