EPISODE · Dec 2, 2023 · 49 MIN
قصة الشيء في الصندوق
from الأعمال الكاملة لـ د. أحمد خالد توفيق · host أحمد خالد توفيق
قصة الشيء في الصندوقأحمد خالد توفيق..فريشت.. فريشت.. فريشتالصوت يحطم الأعصاب. يمكنك أن تجن بلا مبالغة. هناك تلك النغمة المكتومة، وهناك ذلك الإحساس القوي بالتربة الرطبة.. قليلة هي الأصوات التي تنقل لك رائحة العفونة، لكنها الحقيقةفريشت.. فريشت.. فريشتكلب ينبح من بعيد وهو مولع بأن يطيل نغمة النباح لتتحول إلى عواء طويل موحش. أما عن ذلك الصوت فأنا لم أسمع صوت البومة إلا في السينما.. ربما كانت بومة.. لو لم تكن فهي كارثةعلى ضوء الكشاف يعمل اللحَّاد في فتح القبر. لا تراه إلا بصعوبة، لكنك تعرف مهمته المشئومة.. بينما يقف هشام وصلاح خارج القبر متوجسين يتلفتان في ذعر.. أخوان.. يمكنك أن تدرك هذا من الملامح المتشابهةعلى ضوء الكشاف يعمل اللحَّاد في فتح القبر ـ (رسوم: فواز) ـهذه ملامح أكلة لحوم بشر أو مصاصي دماء.. لا شك في هذا.. الوجه الأسمر والنظرات الزائغة والخدان الغائران.. الحقيقة هما ليسا مصاصي دماء بالمعنى الحقيقي بل بالمعنى المجازيهشام يمسك بلفافة تبغ متوترا وينفث كميات دخان لا يمكن وصفها.. السبب هو أنه يريد أن ينسى الرائحة الكريهة الخانقة. صلاح لا يدخن، لذا لف أنفه بمنديل وحاول ألا ينظرفريشت.. فريشت.. فريشتالهواء يدخل إلى العمة التي توفيت منذ أسبوع.. طبقة الأسمنت ما زالت هشة بليلة من الداخل. الرائحة قاتلة.. وفكرة أن تفتح العمة عينيها القاسيتين لتقول لهما:ــ مش عيب كده يا ولد منك له؟لن يعيشا بعدها. سوف يسقطان ميتين.. هذا أكيدلكن اللحَّاد بالداخل، وهو يعرف ما يفعله.. مع اللحَّاد أنت مطمئن. الطمأنينة الرتيبة للاحتراف.. هذا أقوى من أي شبح أو مسخ. هناك على الأرض بعض من لا يخافون الموتى.. من يؤمنون أن هذا القبر لا يحوي إلا بروتينا متحللا وكبريتا وكربونا وهيدروجيناسحابة دخان أخرىأخيرا تظهر الساقان النحيلتان للحَّاد وهو يخرج.. بالطبع يمارس عمله بالكلسون الداخلي، وعندما يخرج تدرك أنه رجل نحيل ضامرـ سيجارةناوله هشام سيجارة بيد راجفة وأشعلها له. جفف اللحَّاد عرقه وسحب نفسا عميقا ثم قال:ــ هذه هيفي يده كان الصندوق الصغير.. الصندوق الذي يذكرك بعلبة شاي مبطنة بالقطيفة. بالطبع صارت لهذا الصندوق أهمية سيكولوجية ثقيلة بعد ما ظل في كفن الفقيدة أسبوعا كاملا. لقد اتسخ بتابوت الموت لو كنت تفهم ما أعنيهكانا يعرفان أن الصندوق يحوي سرا مهما.. ويعرفان أن العجوز ظلت تحتفظ به حتى آخر لحظة في حياتها، ويعرفان أنها طلبت أن يدفن معها فلا يراه أحد سواهاكان الصندوق مفعما بالاحتمالات.. صندوق بهذا الحجم لا يمكن أن يضم مالا.. على الأرجح يضم حجرا نفيسا أو قطعة حلي لا تقدر بثمن. إن أسرة الفقيدة نفذت الوصية حرفيا.. العمة لديها أغبى مجموعة من الأولاد يمكنك أن تجدها في حظيرة.. لم يخطر ببال أحدهم أن يفتح الصندوق أو يلقي نظرة. نفذوا وصية أمهم حرفيا وخاطوا الكفن على السرحسن.. هناك أشخاص لا يقبلون الأمور كمسَلّمات. هذه هي العجينة التي جاء منها المستكشفون القساة الذين ذبحوا شعوب أمريكا الجنوبية، ولم يكن هشام وصلاح يحبان عمتهما البتة، كما أنهما كانا من الطراز.. لن أقول الطراز المفلس.. بل هما من