من أرشيف القرية الإلكترونية podcast artwork

PODCAST · history

من أرشيف القرية الإلكترونية

بودكاست ثقافي يقدم مقتطفات من أرشيف القرية الإلكترونية في أبوظبي — مادة مختارة من التاريخ والأدب والحضارات العربية والعالمية

Publisher-supplied feed metadata · PodParley refreshed Aug 26, 2026 · Source feed

  1. 50

    عندما كان الأب ملكًا: أسرار البيت الروماني

    عندما كان الأب ملكًا: أسرار البيت الروماني هل تعلم أن مولد طفل في روما القديمة كان مغامرة قد تنتهي بالموت قبل أن تبدأ الحياة؟ نعم. فالعادات الرومانية كانت تبيح للأب إذا وُلد له طفل مشوه أو كانت المولودة أنثى أن يعرضه للموت. هكذا ببساطة. لكن خلف هذه القسوة الصادمة، تكمن قصة واحدة من أقوى المؤسسات في التاريخ. قصة الأسرة الرومانية. مرحبًا بك في رحلة إلى قلب البيت الروماني، حيث كان الأب ملكًا، والأسرة جيشًا صغيرًا في حرب دائمة. لنبدأ من البداية. إذا نجا الطفل من ذلك الاختبار الأول، كان مولده موضع ترحيب كبير. لماذا؟ لأن الرومان كانوا شديدي الرغبة في الإنجاب. فالحياة الريفية جعلت الأبناء مصدرًا من مصادر الثروة، والرأي العام كان يندد بالعقم. بل إن الدين نفسه كان يشجع على كثرة النسل، إذ اعتقد الرومان أن من يموت دون ولد يعتني بقبره، تقاسي روحه ألوان الشقاء والعذاب إلى أبد الدهر. وبعد ثمانية أيام من مولد الطفل، كان يُقام احتفال رسمي مهيب حول موقد الدار، يُضَمُّ فيه الصغير إلى الأسرة والعشيرة. وكان للأسماء نظام دقيق. فالولد يحمل اسمه الأول مثل Publius أو Marcus، ثم اسم عشيرته مثل Cornelius أو Julius، ثم اسم أسرته مثل Scipio أو قيصر. أما النساء فَكُنَّ يُعرفن غالبًا بأسماء عشائرهن وحدها، مثل Cornelia أو Julia. ولأن أسماء الذكور الأولى لم تكن تتجاوز خمسة عشر اسمًا تتكرر جيلًا بعد جيل، اضطر الرومان إلى اختصارها بحروفها الأولى وإضافة اسم رابع وخامس أحيانًا للتمييز. ومن أشهر الأمثلة التفريق بين Scipio قاهر هنيبال الملقب بالإفريقي الأكبر، وسَمِيّه الذي دمر قرطاجنّة والملقب بالإفريقي الأصغر. والآن، تخيل معي سلطة الأب في هذا البيت. سلطة تكاد تكون مطلقة من كل القيود. هو وحده صاحب الحقوق القانونية في عهد الجمهورية الأول. هو وحده من يشتري ويبيع ويتعاقد. حتى بائنة زوجته كانت مِلكًا له. وإذا اتهمت زوجته بجريمة، أُحيلت إليه هو ليحاكمها بنفسه، وكان بمقدوره أن يحكم عليها بالإعدام إذا خانته أو حتى إذا سرقت مفاتيح خزائن خمره. أما أبناؤه؟ فله عليهم حق الحياة والموت، بل وحق بيعهم في الأسواق بيع الرقيق. وكل ما يكسبه الابن يصبح مُلكًا خالصًا لأبيه. لكن مهلًا. هل كانت الحياة الرومانية بهذه القسوة فعلًا؟ هنا تكمن المفارقة المدهشة. فالقوانين كانت في حرفيتها أشد منها صرامة في تطبيقها. قلما طبّق الرومان أقسى هذه القوانين. ولم تقف تلك السلطة في وجه حنان الآباء الطبيعي على أبنائهم، ولا تعظيم الأبناء لآبائهم. حتى إن شواهد القبور في روما بلغت من الرقة ما بلغته في بلاد اليونان. وماذا عن المرأة؟ صحيح أن القانون حرم عليها الظهور في المحكمة ولو شاهدة، ووضعها طوال حياتها تحت رقابة رجل، أبيها أو أخيها أو زوجها أو ابنها. لكن الواقع كان مختلفًا. فقد كان من حقها أن ترث، وأن تتملك دون حد أقصى. بل إن نساء كثيرات في أواخر عهد الجمهورية أصبحن من ذوات الثروات الطائلة،وذالك لأن أزواجهن كانوا يهرّبون لهن أملاكهم هربًا من الديون والضرائب. وفي الدين كان لها شأن غير قليل، فكان لها أن تكون كاهنة. أما في المنزل، فكانت هي السيدة المعظمة. لم تُحْجَز في جناح الحريم كالزوجة اليونانية، بل كانت تتناول الطعام مع زوجها، وتربي أطفالها بنفسها، فيجْزيها أبناؤها حبًا عميقًا وإجلالًا عظيمًا. وهكذا نصل إلى جوهر القصة. كلمة Familia عند الرومان لم تكن تعني أسرة بقدر ما تعني بيتًا بمن فيه وما فيه. الأب والأم، والأرض والأملاك، والأبناء والأحفاد، والعبيد والموالي. كلهم يخضعون لأكبر الذكور سنًا. مجتمع صغير يضم في داخله وظائف الأسرة والكنيسة والمدرسة والنظم الصناعية والحكومية معًا. في هذا النطاق شب الطفل الروماني وترعرع على حب الطاعة والتقوى. فكان منه مُواطنٌ قوي صَلب العود في دولة لا تُغلب. وربما هنا يكمن السر الأعظم. فتلك الأسرة الصارمة، بقسوتها وحنانها معًا، كانت هي الأساس الذي قامت عليه أخلاق الرومان وحكومتهم. أساسٌ بعث في أخلاقهم صلابة وقوة، خير ما توصف به أنها قوة رواقية. فهل كانت عظمة روما تبدأ من هناك، من حول موقد الدار؟

  2. 49

    أمسية قرطاج: أسرار سان جون بيرس كما روتها أرملته

    أُمسِيَة قرطاج: أسرار سان جون بيرس كما روتها أرملته في مساء خريفي بعيد على شواطئ قرطاج جلس شعراء شباب أمام امرأة أميركية فارعة القامة ليتحدثوا عن رجل لم يزر العالم العربي قط لكن شِعره غزا أرواحهم وغيّر لغتهم. تلك المرأة كانت دوروتي ليجي زوجة الشاعر الفرنسي الأسطوري سان جون بيرس. وبعد سنوات طويلة وعلى بوابة مكتبة الكونغرس في واشنطن سيسمع الكاتب جملة قصيرة تعيد كل شيء إلى الحياة: لقد توفيت دوروتي هذا الأسبوع. كيف تختلط الذكريات في رؤوسنا؟ في ذاكرة كاتبنا اختلطت أُمْسِيتان رغم السنوات التي تفصل بينهما. أمسية ببغاء كلود الذي كان يصدح من وراء قضبان قفصه الحديدي أمام خليج قرطاج مرسِلاً أنغام غابته وسط صالون باروكي إيطالي. وأمسية أخرى دعا فيها الشاعر لوران غسبار أصدقاءه بعد محاضرته عن بيرس في قاعة مكتبة شارل ديغول. كانوا ثلاثة من الأصدقاء: الحبيب السالمي ومحمد الغزي ومنصف غشام. جاؤوا للقاء أرملة الشاعر الذي كان قد توفي منذ أشهر فقط. في تلك القاعة الرخامية البيضاء التي تتوسطها نافورة من المرمر في بيت الشاعرة جاكلين دواد جلست دوروتي بلطف وأناقة أرستقراطية. لم تكن الجلسة محاضرة جامعية متجهمة بل جلسة شاي عفْوية. تحدثت دوروتي باقتضاب عن زوجها. قالت إنه لم يكن يحب الحديث عن شعره وكان صارما في ذلك رغم أنه كان يحب الكلام والإبهار في لقاءاته مع الأصدقاء. ثم جاءت المفاجأة. حين ذكر الحاضرون الترجمات العربية لأشعار بيرس أظهرت دوروتي سرورا وتعجبا. لم تكن تدري أن ترجمات عربية لأشعار زوجها بدأت تظهر منذ أواخر الخمسينات. ذكروا لها ترجمة أدونيس الرائدة في مجلة شعر وأسماء مُترجِمين كثيرين. وقالوا لها إن اللغة العربية لغة غنائية في جوهرها لذا لم تجد عنتا في استيعاب الغنائية الفرنسية من لامارتين إلى رامبو إلى بيرس. سألوها: هل عَرَف بيرس العالم العربي؟ قالت لا لم نأت إلى تونس. ولو درى بكل هذا الاهتمام لسَرّه جدا. ثم صمتت لحظة كأنها تسترجع شيئا قصيّا وقالت بفرنسيتها ذات اللكنة الأميركية الخفية: كان يحب شِعر اللبناني جورج شحادة. لكن أغرب ما كشفته تلك الأمسية كان هوس بيرس بصورته. هل تصدق أن شاعرا بهذه العظمة لم يَدْلِ طيلة حياته بأي حديث صحفي؟ كان شديد التحفظ حتى إن اللقب الذي اتخذه لنفسه لم يكن مجرد لعبة تخفي نرجسية بل خيارا وجوديا. وهناك قصة تشبه الروايات: الشاعر اليوناني الشهير جورج سيفيريس لَمَح بيرس صدفة في إحدى المرايا في بهو فندق بمانهاتن فقام وتعرف عليه وقضيا يوما كاملا معا. وكتب سيفيريس في مذكراته وصفا لهذا اللقاء قال فيه إن وجه بيرس يقع بين وجهي شارلي شابلن وأدولف هتلر. فما كان من بيرس حين اطلع على الترجمة الفرنسية إلا أن تَرَجّى لوران غسبار أن يزيل هذه الجملة. وصدر النص فعلا بعد وفاة الشاعر في مجلة ألف دون ذلك الوصف. وأكدت المصورة الفرنسية جيزيل فروند القصة نفسها بعد سنوات. حين دخلت عليه غرفة الفندق لتأخذ صورا تلقائية تشي ببساطة الحياة اليومية وَجًدته مسَمّرا وجامدا فوق أريكة قد هيأ نفسه بكل عناية لِيَمْثُلَ أمام عدسة الكاميرا. أما في الكتابة فكان يعامل نصوصه بصرامة شديدة يشتغل على مسودات كثيرة حتى إن قصيدته الأخيرة نشيد الاعتدال التي كتبها قبل وفاته بقليل كانت أطول بكثير من النص المنشور في غاليمار. وكشفت دوروتي أن الشاعر الأميركي أرشيبالد ماكليش صديقها وصديق بيرس هو الذي عمل على توظيف بيرس في مكتبة الكونغرس مديرا لقسم الآداب الفرنسية. فماذا تبقى من تلك الأمسية على بحر قرطاجة؟ أمسية نصفها ضوء ونصفها ظلال. لم يكن ثمة ببغاء في الصالون كما اختلط في الذاكرة. كان هناك مرمر النافورة التي بلا ماء والتي اقتلعت الآن بتجديد البيت. لكنها ما تزال مركزا حدد دائرة تَحَلَّقَ حولها الناس على امتداد السنين. وما تزال أحاديثهم تسيل في الزمن مع سيلان مياهها اللامرئية. وربما هذا ما يفعله الشعر بنا: يبقى حاضرا حتى بعد أن يرحل أصحابه وتجف نوافير بيوتهم.

