EPISODE · Aug 10, 2026 · 5 MIN
فسبازيان: الفلاح الذي أنقذ روما ومات واقفًا
from من أرشيف القرية الإلكترونية · host القرية الإلكترونية - أبوظبي
فسبازيان: الفلاح الذي أنقذ روما ومات واقفًا هل تصدق أن إمبراطورًا حكم روما بأكملها كان يوصي بأن تفوح من الرجال رائحة الثوم لا العطر؟ هذا ليس مشهدًا من مسرحية ساخرة. هذا فسبازيان. الإمبراطور الذي جاء بعد سلسلة من الأباطرة جعلت الناس تتوق إلى رجل واحد فقط يتصف بالحكمة والكفاية والشرف. واليوم سنتعرف على قصة هذا الرجل الاستثنائي. عندما رفعه جنوده إلى العرش، لم يتعجل فسبازيان القدوم إلى روما. كان يخوض غمار الحرب في بلاد اليهود. فلما وصل إلى روما في أكتوبر عام سبعين، وجد مجتمعًا مضطربًا في كل ناحية من نواحيه. فماذا فعل؟ سار على سيرة أغسطس. سالم مجلس الشيوخ، وأعاد الحكم الدستوري، وأطلق سراح من حُكم عليهم بمقتضى قانون الخيانة في عهود سابقة، واستدعى المنفيين. ثم أعاد تنظيم الجيش، وأغلق هيكل Janus رمزًا لعودة السلام. لكن ما يجعل قصته مدهشة حقًا هو أصله. كان مولده في قرية قريبة من Reate، وأسرته من عامة الشعب. تخيل ذلك. فلاح يجلس على عرش أعظم إمبراطورية في العالم. وكان جلوسه على العرش ثورة رباعية كما وصفها المؤرخون. قائد يتربع على العرش، وجيش من جيوش الولايات يتوج من يريده، وأسرة الفلافيين تخلف أسرة اليوليو كلوديين، وعادات الطبقات الوسطى وفضائلها تحل في بلاط الإمبراطور. ولم ينس فسبازيان أصله المتواضع قط. ولما حاول النسّابون أن يصلوا بنسبه إلى أحد أصحاب هرقل طمعًا في عطائه، أرغمهم بسخريته على الصمت. كان يعود إلى البيت الذي وُلد فيه، ويأكل طعام الفلاحين، ويصوم يومًا في كل شهر. وحين جاءه رجل تفوح منه رائحة العطر يطلب منصبًا، قال له: لقد كنت أوثر أن تفوح منك رائحة الثوم. ورجع عن ترشيحه. وهل تعلم أنه كشف مرة عن مؤامرة تُدبَّر لقتله؟ فماذا فعل بالمتآمرين؟ عفا عنهم. وقال إنهم بلهاء لا يدركون عبء المتاعب التي ينوء بها كاهل الحاكم. ولم يفقد حلمه إلا مرة واحدة، مع هلفديوس برسكس الذي أخذ يطعن عليه طعنًا مرًا، فنفاه ثم لوّث حكمه الصالح بأن أمر بإعدامه. وقد ندم على ذلك فيما بعد. أما في المال، فكانت عبقريته العملية في أوضح صورها. احتاج إلى أربعين ألف مليون سسترس لينتشل البلاد من وهدة الإفلاس. ففرض الضريبة على كل شيء تقريبًا، حتى على المباول العامة. واحتج ابنه على هذه الضريبة المنافية للكرامة، فأمسك الإمبراطور الشيخ ببعض النقود المحصلة منها وقربها من فم الشاب وقال: انظر يا بني، هل تشم لها رائحة كريهة؟ لكن هذا المالي الماهر لم يستخدم لنفسه شيئًا مما جمعه. بل أنفقه كله في إنعاش الاقتصاد وتجميل روما. وأنشأ أول نظام للتعليم تقوم به الدولة في التاريخ القديم، فأمر بأن تُؤدى لمدرسي الآداب والبلاغة اللاتينية واليونانية أجورهم من خزانة الدولة، وأن يُوظف لهم معاش بعد عشرين عامًا من الخدمة. وأعاد بناء هيكل جوبتير ويونو ومنيرفا، وشاد معبدًا لإلهة السلام، وبدأ أشهر المباني الرومانية كلها: الكولسيوم. وحين عرض عليه أحد المخترعين آلة رافعة تقلل الحاجة إلى العمل الجسماني، أبى أن يستخدمها. وقال: إني أريد أن أطعم شعبي. أدرك مشكلة التعطل، وقرر الحيلولة دون حدوث ثورة صناعية. وعهد إلى ابنه تيتس أن يخمد ثورة اليهود، فاستولى على أورشليم وعاد إلى روما في موكب نصر خلّده قوس شهير. وحين آن أوان التفكير في وراثة العرش، رأى فسبازيان أن تيتس خير الأخيار، فأجلسه معه على العرش. وفي أيامه الأخيرة، بعد أن شرب من ماء بحيرة Cutelia فأصيب بإسهال شديد، ظل طريح الفراش يستقبل الرسل ويؤدي واجبات منصبه. واحتفظ بفكاهته حتى آخر لحظة، فقال وهو يعلم أنه قاب قوسين من الموت: وا أسفاه، أظن أني صائر إلى أن أكون إلهًا. ثم وقف على قدميه وأعانه أتباعه، وقال: إن الإمبراطور يجب أن يموت واقفًا. وهكذا ختم حياة كاملة بلغت التاسعة والستين عامًا، واختتم حكمًا صالحًا دام عشر سنين. فما الدرس الذي يتركه لنا فسبازيان؟ ربما هو أن العظمة الحقيقية لا تحتاج إلى أنساب مزيفة ولا قصور فارهة. رجل من عامة الشعب، بإرادة قوية وذكاء عملي، أعاد لروما كرامتها. وهو عمل يكاد يكون معجزة من المعجزات. وحتى في مواجهة الموت، اختار أن يقف. واقفًا عاش، وواقفًا مات.
Embed this episode
What this episode covers
فسبازيان: الفلاح الذي أنقذ روما ومات واقفًا هل تصدق أن إمبراطورًا حكم روما بأكملها كان يوصي بأن تفوح من الرجال رائحة الثوم لا العطر؟ هذا ليس مشهدًا من مسرحية ساخرة. هذا فسبازيان. الإمبراطور الذي جاء بعد سلسلة من الأباطرة جعلت الناس تتوق إلى رجل واحد ف
Ready to play
فسبازيان: الفلاح الذي أنقذ روما ومات واقفًا
No transcript for this episode yet
Similar Episodes
No similar episodes found.