الطراز الذي تتجاوز طموحاته وشهواته دخله. هكذا وجدا أنهما يرغبان فعلا في معرفة محتويات ذلك الصندوقلن يؤذي هذا العمة العزيزة.. الشاه لن يضيرها سلخها بعد ذبحها، والقصة كلها رمزية على كل حال.. تغيير وصية ميت أمر ذو قيمة معنوية أخلاقية لا أكثروعندما أخذا الصندوق كانا يشعران باحتقار بالغ نحو اللحَّاد برغم كل شيء.. كل اللحَّادين لصوص قبور بطبعهم، وهم مستعدون لبيعك لمن يطحن عظامك ليجعلها سمادا أو لطلبة الطب أو لمن يطعمك للخنازير.. لكن يظل السؤال قائما: هل فتح اللحَّاد الصندوق؟ هل أخذ شيئا ما؟احتمال قائم خطر.. لكن كيف يثبتان العكس؟.. خطر لهما على كل حال أن الوقت ضيق.. لم يجد اللحَّاد فرصة ليسرق ما في الصندوقوأخيرًا نقدا اللحَّاد ماله، واتجها بالصندوق المريع نحو البيتلدى الأخوين شقة مفروشة يقيمان فيها بعيدا عن باقي الأسرة، وبما أن مزاجهما واحد فقد كانا يتبادلان ساعات استخدام الشقة.. الليلة هما بحاجة لأن يكونا معاعالج هشام الصندوق.. كان هناك مسمار محوي صغير يغلقه فرفعه، وألقى نظرة للداخل. رائحة العمة العطرية الخفيفة تملأ داخل الصندوق فعلاأخرج وريقة صغيرة مطوية من داخل الصندوق.. ثم بدت على وجهه خيبة الأمل.. لا شيء.. لا شيء على الإطلاق.. فتح الصندوق بقوة، ثم استلّ سكينا فراح يمزق أستار الصندوق.. بعد لحظات تحول الصندوق إلى نفايات.. لا يوجد شيءهمس صلاح وهو يرتجف:ــ افتح الورقةبيد واحدة فتح هشام الورقة الصغيرة، وقرأ بصوت عال:ــ هذا شعر.. بيتا شعر يقولان:ـولما توارى شعاع الأصيلوعدنا من الغاب نبغي الرحيلادعتْ لي بسلوى وصبر جميلإذا ما الوصال غدا مستحيلافتح هشام الورقة الصغيرة وقرأ بصوت عال ـ (رسوم: فواز) ـقال صلاح في خيبة أمل:ــ ما هذا الكلام الفارغ؟قال هشام محاولا الفهم:ــ صبرا.. هذه قصيدة.. هناك شفرة كالعادة.. شفرة كلمات معينة تقود لمكان كنز.. أنا متأكد من هذا, لا أحد يصر على دفن هذا الهراء معه في القبر ما لم يكن.. ـثم راح يحرك شفتيه محاولا الفهم:ــ ربما هناك شارع اسمه الأصيل. ربما هناك غابة دفن فيها المال.. من هي سلوى؟نهض صلاح غاضبا:ــ القصة بسيطة.. المرأة قد جنت.. هذا كل شيءثم تقلص وجهه وهتف في توحش:ــ أو اللحَّاد قد خدعناـ هذا واردوتبادلا نظرة وحشية.. لم يكن عنده وقت كاف للسرقةأم كان عنده؟الأمر ليس صعبا.. في ظلام القبر يجد الصندوق.. يزيح المسمار. يجد جوهرة أو حلية.. يدسها في جيبه. يخرج مغبرا لاهثًا إلى الأبلهين في الخارجما يعرفه صلاح هو أنه تناول سكينا بينما تناول هشام خنجرا، وانطلق الاثنان لا يلويان على شيء نحو المقبرةيجب أن يتكلم اللحَّاد وإلا فالذنب ذنبه This podcast includes content produced or editorially adapted under a mix of owned rights and lawful use.We respect intellectual property and review any documented rights inquiry.Rights contact: [email protected] Hosted by Simplecast, an AdsWizz company. See pcm.adswizz.com for information about our collection and use of personal data for advertising.
Embed this episode
NOW PLAYING
قصة الشيء في الصندوق
No transcript for this episode yet
Similar Episodes
No similar episodes found.
Similar Podcasts
No similar podcasts found.