  3. 48

    القاهرة التي لا يملكها أحد

    القاهرة التي لا يملكها أحد استمع جيدا لهذه المفارقة. بلد شهد أطول استعمار متصل في التاريخ. ثلاثة وثلاثين قرنا كاملة. منذ غزو الإسكندر الأكبر عام 332 قبل الميلاد حتى خروج الاحتلال البريطاني عام 1954. ومع ذلك ظل هذا البلد صامدا يرفض الموت ويحوّل حتى الموت نفسه إلى عقيدة واستمرار للحياة. هذه هي مصر. وهذه هي القاهرة التي يقول عنها كاتبنا إنها ليس لها صاحب. هي مدينة تهب نفسها إلى من تختاره. من يحبها بصدق. جاء الكاتب إلى القاهرة عام 1985 ملتحقا بجامعة القاهرة. غريبا لا يعرف أحدا. مثل ملايين تأويهم هذه المدينة التي يسميها أم اليتامى. وظل يبادلها شيئا من عدم ارتياح. لا يحتمل زحامها ولا صخبها. إلى أن جاءت الأيام الأخيرة من عام 1997. كان في الإسكندرية مع عدد من الأدباء والأصدقاء. شعروا بالجوع بعد منتصف الليل بأكثر من ساعتين. وقطعوا مسافات بحثا عن مطعم أو محل مفتوح فيه عيش وملح. كان البرد قارسا والجوع يضاعف الإحساس به. فقرر العودة في الفجر إلى القاهرة التي بدت له كالمعاتبة. ولها الحق. فلا يخلو حضنها من دفء. ولا تغلق فيها مطاعم أو صيدليات. وعلى كل رصيف قهوة يبدد روادها وحشة المكان. وماذا يستقبلك حين تصل إلى هذه المدينة؟ وجه الملك رمسيس الثاني. أول ما تصافحه عيناك قادما من شمال البلاد أو جنوبها. تمثال يقف شامخا في ميدان رمسيس أمام محطة السكك الحديدية التي تضخ أكثر من مليوني إنسان يوميا إلى العاصمة. ومنذ انتقل التمثال إلى ميدانه عام 1954 تحول إلى معلم يحلو لأحفاد رمسيس التقاط صورة تذكارية بجواره. غير مبالين بأن قاماتهم لا تبلغ ركبته. لكن القاهرة ليست مدينة واحدة. بل بضع مدن تتجاور وتتنافر وتتشاجر مثل أمعاء البطن الواحد. انتهت أيام القاهرة الفاطمية لتصبح ذكرى. وانتقل مركز الثقل منذ أيام الخديوي إسماعيل إلى منطقة وسط البلد التي بناها على غرار باريس. وفي وسطها قصر عابدين ذو الخمسمائة غرفة. قصر شاهد على صروف الدهر. ففي ميدان عابدين في التاسع من سبتمبر عام 1881 وقف الزعيم أحمد عرابي متحديا الخديوي توفيق. معلنا نداءه المأثور. لقد خلقنا الله أحرارا ولم يخلقنا تراثا ولا عقارا. فوالله الذي لا إله إلا هو لا نورث ولا نستعبد بعد اليوم. لكن الأمور سارت على عكس ما أراد عرابي. خذله السلطان العثماني. وأعلن توفيق أنه عاص. ووقعت خيانات وهزم جيشه. بل أصدر توفيق منشورا يصفه فيه بالشقي العاصي. وأقام في سبتمبر عام 1882 الولائم للجيش الإنجليزي بمناسبة هزيمته. ومنح القادة الإنجليز أوسمة ونياشين. غير أن للتاريخ حكمه. والتاريخ يحكم على مهل. أعيد الاعتبار لعرابي. وحملت إحدى محطات مترو الأنفاق اسمه. وأصبحت صورته شعارا لجامعة الزقازيق. أما توفيق فيظل في الذاكرة الحاكم الخائن. أرأيت كيف ينصف الزمن من ظلمهم عصرهم؟ وهناك مشهد آخر يختصر الحكاية كلها. المؤرخ الفلسطيني نقولا زيادة زار القاهرة منتصف ثلاثينيات القرن العشرين فقال إنه رأى فيها مدينة لأول مرة. بدت له القدس ودمشق وحلب وبيروت قرى كبيرة جدا بالنسبة إلى هذه المدينة. وبعد أن أصر على تسلق الهرم الأكبر قال. وقفت على قمة هرم الجيزة الأكبر وألقيت بنظرة إلى ما انبسط أمامي فرأيت دنيا تآمرت الطبيعة والإنسان على إقامتها وتزويقها وزخرفتها. فالمصري مهما بدا غير مبال بتاريخه هو في حقيقة الأمر أسير أفعل التفضيل. أول دولة. أقدم هرم. أول طبيب. أول طبيبة. ومن مصر القديمة يطل إيمحتب أبو الحضارة المصرية الذي بنى أول هرم في التاريخ. هرم زوسر في سقارة. كما تطل بيشيشت أول طبيبة في التاريخ حاملة لقب ريشة الأطباء. وحتى الغرباء الذين حكموا مصر أسرتهم. المماليك الذين حكموها وماتوا خارجها أوصوا بأن يدفنوا في تراب بلاد لا يعرفون لغتها ولم يختلطوا بشعبها. لكنها استوعبت طموحاتهم ثم أسرتهم. فلم يجدوا لأنفسهم غيرها وطنا أحياء وأمواتا. هذه إذن هي الفكرة الكبرى. مصر ليست هبة النيل فقط كما قال هيرودوت. بل هبة الصمود ورفض الموت. مدينة تحنو على أهلها وضيوفها بلا تفرقة. ولا ترد أحدا. ولا يستطيع كثيرون الفكاك من سحرها. وكما قال صديق الكاتب في رسالته. مصر أجمل حاجة خلقها ربنا. أم الدنيا عن حق وليس عن سخرية. فهل يوجد في العالم بلد له تاريخ بمثل هذا العمق أو هذا الجمال؟

  4. 47

    فطيرة مدفونة في الرمال

    فطيرة مدفونة في الرمال في قلب الربع الخالي، حيث لا شيء سوى الرمال والصمت، أخرج رجل من حفرة في الأرض قرصًا من الخبز. نفض عنه حبيبات الرمل وقال بفخر: بالأمس قدمت لكم الباغيت الفرنسي، وهذه الليلة يسرني أن أقدم لكم الفطيرة البدائية التي أبقت الرحالة Wilfred Thesiger ورفاقه البدو على قيد الحياة في هذا المكان قبل نصف قرن. نعم. فطيرة مدفونة في الرمال، أنقذت أرواحًا قبل خمسين عامًا، وها هي تعود لتُخبز من جديد في الليلة نفسها والمكان نفسه. كانت أول ليلة لرفاق الرحلة في اللامكان. في ذلك المكان الذي طالما حلموا بالوجود فيه، وسط الربع الخالي، حيث بزغ القمر على مخيمهم الصغير. غنى ناصر أغاني بدوية، وأطلق حنجرته بحداء الطارق الشجي، ذلك الفن الذي اعتاد البدو في رمال وهيبة ترديده في رحلات القوافل القديمة، حتى بدا صداه كأنه ترانيم الأسلاف تردده الوحشة. وبينما كان الجميع مأخوذين بالحديث عن الرحالة البدو والمستكشفين الأوروبيين الذين قطعوا تلك المفازة بشجاعة منقطعة النظير، كان سالم يعد المشاوي بنفسه. لكن نجم الليلة كان تلك الفطيرة. أجّج لها نارًا في حفرة صغيرة وسط الرمال، ثم أهال عليها الرمال، وبعد نصف ساعة استخرجها من مكمنها، يربّت عليها بيديه لتتساقط عنها الحبيبات. ثم قال شيئًا يستحق التأمل. قال إن كل التكنولوجيا التي يحملونها ما كانت لتنقذهم لولا عودتهم إلى أياديهم لاستخراج السيارة من الرمال بالأمس. وإن علينا أن نقتدي برجال من ذلك الطراز النادر، لنتعلم قوة الصبر والعزيمة. قسّم الفطيرة الحارة بين الرفاق، تمامًا كما قسّمها بن كبينة، رفيق Thesiger، بين رفاقه في ليلة ظلماء قبل نصف قرن. وهل تتخيل طعمها؟ حارة، لذيذة، طرية، من أفضل فرن تتيحه الطبيعة. وبين الأسنان، بقايا حبيبات رمل تُستشعر كحبيبات السكر. وكانت تلك الفطيرة أنجع دواء. فقد أعادت المزاج المرح إلى إيلين، التي راقصت ناصر تلك الليلة، مأسورة بالحسنيين: رخامة صوته البدائي في حداء الطارق وترنيمه لفن الميدان، ولذة تكسّر حبيبات الكريستال في فمها. أما زوجها غراهام، الذي كان يعتمد على سالي زوجة صديقه لتخفيف نوبات إيلين الحادة، فقد كان في غاية الفرح، لأن غناء ناصر وخبزة سالم استطاعا امتصاص تلك النوبات المرضية. وفي الصباح الباكر، كان غراهام العجوز، الذي تناول طعامه منبطحًا على بطنه بسبب آلام إحدى ركبتيه، منحنيًا أمام كاميرته الثلاثية القوائم التي نصبها قبل شروق الشمس لتصوير ألوان ذلك الصباح الاستثنائية. حين سلّم عليه الراوي من بعيد، رفع يده بلا اكتراث. فقد كان في أكثر لحظات الإثارة لديه، خصوصًا أن إيلين نامت مطمئنة البال لأول مرة. جلس الراوي على أحد الكثبان ينتظر الشروق، ثم عاد ليعد الإفطار قبل صحو النائمين. إفطار غربي وشرقي معًا: بيض مسلوق، طماطم مقشرة، جبنة بيضاء بزيت الزيتون، فول مسخّن بالثوم، وخبز عربي. ثم توست وزبدة ومرطبانات مارملاد صغيرة بكل نكهات الفاكهة، كما في فنادق النجوم الخمس. وكرواسان فرنسية أعاد إليها حرارة الحياة بتسخينها على ضفاف الجمر المتبقي من الفرن الرملي، جمر فطيرة مبارك بن لندن. ثم استعد الجميع لنهار طويل وشاق لاجتياز ما تبقى من الربع الخالي، واليوكون على أهبة الاستعداد، والجيب أكثر مباهاة لأنها لم تخض تجربة التغريز بعد. وهنا يأتي مشهد الختام. تلك الكثبان المنعزلة التي ترتفع ما بين مائتين وثلاثمائة قدم، والتي يسميها البدو القعد. كثبان يعرفها البدو واحدة واحدة، لأن لكل كثيب شكله الخاص الذي لا يتغير مع السنين. واجهتها الشمالية شديدة الانحدار، والرياح تجرف الرمل باستمرار، فاصلة الحبيبات الثقيلة الداكنة عن الخفيفة الباهتة. وهذا المزيج من اللونين هو الذي يعطي الرمال عمقها وأناقتها: ذهب مع فضة، برتقالي مع بُنيٌّ فاتح، قرميدي مع أبيض، بُنيٌّ غامق مع ورديّ، أصفر مع رمادي. أشكال لا حد لها من الظلال والألوان، كما وصفها Thesiger نفسه في كتابه الرمال العربية. فكّر معي في هذه المفارقة. رحالة مدججون بالتكنولوجيا، أنقذتهم أياديهم لا أجهزتهم. وفطيرة بدائية مدفونة في الرمال، فعلت ما لم يفعله دواء. ربما هذا هو الدرس الذي تخبئه الصحراء لمن يعبرها: أن أعظم ما نملكه ليس ما نحمله معنا، بل ما نحمله فينا. الصبر، والعزيمة، وذاكرة رجال من طراز نادر عبروا هذه الرمال قبلنا، وتركوا لنا فطيرتهم، ووصفة نجاتهم.

  5. 46

    البوابة الملكية: يوميات كاتب بين المدن والذات

    البوابة الملكية: يوميات كاتب بين المدن والذات البوابة الملكية هل يمكن لإنسان أن يكون ميتا قبل أن يموت؟ هذا ما شعر به كاتبنا وهو يستحضر الشاعرة ناديا تويني. شاعرة كان حزنها كبيرا لكنها بدت رغم ذلك متماسكة وقوية. كانت تصارع السرطان. وحين زارها في بيتها في منهاتن نيويورك في تشرين الأول أكتوبر عام ألف وتسعمئة وواحد وثمانين وجدها لطيفة وضاحكة ومقتصدة في كلامها وحركاتها. وكأنها لا تعايش الموت. نحن هنا أمام يوميات كاتب من كتاب غبار القارات. يوميات تبدأ في صيف الثمانينات. ففي يوم الخميس السابع من تموز يوليو يقبع الكاتب في البيت يعاني حالة سأم مشوب بكآبة. أنهى ذلك الصباح كتاب إيريك سيغال رجل وامرأة وولد وبدأ قراءة ناتالي ساروت. لكن ذهنه مشغول بناديا تويني وبتعليقها المختصر حين حدثته عن أهل تونس وإعجابهم بأنفسهم. قالت له إن أهل تونس يعتبرون أنفسهم فوق الكل. وفهم من ذلك أشياء كثيرة عن التماثل الكاذب والمزيف الذي قام عليه المشروع البورقيبي. مشروع ينتمي إلى أول القرن. إلى الجيل العلماني المسلم الذي عشش داخل دماغ مصطفى كمال أتاتورك. وهو الوهم نفسه الذي قاد إيران الشاهنشاهية إلى مأساتها. ثم تأتي بوادر الخريف. رياح عنيفة في خليج حلق الوادي في تونس قادمة من إيطاليا محملة بروائح مختلطة. لعلها زهور جنوب أوروبا ممتزجة بأشياء البحر. والكاتب مكتظ بالمشاريع. حوارات مع المفكرين العرب وترجمة أعمال Lorca وترجمة أشعار جورج شحادة ولمسات أخيرة على مجموعته الشعرية. ويسأل نفسه سؤالا يستحق أن نتوقف عنده جميعا. أليست استعادة الذات هي استعادة العالم؟ وهنا يصل إلى الفكرة التي أعطت هذه اليوميات عنوانها. البوابة الملكية. فالمواجهة الصادقة والصارمة للذات هي التي أدت به إلى فرح التوافق والتصالح مع الذات. وهذا الفرح يمر من البوابة الملكية. بوابة المحبة البسيطة الصادقة التي تكسر العزلة السوداء. فالمعاناة الصادقة لقاء. والكذب عزلة سوداء. ويضيف تأملا جميلا عن العطاء. فالذات كالبئر تزداد ثراء كلما ازدادت عطاء. بشرط ألا يضم هذا العطاء رغبة واعية بمردود أو بمقابل. وإلا كف العطاء عن أن يكون عطاء. ثم ينتقل بنا إلى أثينا. إلى الطريق الصاعدة نحو الأكروبوليس. الرخام اليوناني ليس غريبا عنه فهناك تماثيل كثيرة لهذه الآلهة في قرطاج وفي متحف باردو في تونس. لكن الذي شده بفرح هو تلك البيوت الصغيرة الملونة في سفح الربوة. هناك اكتشف انحيازه إلى اليونان المتوسطية الحسية. عالم النوافذ الصغيرة والغرف العامرة المضيئة. وفي أثينا يحدث اللقاء الأجمل. يتصل عند الظهر بالشاعر Yannis Ritsos حاملا إليه رسالة من صديقه الشاعر Lorand Gaspar. وفي الواحدة وعشرين دقيقة كان يطرق بابه. سار الحديث عفويا كجدول بري. عن الشعر واللغة وعن الماضي اليوناني وعن أصدقائه الشعراء وخصوصا ناظم حكمت. وجد الكاتب أن Ritsos الإنسان بسيط وشاسع ويومي كقصائده. قال له أنا في الخامسة والسبعين ولكني أحب الجمال. وقال أيضا أنا أصغر من الشباب وأكبر من الشيخوخة. هكذا اختزل سنه. وحين سمعا دقات جرس مدرسة يصعد من الأسفل قال الكاتب إنه يحب رؤية الأطفال وهم يخرجون من المدرسة متدافعين. هذا الصخب جميل. إنه استمرار الحياة. وتمتد اليوميات عبر السنين. ففي أكتوبر عام ألف وتسعمئة وستة وتسعين نجده في سلمنكة الإسبانية ذات الملمح اليوناني. يسمع في الليل نشيج نهر التورميس ويستحضر الأندلس. الفردوس المفقود كما صوره الأمير شكيب أرسلان. ويلتقي هناك بفيلي البحار الباحث في تاريخ الأندلس الذي نقل رحلة ابن جبير إلى الإسبانية. وقال له فيلي شيئا مثيرا. هل تدري أن ابن بطوطة أخذ الكثير في نص الرحلة عن ابن جبير؟ لقد تتبع سرقات ابن بطوطة كلها. أما في مدريد فقد بحث الكاتب عن إسبانيا الأسطورية ولم يجدها. غابت في التماثل الذي جاءت به العولمة. لم يبق من إسبانيا إلا Cervantes وGóngora وLorca وVelázquez. وفي مقهى الأندلس يسمع الفلامنكو. موسيقى المتحف كما يسميها. وتنتهي الرحلة في مارس عام ألفين وثلاثة في دير فرنشسكاني بقرية جبلية إيطالية. قرية حجرية متشبثة بالجبل. هناك يتأمل الصمت والحجارة والليل الأسود الكثيف. فما الذي تتركه فينا هذه اليوميات؟ ربما هذا. أن الكتابة قد تعيد الإنسان إلى حقيقته. إلى تلك الجوهرة المنسية التي علاها الغبار. وأن البوابة الملكية نحو التصالح مع الذات لا تمر عبر العزلة بل عبر المحبة الصادقة والعطاء الذي لا ينتظر مقابلا. فهل جربت يوما أن تحفر في صمتك الداخلي بحثا عن جوهرتك المنسية؟

  6. 45

    The Narrow Road to the Deep North: A Journey Into Eternity

    The Narrow Road to the Deep North: A Journey Into Eternity Days and months are the travellers of eternity. So are the years that pass by. With these words, a poet begins one of the most remarkable journeys ever recorded — a walk into the far north of Japan, undertaken not for trade, not for duty, but for something far more mysterious. He calls it a strong desire to wander, as if the cloud-moving wind itself had possessed his soul and turned it inside out. Have you ever felt that pull? That restlessness that makes it impossible to stay idle at home? Our traveller had barely returned from rambling along the coast at the end of autumn. He swept the cobwebs from his broken house on the River Sumida, and then, as soon as the spring mist rose over the fields, he was dreaming again — dreaming of the full moon rising over the islands of Matsushima. He mended his torn trousers. He tied a new strap to his hat. He applied moxa to his legs to strengthen them. And then he did something extraordinary. He sold his house. On the threshold of his old home, he hung a verse on a wooden pillar, imagining a different generation celebrating the Festival of Dolls behind that door, now buried in deep grass. On the early morning of March the twenty-seventh, in the second year of Genroku, he took to the road. Darkness still lingered in the sky. The moon was thinning away. The faint shadow of Mount Fuji and the cherry blossoms of Ueno and Yanaka bade him a last farewell. His friends came with him by boat as far as Senju, and there, the thought of three thousand miles ahead suddenly filled his heart. His eyes grew so tearful that neither the houses of the town nor the faces of his friends appeared as anything but a vision. His friends stood in a line and waved goodbye for as long as they could see his back. He did not travel alone. His companion Sora — whose real name was Kawai Sogoro — had once helped him with chores like bringing water and firewood. On the very morning of departure, Sora took the tonsure, put on the black robe of an itinerant priest, and changed his name to Sogo, meaning Religiously Enlightened. That is how deeply this journey mattered. And what a journey it was. At the foot of Mount Nikko, they lodged with an innkeeper who called himself Honest Gozaemon — a man so stubbornly honest, so utterly devoid of worldly cleverness, that the poet wondered if the merciful Buddha himself had taken human shape to help a wandering pilgrim. On the grass moor of Nasu, a farmer lent him a horse with simple, touching instructions: the horse knows the way — send him back when he won't go any further. Two small children ran after him, one a girl named Kasane, meaning manifold, a name he found strange but exceptionally beautiful. There were darker moments too. The Murder Stone, wrapped in poisonous gas near a hot spring, surrounded by so many dead bees, butterflies, and insects that the ground's true color could hardly be seen. And there were moments of overwhelming grief — at the ruined house of the warrior Sato, the poet wept bitterly before the tombstones of two young wives who had dressed their frail bodies in armor after their husbands' deaths. But then came the barrier gate of Shirakawa, the entrance to the northern regions, where his mind finally gained balance and composure. Roadsides covered in white unohana blossoms looked like early snow. And in the village of Ichikawa, he found something miraculous: the stone monument of Tsubo no Ishibumi, erected during the reign of Emperor Shomu, its engraved letters still visible through thick layers of moss. In a world where mountains crumble, rivers change their courses, and old trees yield to young shoots, this monument alone had survived a thousand years. Standing before it, he forgot every trouble of the road and rejoiced — not without tears in his eyes. The journey led at last toward Matsushima, the vision that had haunted his dreams from the start. And when he saw it, he declared it the most beautiful spot in the whole country of Japan — countless islands piled above islands, joined to islands, looking exactly like parents caressing their child. So what does this journey leave us with? Perhaps this: that days and months truly are travellers of eternity, and that we, too, spend every minute of our lives travelling. The poet sold his house and walked into the unknown with tearful eyes and heavy steps. What he found was honesty, kindness, sorrow, and beauty beyond all praise. Maybe the road itself is the destination. Maybe it always was.

  7. 44

    حوار: فسبازيان: الفلاح الذي أنقذ روما ومات واقفًا

    (محمد) حوار: فسبازيان: الفلّاح الذي أنقذ روما ومات واقفًا (محمد) هل تصدق أن إمبراطورًا حكم روما بأكملها كان يوصي بأن تفوح من الرجال رائحة الثُوم لا العطر؟ (عامر) رائحة الثُوم؟ هذا يبدو كمشهد من مسرحية ساخرة! (محمد) ليس كذلك أبدًا. هذا فسبازيان. الإمبراطور الذي جاء بعد سلسلة من الأباطرة جعلت الناس تتوق إلى رجل واحد فقط يتصف بالحكمة والكفاية والشرف. (عامر) حدثني عن بدايته. كيف وصل إلى العرش؟ (محمد) عندما رفعه جنوده إلى العرش، لم يتعجل القدوم إلى روما. كان يخوض غمار الحرب في بلاد اليهود. فلما وصل إلى روما في أكتوبر عام سبعين، وجد مجتمعًا مضطربًا في كل ناحية من نواحيه. (عامر) فماذا فعل؟ (محمد) سار على سيرة أغسطس. سالَمَ مجلس الشيوخ، وأعاد الحكم الدستوري، وأطلق سراح من حُكم عليهم بمقتضى قانون الخيانة في عهود سابقة، واستدعى المنفيين. ثم أعاد تنظيم الجيش، وأغلق هيكل Janus رمزًا لعودة السلام. (عامر) لكن ما أصل هذا الرجل؟ (محمد) هنا تكمن المفاجأة. كان مولده في قرية قريبة من Reate، وأسرته من عامة الشعب. تخيل ذلك. فلاح يجلس على عرش أعظم إمبراطورية في العالم! (عامر) فلاح على عرش روما؟ هذا مدهش حقًا! (محمد) وكان جلوسه على العرش ثورة رباعية كما وصفها المؤرخون. قائد يتربّع على العرش، وجيش من جيوش الولايات يُتوِّج من يريده، وأسرة الفلافيين تَخْلِف أسرة اليوليو كلوديين، وعادات الطبقات الوسطى وفضائلها تحل في بلاط الإمبراطور. (عامر) وهل نسي أصله المتواضع بعد أن أصبح إمبراطورًا؟ (محمد) أبدًا. ولما حاول النسّابون أن يَصِلوا بنسبه إلى أحد أصحاب هرقل طمعًا في عطائه، أرغمهم بسخريته على الصمت. كان يعود إلى البيت الذي وُلد فيه، ويأكل طعام الفلاحين، ويصوم يومًا في كل شهر. (عامر) وهنا تأتي قصة الثُوم، أليس كذلك؟ (محمد) بالضبط! حين جاءه رجل تفوح منه رائحة العطر يطلب منصبًا، قال له: لقد كنت أوثر أن تفوح منك رائحة الثُوم. ورجع عن ترشيحه. (عامر) يا لها من إجابة! وكيف كان يتعامل مع أعدائه؟ (محمد) كشف مرة عن مؤامرة تُدبَّر لقتله، فعفا عن المتآمرين. وقال إنهم بُلُهاء لا يدركون عبء المتاعب التي ينوء بها كاهل الحاكم. (عامر) عفا عنهم؟ هذا حلم نادر. (محمد) ولم يفقد حلمه إلا مرة واحدة، مع هلفديوس برسكس الذي أخذ يطعن عليه طعنًا مُرًا، فنفاه ثم لوّث حكمه الصالح بأن أمر بإعدامه. وقد ندم على ذلك فيما بعد. (عامر) وماذا عن إدارته للمال؟ (محمد) هنا كانت عبقريته العملية في أوضح صورها. احتاج إلى أربعين ألف مليون سسترس لينتشل البلاد من وهدة الإفلاس. ففرض الضريبة على كل شيء تقريبًا، حتى على المباول العامة! (عامر) ضريبة على المباول؟ ألم يعترض أحد؟ (محمد) احتج ابنه على هذه الضريبة المنافية للكرامة، فأمسك الإمبراطور الشيخ ببعض النقود المحصَّلة منها وقربها من فم الشاب وقال: انظر يا بني، هل تشُم لها رائحة كريهة؟ (عامر) عبقري وساخر! وهل استخدم هذه الأموال لنفسه؟ (محمد) لا، بل أنفقه كله في إنعاش الاقتصاد وتجميل روما. وأنشأ أول نظام للتعليم تقوم به الدولة في التاريخ القديم، فأمر بأن تُؤدى لمُدَرْسيّ الآداب والبلاغة اللاتينية واليونانية أجورهم من خزانة الدولة، وأن يُوظف لهم معاشٌ بعد عشرين عامًا من الخدمة. (عامر) وماذا عن المباني؟ (محمد) أعاد بناء هيكل جوبِتَر ويونو ومنيرفا، وشاد معبدًا لإلهة السلام، وبدأ أشهر المباني الرومانية كلها: الكولوسيوم. (عامر) وسمعت أنه رفض آلة رافعة عرضها عليه مخترع؟ (محمد) نعم، أبى أن يستخدمها وقال: إني أريد أن أطعم شعبي. أدرك مشكلة التعطل، وقرر الحيلولة دون حدوث ثورة صناعية. (عامر) وماذا عن وراثة العرش؟ (محمد) عهد إلى ابنه تيتس أن يخمد ثورة اليهود، فاستولى على أورْشَليم وعاد إلى روما في موكب نصر خلّده قوس شهير. ورأى فسبازيان أن تيتس خير الأخيار، فأجلسه معه على العرش. (عامر) وكيف كانت نهايته؟ (محمد) في أيامه الأخيرة، بعد أن شرب من ماء بحيرة Cutelia فأصيب بإسهال شديد، ظل طريح الفراش يستقبل الرسل ويؤدي واجبات منصبه. واحتفظ بفكاهته حتى آخر لحظة، فقال وهو يعلم أنه قاب قوسين من الموت: وا أسَفاه، أظن أني صائر إلى أن أكون إلهًا. (عامر) حتى في مواجهة الموت لم يفقد روحه الساخرة! (محمد) ثم وقف على قدميه وأعانه أتباعه، وقال: إن الإمبراطور يجب أن يموت واقفًا. وهكذا ختم حياة كاملة بلغت التاسعة والستين عامًا، واختتم حكمًا صالحًا دام عشر سنين. (عامر) فما الدرس الذي يتركه لنا فسبازيان؟ (محمد) ربما هو أن العظمة الحقيقية لا تحتاج إلى أنساب مزيفة ولا قصور فارهة. رجل من عامة الشعب، بإرادة قوية وذكاء عملي، أعاد لروما كرامتها. وهو عمل يكاد يكون معجزة من المعجزات. (عامر) وحتى في مواجهة الموت، اختار أن يقف. (محمد) نعم. واقفًا عاش، وواقفًا مات.

  8. 43

    فسبازيان: الفلاح الذي أنقذ روما ومات واقفًا

    فسبازيان: الفلاح الذي أنقذ روما ومات واقفًا هل تصدق أن إمبراطورًا حكم روما بأكملها كان يوصي بأن تفوح من الرجال رائحة الثوم لا العطر؟ هذا ليس مشهدًا من مسرحية ساخرة. هذا فسبازيان. الإمبراطور الذي جاء بعد سلسلة من الأباطرة جعلت الناس تتوق إلى رجل واحد فقط يتصف بالحكمة والكفاية والشرف. واليوم سنتعرف على قصة هذا الرجل الاستثنائي. عندما رفعه جنوده إلى العرش، لم يتعجل فسبازيان القدوم إلى روما. كان يخوض غمار الحرب في بلاد اليهود. فلما وصل إلى روما في أكتوبر عام سبعين، وجد مجتمعًا مضطربًا في كل ناحية من نواحيه. فماذا فعل؟ سار على سيرة أغسطس. سالم مجلس الشيوخ، وأعاد الحكم الدستوري، وأطلق سراح من حُكم عليهم بمقتضى قانون الخيانة في عهود سابقة، واستدعى المنفيين. ثم أعاد تنظيم الجيش، وأغلق هيكل Janus رمزًا لعودة السلام. لكن ما يجعل قصته مدهشة حقًا هو أصله. كان مولده في قرية قريبة من Reate، وأسرته من عامة الشعب. تخيل ذلك. فلاح يجلس على عرش أعظم إمبراطورية في العالم. وكان جلوسه على العرش ثورة رباعية كما وصفها المؤرخون. قائد يتربع على العرش، وجيش من جيوش الولايات يتوج من يريده، وأسرة الفلافيين تخلف أسرة اليوليو كلوديين، وعادات الطبقات الوسطى وفضائلها تحل في بلاط الإمبراطور. ولم ينس فسبازيان أصله المتواضع قط. ولما حاول النسّابون أن يصلوا بنسبه إلى أحد أصحاب هرقل طمعًا في عطائه، أرغمهم بسخريته على الصمت. كان يعود إلى البيت الذي وُلد فيه، ويأكل طعام الفلاحين، ويصوم يومًا في كل شهر. وحين جاءه رجل تفوح منه رائحة العطر يطلب منصبًا، قال له: لقد كنت أوثر أن تفوح منك رائحة الثوم. ورجع عن ترشيحه. وهل تعلم أنه كشف مرة عن مؤامرة تُدبَّر لقتله؟ فماذا فعل بالمتآمرين؟ عفا عنهم. وقال إنهم بلهاء لا يدركون عبء المتاعب التي ينوء بها كاهل الحاكم. ولم يفقد حلمه إلا مرة واحدة، مع هلفديوس برسكس الذي أخذ يطعن عليه طعنًا مرًا، فنفاه ثم لوّث حكمه الصالح بأن أمر بإعدامه. وقد ندم على ذلك فيما بعد. أما في المال، فكانت عبقريته العملية في أوضح صورها. احتاج إلى أربعين ألف مليون سسترس لينتشل البلاد من وهدة الإفلاس. ففرض الضريبة على كل شيء تقريبًا، حتى على المباول العامة. واحتج ابنه على هذه الضريبة المنافية للكرامة، فأمسك الإمبراطور الشيخ ببعض النقود المحصلة منها وقربها من فم الشاب وقال: انظر يا بني، هل تشم لها رائحة كريهة؟ لكن هذا المالي الماهر لم يستخدم لنفسه شيئًا مما جمعه. بل أنفقه كله في إنعاش الاقتصاد وتجميل روما. وأنشأ أول نظام للتعليم تقوم به الدولة في التاريخ القديم، فأمر بأن تُؤدى لمدرسي الآداب والبلاغة اللاتينية واليونانية أجورهم من خزانة الدولة، وأن يُوظف لهم معاش بعد عشرين عامًا من الخدمة. وأعاد بناء هيكل جوبتير ويونو ومنيرفا، وشاد معبدًا لإلهة السلام، وبدأ أشهر المباني الرومانية كلها: الكولسيوم. وحين عرض عليه أحد المخترعين آلة رافعة تقلل الحاجة إلى العمل الجسماني، أبى أن يستخدمها. وقال: إني أريد أن أطعم شعبي. أدرك مشكلة التعطل، وقرر الحيلولة دون حدوث ثورة صناعية. وعهد إلى ابنه تيتس أن يخمد ثورة اليهود، فاستولى على أورشليم وعاد إلى روما في موكب نصر خلّده قوس شهير. وحين آن أوان التفكير في وراثة العرش، رأى فسبازيان أن تيتس خير الأخيار، فأجلسه معه على العرش. وفي أيامه الأخيرة، بعد أن شرب من ماء بحيرة Cutelia فأصيب بإسهال شديد، ظل طريح الفراش يستقبل الرسل ويؤدي واجبات منصبه. واحتفظ بفكاهته حتى آخر لحظة، فقال وهو يعلم أنه قاب قوسين من الموت: وا أسفاه، أظن أني صائر إلى أن أكون إلهًا. ثم وقف على قدميه وأعانه أتباعه، وقال: إن الإمبراطور يجب أن يموت واقفًا. وهكذا ختم حياة كاملة بلغت التاسعة والستين عامًا، واختتم حكمًا صالحًا دام عشر سنين. فما الدرس الذي يتركه لنا فسبازيان؟ ربما هو أن العظمة الحقيقية لا تحتاج إلى أنساب مزيفة ولا قصور فارهة. رجل من عامة الشعب، بإرادة قوية وذكاء عملي، أعاد لروما كرامتها. وهو عمل يكاد يكون معجزة من المعجزات. وحتى في مواجهة الموت، اختار أن يقف. واقفًا عاش، وواقفًا مات.

  9. 42

    All Aboard the Great Railway Bazaar: The Journey Is the Goal

    All Aboard the Great Railway Bazaar: The Journey Is the Goal Have you ever heard a train whistle in the distance and felt an ache to be on board? Paul Theroux knew that feeling all his life. Ever since childhood, living within earshot of the Boston and Maine railroad, he had seldom heard a train go by without wishing he was on it. And in The Great Railway Bazaar, he finally answered that call — with one of the most ambitious journeys in travel literature. His plan was audacious in its simplicity: to board every train that chugged into view, from Victoria Station in London all the way to Tokyo Central. Why trains? For Theroux, the answer was almost philosophical. Trains, he wrote, are irresistible bazaars — snaking along perfectly level no matter what the landscape, improving your mood with speed, and never upsetting your drink. Compare that to what he called the anxious sweats of doom that aeroplanes inspire, or the nauseating sickness of the long-distance bus. On a train, anything is possible — a great meal, a binge, a visit from card players, an intrigue, a good night's sleep, and strangers' monologues framed like Russian short stories. He even quoted the English novelist Michael Frayn, who rephrased McLuhan to say the journey is the goal. And so the journey begins, rumbling through Clapham and out of a grey, sodden London. Watch through the window with him as England unfolds — tunnels giving way to open meadows, cows cropping grass, farmers haying in blue jackets. Schoolboys in dark blue blazers smirk on the platform at Tonbridge, and the train races by, taking their smirks away. Past hopfields that give Kent a Mediterranean tangle in September. Past a gypsy camp of fourteen battered caravans. Theroux noticed everything, even a housing estate's laundry line, where socks and bonnets formed an elaborate message, like signal flags on a distressed convoy. At Folkestone, something remarkable happened. As the train reached the edge of England, the passengers seemed to shed their reserve. Italians raised their voices. Nigerian travelers became vocal in Yoruba. Each passenger, Theroux observed, migrated to his own language, leaving the British muttering and averting their eyes. He himself was nursing a cold caught in the first September chill — and that cold made leaving easier. As he put it: Have you tried aspirin? No, I think I'll go to India. Across the Channel, at Calais, the Paris Express stood floodlit in the darkness. Then came the moment every rail romantic dreams of — joining the Orient Express, the most famous train in the world. Its itinerary read like poetry: Paris, Lausanne, Milano, Trieste, Zagreb, Beograd, Sofiya, Istanbul. This was the train hallowed by fiction — restless Lady Chatterley took it, so did Hercule Poirot and James Bond. Graham Greene sent his prowling unbelievers aboard even before taking it himself. But here is the delicious irony. The legendary train was, in Theroux's words, really murder. His compartment was a cramped two-berth closet with an intruding ladder. There was no dining car. And he had company — an elderly man named Duffill, who had first taken this train in 1929, and who Theroux dryly suspected was riding the very same carriage decades later. His fellow travelers were a gallery of characters: a Belgian girl of extraordinary size, a French woman who dismissed Istanbul with a repeated sale — dirty — and a memorable figure called Molesworth, an actors' agent with a magnifying glass on a chain, who never touched water on trains and poured Theroux a very drinkable Chablis. Molesworth had once been in the Indian army, organizing shows for the troops — he had even arranged Noël Coward's tour of India in 1946. The next morning brought the Alps, dappled with sunlight — the first sun Theroux had seen in days. And remarkably, that sun would keep shining for the next two months, all the way to southern India, until the late monsoon of Madras. Meanwhile, the small comedies continued: an American couple hunting desperately for a dining car that didn't exist, misled by the shrieking of mischievous Swiss boys, which they had mistaken for a breakfast call. As Theroux wryly noted, hunger's ear is not finely tuned. And that, perhaps, is the great secret of this book. The romance of the rails is real — but it lives not in luxury or legend. It lives in burned fish and overpriced meals, in strangers sharing Chablis, in an old man's watch dial swinging like a pendulum in the dark. Theroux wrote that if a train is large and comfortable, you don't even need a destination. Better to go first class than to arrive. The journey, after all, is the goal.

  10. 41

    حوار:

    (محمد) حوار: (محمد) Imagine a woman so fast that no man alive could catch her. A woman whose beauty drew crowds of suitors, and whose feet destroyed them. (عامر) This is the story of Atalanta, a virgin who outran the swiftest youths, and of the race that would seal her fate. (محمد) Wondrous, the poet tells us, that female weakness should outdo a manly strength. And yet the wonder is true. (عامر) It all began with a prophecy. Atalanta asked Apollo whether the Fates would allow her a husband. His answer was chilling. A consort brings thy ruin, he said. Learn to live without the pleasures of a bride. (محمد) And worse still, she would not escape them, and Atalanta living shall be lost. Terrified, she fled to the green recesses of the woodland glades. (عامر) But suitors kept coming. So she set a terrible bargain. Any man who could beat her in a footrace might claim her hand. Any man who lost would die. (محمد) A rigid decree. But as the poet asks, blind with beauty, who can rigour see? Young men raced her anyway, forgetting danger in their excess of love. (عامر) Now enter Hippomenes. He sat watching, ready to mock these lovers for their extravagance. Must a wife really be purchased at the risk of life, he scoffed. (محمد) But then he saw her. He saw the wonders of her face, her limbs springing to the race, and EVERYTHING changed. In an instant, the critic became a rival. (عامر) He watched her fly across the ground, swift as a Scythian arrow cleaving the sky, her long fair tresses streaming behind her, the ribbons of her buskins casting a waving purple against her snowy skin. (محمد) She won, of course. The vanquished sighed and prepared to bleed. And still Hippomenes rose, unafraid, fixed his eyes on her, and issued his challenge. He boasted of his descent from Neptune, the great god of the seas, and dared her to race him. (عامر) And here is where the story turns tender. Because Atalanta hesitated. Silently she viewed him with softer eyes. A strange doubt stirred in her breast. Would it be happier now to lose than to win? (محمد) Why should this blooming boy die? Fly, she thought, fly from a too barbarous fair. She told herself it was pity, not love. But her heart betrayed her. (عامر) Why beats and pants my breast for him alone, she wondered. The poet captures her perfectly. With love she burns, yet knows not that it is love. (محمد) Hippomenes, meanwhile, knew he could not win on speed alone. So he prayed to Venus, the goddess who had kindled his passion. And Venus answered. (عامر) From the Tamasenian field, sacred to her shrine, she had plucked three golden apples from a tree whose very leaves and branches were gold. She gave them to the youth alone, and taught him when and how to use them. (محمد) The signal sounded. Both runners swept across the sand, so swift they might have skimmed the seas or raced over harvests of unbending corn. The crowd roared for Hippomenes. (عامر) And Atalanta? She checked her own swiftness. She sighed and lingered on his face. But the race was the race. (محمد) As his breath failed and his mouth parched, Hippomenes threw the first golden apple. Struck by the shining fruit, Atalanta stopped, stooped to catch the rolling gold, and he shot past. (عامر) She recovered, swift as lightning. He threw the second. Again she caught up. Then, with the goal near, he prayed once more to Venus and hurled the last apple across the plain, not straight ahead but aside. (محمد) Venus herself lured the virgin's mind to seize the bait, gave the gold double weight, lessened her speed, increased her load. The youth won the goal. And so, in truth, the virgin won too. (عامر) But this is not where the story ends. Hippomenes never gave thanks. No incense, no gratitude for Venus and her precious gift. Enraged, the goddess vowed vengeance. (محمد) When the weary lovers stopped to rest near the silent sanctuary of Cybele, great mother of the gods, Venus inflamed the youth with lust. He polluted the sacred cave with wanton fires. The statues trembled. The goddess veiled her eyes. (عامر) And the punishment came. Their figures bent into crooked paws. Yellow manes covered their necks. Their sweet voices turned to hoarse roars. The lovers became lions, tamed by Cybele, curbed with reins, humbly drawing her chariot across the plains. (محمد) So what remains of this tale? A warning, perhaps, that the gods reward the bold but punish the ungrateful. Atalanta ran from love and was caught by it. (عامر) Hippomenes won everything and lost it through neglect. Speed, beauty, courage, even divine favor. None of it, in the end, could outrun fate.

  11. 40

    حلقة بودكاست

    Imagine a woman so fast that no man alive could catch her. A woman whose beauty drew crowds of suitors, and whose feet destroyed them. This is the story of Atalanta, a virgin who outran the swiftest youths, and of the race that would seal her fate. Wondrous, the poet tells us, that female weakness should outdo a manly strength. And yet the wonder is true. It all began with a prophecy. Atalanta asked Apollo whether the Fates would allow her a husband. His answer was chilling. A consort brings thy ruin, he said. Learn to live without the pleasures of a bride. And worse still, she would not escape them, and Atalanta living shall be lost. Terrified, she fled to the green recesses of the woodland glades. But suitors kept coming. So she set a terrible bargain. Any man who could beat her in a footrace might claim her hand. Any man who lost would die. A rigid decree. But as the poet asks, blind with beauty, who can rigour see? Young men raced her anyway, forgetting danger in their excess of love. Now enter Hippomenes. He sat watching, ready to mock these lovers for their extravagance. Must a wife really be purchased at the risk of life, he scoffed. But then he saw her. He saw the wonders of her face, her limbs springing to the race, and everything changed. In an instant, the critic became a rival. He watched her fly across the ground, swift as a Scythian arrow cleaving the sky, her long fair tresses streaming behind her, the ribbons of her buskins casting a waving purple against her snowy skin. She won, of course. The vanquished sighed and prepared to bleed. And still Hippomenes rose, unafraid, fixed his eyes on her, and issued his challenge. He boasted of his descent from Neptune, the great god of the seas, and dared her to race him. And here is where the story turns tender. Because Atalanta hesitated. Silently she viewed him with softer eyes. A strange doubt stirred in her breast. Would it be happier now to lose than to win? Why should this blooming boy die? Fly, she thought, fly from a too barbarous fair. She told herself it was pity, not love. But her heart betrayed her. Why beats and pants my breast for him alone, she wondered. The poet captures her perfectly. With love she burns, yet knows not that it is love. Hippomenes, meanwhile, knew he could not win on speed alone. So he prayed to Venus, the goddess who had kindled his passion. And Venus answered. From the Tamasenian field, sacred to her shrine, she had plucked three golden apples from a tree whose very leaves and branches were gold. She gave them to the youth alone, and taught him when and how to use them. The signal sounded. Both runners swept across the sand, so swift they might have skimmed the seas or raced over harvests of unbending corn. The crowd roared for Hippomenes. And Atalanta? She checked her own swiftness. She sighed and lingered on his face. But the race was the race. As his breath failed and his mouth parched, Hippomenes threw the first golden apple. Struck by the shining fruit, Atalanta stopped, stooped to catch the rolling gold, and he shot past. She recovered, swift as lightning. He threw the second. Again she caught up. Then, with the goal near, he prayed once more to Venus and hurled the last apple across the plain, not straight ahead but aside. Venus herself lured the virgin's mind to seize the bait, gave the gold double weight, lessened her speed, increased her load. The youth won the goal. And so, in truth, the virgin won too. But this is not where the story ends. Hippomenes never gave thanks. No incense, no gratitude for Venus and her precious gift. Enraged, the goddess vowed vengeance. When the weary lovers stopped to rest near the silent sanctuary of Cybele, great mother of the gods, Venus inflamed the youth with lust. He polluted the sacred cave with wanton fires. The statues trembled. The goddess veiled her eyes. And the punishment came. Their figures bent into crooked paws. Yellow manes covered their necks. Their sweet voices turned to hoarse roars. The lovers became lions, tamed by Cybele, curbed with reins, humbly drawing her chariot across the plains. So what remains of this tale? A warning, perhaps, that the gods reward the bold but punish the ungrateful. Atalanta ran from love and was caught by it. Hippomenes won everything and lost it through neglect. Speed, beauty, courage, even divine favor. None of it, in the end, could outrun fate.

  12. 39

    Parmigianino: The Restless Genius Who Broke the Renaissance

    Parmigianino: The Restless Genius Who Broke the Renaissance The year is 1540. A man lies dying near Parma, Italy. He is only thirty-seven years old. Once celebrated as one of the most brilliant painters of his generation, he has spent his final years obsessed with alchemy, imprisoned for failing to finish his commissions. His name was Parmigianino. And his story is one of the most fascinating in the history of art. Have you ever wondered what happens when genius meets restlessness? When a mind so creative simply cannot be contained by the world around it? Girolamo Francesco Maria Mazzola was born on January 11, 1503, in Parma, Italy. He adopted the nickname Parmigianino, meaning the little one from Parma. His early work was shaped by Correggio, a prominent artist in his home city. But this young painter would not follow anyone for long. He developed something entirely his own, a style defined by elongated forms, intricate details, and an unmistakable sense of elegance. Parmigianino became a central figure of Mannerism. He pioneered what has been called an anti-classic style, filled with serpentine figures designed to amplify visual engagement. Think about what that meant at the time. The High Renaissance prized harmony and balance. Parmigianino deliberately departed from that harmony, embracing a more stylish and often distorted aesthetic. It was daring. It was strange. And it was beautiful. He was also a true innovator beyond the canvas. Parmigianino was the first Italian artist to produce original etchings from his own designs, and he was a leading pioneer of the chiaroscuro woodcut technique. His innovations in drawing reveal a fascination with transfiguration, with matter changing from one form into another. His portraits, like the Portrait of a Collector now at the National Gallery in London, went beyond mere likeness, emphasizing the psychological depth and social status of his subjects. His most famous works still captivate viewers today. There is the Madonna with the Long Neck, created around 1534 to 1540. There is the remarkable Self Portrait in a Convex Mirror from 1524. And there is The Vision of Saint Jerome, painted between 1526 and 1527. These masterpieces showcase his unique blend of Mannerism and classicism, a balance few artists have ever achieved. But here is where the story darkens. Parmigianino worked in various cities, including Rome, Bologna, and Parma, producing portraits, religious works, and mythological scenes. Then history intervened. His career was disrupted by war, especially the Sack of Rome by the Imperial Troops in 1527. Turmoil followed him. And yet, remarkably, his art remained refined and poised, always reflecting his fascination with beauty and elegance. Still, something in him could never rest. His creativity was born of a mysterious, restless mind, and that restlessness meant the full realization of his vision would always elude him. His elegant decorative scheme for the church of the Steccata in Parma was never completed. His two largest projects, in the Sanctuary of Santa Maria della Steccata in Parma and in the fortress of Rocca Sanvitale in a small town nearby, remain less well known than works by similar artists simply because of where they are located. And then came the final chapter. In his later life, Parmigianino declined into an obsession with alchemy. This obsession reportedly led to his imprisonment for failing to finish commissions, and ultimately to his premature death at just thirty-seven. He passed away on August 24, 1540, in Cascre, near Parma. So what do we make of a life like this? A painter who broke the rules of the Renaissance and created something entirely new. An innovator who gave Italy its first original etchings. A restless soul who could envision perfection but could never quite complete it. Parmigianino left behind a legacy as one of the leading Mannerist artists. His work continues to inspire artists and art lovers, offering a glimpse into the complexities and beauty of sixteenth-century Italian art. His innovative approach to painting and printmaking cemented his place among the greats of the Renaissance era. Perhaps that is the lesson of the little one from Parma. Genius does not always arrive finished and polished. Sometimes it arrives restless, incomplete, and searching, forever trying to transform one thing into another, just like the alchemy that consumed his final days. And sometimes, that unfinished vision is exactly what makes it immortal.

  13. 38

    An Hour From Eternity: Journeys to the Sacred House

    An Hour From Eternity: Journeys to the Sacred House This is a journey unlike any other. A journey where travelers describe the happiest hour of their lives not as a wedding night, but as a single hour standing before the Kaaba. Where a girl weeps at sudden wealth and asks, if a creature looked at us and we became rich, how would it be if the Creator looked at us? Today, you and I will walk through the accounts of pilgrims to Mecca, through their wonders, their hardships, and their moments of pure transcendence. Let's begin at the heart of it all. One traveler recorded entering the Kaaba itself on the morning of Tuesday, March 19, 1935, alongside a team of Iraqi scouts. He had entered before, back in 1930, praying two rak'ahs at each of its four corners. At the door of the Kaaba sat the chief of the Al Shaibi family, receiving money from visitors and perfumes brought from India and other Muslim lands to scent the sacred house. Another pilgrim described his first glimpse of the Kaaba in words that still shimmer. He wrote that from the first look at its beauty, all the misfortunes and hardships of travel vanished, as if there had never been a thorn on the road. He saw the Kaaba as a ruby, revealed to onlookers in a black garment of dignity. He and his companions spent the entire night beside it, praying and seeking forgiveness until dawn. But the road to this beauty was anything but gentle. Consider the water of Jeddah. One traveler complained that the salt purified from seawater only made thirst worse. He wrote that you swallow it desperately and your thirst intensifies, as if you drink thirst itself. Only mineral water or rainwater, stored in tanks in a few houses, could truly quench it. Yet Jeddah dazzled in other ways. Its markets overflowed with shells, pearls, coral, perfumes, and goods from India, Japan, Egypt, and the Levant. Its finest palaces stood in the district of banks and consuls of Holland, Russia, England, and France, homes with gardens, electric lights, and radios. And it was, the traveler noted, the only city that the Franks entered while having no influence in it. And what of the road itself? Here the accounts turn darker. On the way to Madinah, one traveler described rows of Bedouins, men, women, and children, many of them naked, stretching their hands out to beg, running behind the cars, some chanting songs to soften hearts. And they had, he observed, a remarkable system. Give a coin to one, and he quickly tells his companions, and hands reach toward you from every side. But here is the astonishing twist. These beggars, the traveler reminds us, were the descendants of Bedouins who once dictated their will to armed armies, preventing the Turkish and Egyptian caravans from marching day or night unless they paid heavily. What changed? The rule of the Saudi king, with its severe application of Islamic law, cutting off the hand of the thief, punishing those who tampered with security. The result, the traveler wrote, was a level of safety this land had not known, he believed, since the era of the Rightly Guided Caliphs. Justice in Mecca could indeed be swift. One account tells of a boy who stole from pilgrims and had his hand cut off in the presence of the emir of Hajj himself, to protect the sanctity of religion. And then there is the mountain. Cave Hira, where the Prophet once worshipped. One sheikh, Abu Mahdi Issa, recounted a night there that he would never forget. He had gone with three companions. A storm broke, clouds and lightning, then thunder so tremendous he said he had never seen its like. He did not doubt that it was death. He clung to his place, saying he would prefer to meet God in such a spot. When the storm passed, he emerged to find two of his companions dead, one sitting with his appearance unchanged by a single hair. He spent that night alone on the mountain, and confessed he had never seen anything more terrifying. Yet through all of it, the hardship, the thirst, the terror, one voice captures why they came. A pilgrim wrote of standing before the sacred house at two o'clock and declared that this hour does not count from age, but from eternity. He wished for the wheel of time to stop. Everything in this world, he wrote, is mere craft and profession, except standing between the hands of God in prayer. Perhaps that is the lesson these travelers left us. The journey strips everything away, comfort, safety, even companions, until only one thing remains. A heart, standing before its Creator, filled with a joy that no container on earth could hold.

  14. 37

    Following Vanished Wakes: Chateaubriand's Pilgrimage to the Ancient World

    Following Vanished Wakes: Chateaubriand's Pilgrimage to the Ancient World The gods no longer inhabit Olympus. And yet in the summer of 1806 one Frenchman set out to find them anyway. His name was François-René de Chateaubriand, and he called himself perhaps the last Frenchman to leave his country for the Holy Land with the ideas, the aim, and the sentiments of the pilgrims of old. Picture him on the 13th of July, 1806, leaving his homeland once more. He compared himself to the Sire de Joinville, that Seneschal of Champagne who set out on crusade centuries before, who dared not turn his face back toward his own castle for fear his heart would break with regret. Chateaubriand dared not turn his head either. But there was a bitter difference. Almost a stranger in his own country, he left behind him neither castle nor cottage. Why was he going? Officially, to gather material for Les Martyrs, his Christian epic in prose. He had drafted most of its chapters, but he refused to finish them before seeing the lands where they were set. Others, he admitted, find their resources in themselves. He needed to supply what he lacked through effort. And there was something more. In the deserts of America he had contemplated the monuments of nature. He knew Celtic antiquity and Roman antiquity. It remained for him to walk the ruins of Athens, Carthage, and Memphis. And above all, he wanted to make the pilgrimage to Jerusalem. His route took him from Paris to Milan, then to Venice, where he arrived on the 23rd of July and spent five days among the remains of its past grandeur, seeking out paintings by Tintoretto, Veronese, Bassano, and Titian. He even searched an abandoned church for Titian's tomb, and had trouble finding it, just as he had once struggled to find Tasso's tomb in Rome. From there to Trieste, where a boat was found, ready to sail for Smyrna. They set sail on the 1st of August, at one o'clock in the morning. The sea tested them almost immediately. On the 2nd of August, a storm rolled in from the coast of Croatia. The Austrian captain led prayers amid torrents of rain and claps of thunder, while a small light burned before an image of the Blessed Virgin. Chateaubriand noticed something about sailors in that moment. On shore they may be as firm-hearted as anyone. But near danger, mankind becomes religious. The torch of philosophy, he observed, reassures less in the midst of a tempest than the lamp lit before the Madonna. Then came the moment that transformed the journey. On the 5th of August, at eleven o'clock, the ship reached the gates of the Adriatic, between Cape Otranto in Italy and Cape Linguetta in Albania. Think about what that meant to him. This was the frontier of Greek antiquity and the border of Latin antiquity. Pythagoras, Alcibiades, Scipio, Caesar, Pompey, Cicero, Augustus, Horace, Virgil had all crossed this sea. And now he, an obscure traveller, was following their vanished wake. Becalmed off Corfu on the 6th of August, he had time to let memory unspool. This was the island where Odysseus was hurled after his shipwreck. Aristotle went there in exile. A young Alexander landed there. Cato met Cicero at Corcyra after the battle of Pharsalia, and Chateaubriand imagined what a painting that encounter would make. One of those Romans would fall on his sword at Utica. Antony and Octavia celebrated their fatal marriage there, the marriage that cost the world so many tears. And Agrippina came to that very place to perform the funeral rites for Germanicus. It was as if the island existed to supply two rival historians of genius, Thucydides and Tacitus, with their most admirable subjects. But then Chateaubriand did something bold. He turned from the pagan giants to the Christian martyrs of Corfu, to Saint Jason and Saint Sosipater, and asked a question that cuts to the heart of his whole journey. Is a martyr to freedom any greater than a martyr to truth? Is Cato, devoting himself to the liberation of Rome, more heroic than Sosipater, allowing himself to be burnt in a brazen bull to announce to men that they are brothers? On the 7th of August a breeze rose from the northwest, and the ship carried him onward, past Ithaca, where neither the forests of Mount Neriton nor the thirteen pear trees of Laertes could still be seen, and toward Zante, the Isle of Gold, the Flower of the Levant. What remains of this journey is not archaeology. It is a way of seeing. Chateaubriand looked at a whitish rock and chose to see Calypso's enchanted island. Woe, he wrote, to him who sees not nature with the eyes of Fenelon or Homer. Perhaps that is his lasting lesson for you and me. The past is not simply behind us. It is a lamp we carry, and it changes everything it touches.

  15. 36

    البارثنون: خدعة بصرية عبقرية خلّدت أعظم صروح التاريخ

    [البارثنون: الصرح الذي بُني من خطوط منحنية لتراه العين مستقيماً] هل تعلم أن كل خط مستقيم تراه في البارثنون هو في الحقيقة خط منحنٍ؟ نعم، هذا الصرح العظيم الذي يقف شامخاً فوق أثينا منذ آلاف السنين، بُني على خدعة بصرية عبقرية. خدعة تطلبت علماً عميقاً بالرياضيات والبصريات، لتجعل من الحجارة كائناً ينبض بالحياة والحرية. فكيف حدث ذلك؟ رافقني في هذه الرحلة إلى قلب العصر الذهبي اليوناني. في عام أربعمائة وسبعة وأربعين، بدأ المهندس إكتنوس ينشئ هيكلاً جديداً لأثينة بارثنوس، يساعده في ذلك كلكراتيز، ويشرف عليهما النحات العظيم فدياس وبركليز إشرافاً عاماً. وأنشأ إكتنوس في الطرف الغربي من البناء حجرة لكاهناتها العذارى سماها حجرة العذارى. ومع مرور الزمن، استعير هذا الاسم فأطلق على البناء كله. هكذا وُلد اسم البارثنون. اختار إكتنوس لبناء الهيكل رخام جبل بنتكلوس الأبيض المشوب بحبيبات حديدية. والمدهش أنه لم يستخدم في البناء ملاطاً أبداً. بل نُحتت كتل الحجارة وصُقلت بحيث تمسك كل كتلة بالتي تليها كأن الاثنتين كتلة واحدة. أما الأعمدة فقد ثُقبت صفحاتها ووُضعت في كل ثقب قطعة من خشب الزيتون تصل كلاً منها بالأخرى، حتى لا يكاد يُرى فارق بين السطحين المتقابلين. والآن نصل إلى السر الأعظم. لم تكن واجهات البناء كاملة التربيع، ولكنها خُططت بحيث تظهر لمن ينظر إليها من أسفل كأنها مربعة. كان قطر كل عمود يزداد قليلاً من قاعدته إلى وسطه نحو ثلاثة أرباع البوصة ثم ينقص كلما علا. وكل خط أفقي ينحني إلى أعلى نحو الوسط. لماذا كل هذا؟ لأن هذه الانحناءات لم تكن إلا تصحيحاً دقيقاً للخداع البصري. فلولاها لبدت قواعد صفوف الأعمدة منخفضة في وسطها مائلة نحو الخارج. لقد كان البارثنون صرحاً يجمع بين العلم والفن في آن واحد. وماذا عن الزينة والنقوش؟ هنا تتجلى عبقرية أخرى. فقد نُقشت على الأجنبة الاثنتين والتسعين نقوش بارزة تقص كفاح الحضارة والوحشية في حروب اليونان والطرواديين، واليونان والأمزونيات، والجبابرة والآلهة. وفي القوصرة الشرقية فوق المدخل، كان الزائر يشهد مولد أثينة من رأس زيوس. وفي الركن الأيسر أربعة رؤوس جياد تبرق أعينها وتنخر مناخيرها وهي مسرعة في عدوها تعلن شروق الشمس. أما في الركن الأيمن فيسوق القمر عربته للمغيب، بجيادها التي وُصفت رؤوسها بأنها أجمل رؤوس للخيل في تاريخ النحت كله. بلغت روعة هذه التماثيل حداً جعل النحات كنوفا يقول عنها: إن سائر التماثيل من حجارة أما هذه فمن لحم ودم. وأجمل من ذلك كله كان الأفريز الشهير، الممتد إلى مدى خمسمائة وخمسة وعشرين قدماً. فيه نشاهد فتيان أتيكا وفتياتها يقدمون الهدايا وفروض الطاعة للآلهة أثينة. فرسان حسان تتمثل فيهم المهابة فوق خيول أجمل منهم، وشيوخ هادئون يحملون أغصان الزيتون، ونساء موقرات يحملن الأثواب التي نسجنها وطرزنها لهذا اليوم المقدس. والأعجب أن المثّالين استطاعوا، فيما لا يزيد على بوصتين ونصف من النقش البارز، أن يخدعوا العين فيُخيّل إليها أن جواداً بعيد عن الآخر. وهل تتخيل أن البارثنون لم يكن أبيض كما نراه اليوم؟ كانت أجزاء كثيرة منه مطلية بالألوان الزاهية الصفراء والزرقاء والحمراء. فالرخام طُلي باللونين الزعفراني واللبني، وكانت الواجهة حمراء. لقد فضّل اليونان الألوان الناصعة لأنهم شعب اعتاد جو البحر الأبيض المتوسط. لكن دعنا نكون منصفين. لم يكن هذا الفن بلا أخطاء. فقد كانت التماثيل تُعنى بالجسم فوق ما يجب، وقلما كانت تنفذ إلى الروح. وظلت المباني مدى ألف عام متشبثة بالشكل الرباعي البسيط، وتجنبت الأساليب الصعبة كالأقواس والقباب. ومع ذلك، تبقى الحقيقة الكبرى ماثلة أمامنا. إن جوهر هذا الفن هو التوسط والاعتدال، والتناسب بين الأجزاء، وعلوّ سلطان العقل دون أن يقضي على الشعور، والكمال الهادئ الذي يقنع بالبساطة. واليوم، وقد تجرد البارثنون من ألوانه، فإنه يبدو أجمل ما يكون في الليل، حين تظهر من الفراغ الذي بين العمد مناظر السماء المتغيرة، وأضواء المدينة النائمة مختلطة بتلألؤ النجوم. لقد كان الفن اليوناني أعظم ما أبدعه اليونان، وكان حياة العقل ممثلة في الحجر، وهو خير ما أهدته بلاد اليونان إلى بني الإنسان.

  16. 35

    رافائيل ومدرسة أثينا — سرّ اللوحة التي جمعت الفلاسفة

    # رافائيل ومدرسة أثينا — سرّ اللوحة التي جمعت الفلاسفة هل تعلم أن أشهر لوحة تحمل اسم مدرسة أثينا ربما لا تستحق هذا الاسم أصلا؟ نعم فإطلاق هذا الاسم عليها لا يخلو من شطط كما يقول المؤرخون. فاللوحة في حقيقتها لا تصور مدرسة بل تصور جدلا فلسفيا ملتهبا بين عملاقين من عمالقة الفكر هما أفلاطون وأرسطو وقد أحاط بكل منهما أتباعه ومريدوه. تخيل معي هذا المشهد. سقراط يقف وسط حلقته يمطر زميله أفلاطون بأسئلته وهو يحصي بأصابع يده النقاط التي تجاوزها النقاش. والأغرب من ذلك أن بعض مؤرخي الفن يذهبون إلى أن رافائيل قد رسم وجه أفلاطون بملامح ليوناردو دافنشي ووجه سقراط بملامح ميكلانجلو. فمن يسكن هذه اللوحة العجيبة؟ هناك الفيلسوف ديوجين في أسمال بالية وقد استلقى على الدرج زاهدا في مطالب الحياة. وهناك رجل مسن يدوّن شيئا ما وقد انبسط أمامه لوح كتابة منقوش عليه السلم الموسيقي. وأبى الفنان إلا أن تضم لوحته عالم الفلك بطليموس والنبي زرادشت وعالم الهندسة إقليدس أو لعله أرشميدس. لكن دعني أسألك سؤالا. ما القيمة الحقيقية لهذه اللوحة؟ هنا ينقسم الناس إلى ثلاث طوائف. فريق لا يهدأ له بال إلا إذا ألصق بكل شخصية اسمها ويسعد بالاستماع إلى المرشد السياحي وهو يعدد أسماء الشخوص. وفريق آخر وهو عادة قلة يسعى إلى إدراك حركة الشخوص بصرف النظر عن تعبيرات الوجوه. ثم هناك طائفة من النخبة تدرك أن القيمة الحقة تكمن في التنسيق العام والترابط بين عناصر الصورة وما ينطوي عليه الفراغ من إيقاع متناغم وحركة متدفقة. فهمّ الفنان الأساسي لم يكن الأشكال الفردية بل كيفية ترتيب الشخوص فوق سطح اللوحة. وهذا هو الحس المميز النادر الذي انفرد به رافائيل. ولم يعمل رافائيل وحده. فقد لجأ إلى المعمار ليساند تكوينه الفني. ويقال إن القاعة المهيبة ذات العقود التي تجلل عمق اللوحة مقتبسة عن التصميم المبدئي الذي أعده صديقه المعماري برامانتي لبازيليكا القديس بطرس الجديدة بروما. حتى إن المؤرخ فاساري ذهب في كتابه عن الفنانين إلى أن برامانتي هو مصمم المعمار في هذه اللوحة الجدارية. ويتصدر المبنى سلم من أربع درجات شديدة الارتفاع بعرض الصورة كلها فتشكلت منصتان للأحداث. أولاهما الفراغ أدنى درجات السلم وثانيتهما البسطة التي تعلوها. والآن إلى قلب اللوحة النابض. كيف تعامل رافائيل مع الصراع بين الفلسفتين الأفلاطونية والأرسطية؟ آثر بدبلوماسيته وعذوبته وحنكته أن ينتهج طريقا وسطا فوضع العملاقين على جانبي المحور الرئيسي للصورة فارضا التوازن على اللوحة. أفلاطون يتأبط كتابه تيماوس مشيرا بسبابته نحو السماء ربما رمزا لنظرية المثل. وأرسطو يمسك بكتابه الأخلاق مشيرا بكفه اليمنى إلى أسفل رمزا لإيمانه بكل ما هو واقعي في هذه الحياة. إشارتان بسيطتان لخصتا فلسفتين كاملتين. وثمة تفصيلة مدهشة أخرى. ففي المجموعة الملتفة حول بيثاجوراس نرى فيلسوفا واقفا يسند بفخذه كتابا ولعله يقرأ بصوت عال وقد تشكلت ذراعاه وساقاه في تكوين أخّاذ. وما أشبه وضعته بوضعة ليدا في لوحة ليدا وطائر البجع لليوناردو دافنشي. ترى هل هو مجرد توارد خواطر؟ ونرى كذلك الفيلسوف هرقليطس ويقال أيضا إنه يحمل وجه ميكلانجلو مسندا رأسه بيده مفكرا وهو يخط بقلمه ما يمليه فكره. لكن المعجزة الحقيقية تتجلى في التنسيق المعماري. فالفيلسوفان يحتلان موضعيهما داخل فجوة العقد الخلفي الأخير. وكان من المحتمل أن نفقد أثرهما بين معالم الصورة المتعددة لولا هالة العقد التي تطوقهما والتي يمضي صداها يتردد من خلال الخطوط المتحدة المركز للعقود المتتالية. ولك أن تتخيل أننا لو فصلنا التكوين المعماري عن هذه اللوحة لانهار التكوين الفني بأسره مثلما ينهار مثيله في لوحة العشاء الرباني لليوناردو إذا ما جردناها من بنائها المعماري. وهكذا برهن رافائيل في هذه اللوحة على أنه بلغ ذروة النضج والاقتدار على الابتكار. فالمواقف شديدة الوضوح والإيماءات بالغة التعبير والشخوص جلية ما يكاد يقع عليها الطرف حتى تعلق بها الذاكرة. وكما وصف فلفلن إحدى مجموعاتها فقد اتحد شخوصها اتحاد الأصوات الفردية في إنشاد الجوقة الجماعي. فتأمل كيف حوّل فنان واحد جدارا صامتا إلى حوار خالد بين الفكر والفن. حوار ما زال صداه يتردد حتى اليوم يدعوك أنت أيضا للمشاركة في السكون الوادع الذي تهيئه تلك البازيليكا العظيمة.

  17. 34

    حين وُلد الأدب على خشبة هشّة: حكاية شعراء روما الأوائل

    # صوتٌ من روما القديمة: حين وُلد الأدب على خشبة هشّة تخيّل أن تُهدَم دار المسرح بأكملها بعد كل عرض. نعم، هكذا كان الحال في روما القديمة. خشبةٌ من الخشب تُبنى ثم تُهدَم، ونظارةٌ يقفون في العراء أو يجلسون على مقاعد جاءوا بها معهم. ومع ذلك، من هذه البدايات المتواضعة وُلدت نهضةٌ أدبية غيّرت وجه اللغة اللاتينية إلى الأبد. فكيف حدث ذلك؟ القصة تبدأ مع جماعةٍ كان هدفها أن تناصر الفنون والفلسفة، وأن تجعل اللاتينية لغةً رقيقة سلسة أدبية. إنها جماعة سبيو. وفي عام مئتين وأربعة قبل الميلاد، جاء كاتو، العدو الألد لكل ما يمثله سبيو، بشاعرٍ إلى روما. فما كان من سبيو إلا أن احتفى به وأكرم مثواه. كان هذا الشاعر هو كونتس إنيوس، المولود عام مئتين وتسعة وثلاثين قبل الميلاد قرب برنديزيوم، من أبوين أحدهما يوناني والآخر إيطالي. لم يترك إنيوس بحراً من بحور الشعر إلا حاوله. كتب ما لا يقل عن عشرين مأساة، وكان يغيظ الأتقياء بأمثاله التهكمية، كقوله: أُسلّم معكم أن ثمة آلهة، ولكنهم لا يبالون بما يفعله الآدميون، وإلا لكانت عاقبة الطيبين الخير وعاقبة الخبيثين الشر، وهذا قلّما يحدث. ويقول شيشرون إن من استمعوا لهذا القول طربوا وصفقوا له استحساناً. لكن أعظم أعماله كان ملحمةً كبيرة تروي تاريخ روما من مجيء إينياس إلى بيرس، ظلت إلى أيام فرجيل الملاحمَ القوميةَ لإيطاليا. وقد أعدّ إنيوس الطريق للكريشيس وهوراس وفرجيل. ومات بذات الرئة في سن السبعين، بعد أن كتب لنفسه قبريةً يقول فيها: لا تبكوا عليّ ولا تحزنوا لوفاتي، فإني أبقى على شفاه الرجال وأحيا. غير أن إنيوس أخفق في شيءٍ واحد: المسلاة. فقد كان الناس يفضّلون الضحك على الفلسفة. وبهذا التفضيل أغنَوا رجلاً آخر اسمه بلوتس، وأفقروا إنيوس. فمن هو بلوتس؟ وُلد تيتس مكسيوس بلوتس في أمبريا عام مئتين وأربعة وخمسين قبل الميلاد. عمل خادماً من خدم المسرح في روما، وادّخر بعض المال ثم أضاعه، فاضطره العيش إلى كتابة المسرحيات. كان رجلاً شعبياً شديد المرح، ضاحكاً صخّاباً، ولكنه طيب القلب عطوف على الناس جميعاً. بلغ عدد ما كتبه أو صقله مئةً وثلاثين مسرحية، بقيت منها إلى الآن عشرون. وكان جمهوره خشناً غليظاً، حتى إن الخطب الافتتاحية كانت تُنذر الأطفال بالعقاب إذا أحدثوا ضجيجاً، وتحذّر النساء من الثرثرة أثناء التمثيل. بل كان التمثيل ينقطع أحياناً إذا صحبه صراعٌ أو ألعابٌ بهلوانية على الحبال، لأنها أشد إثارةً لحماسة النظارة! وفي السنة التي تُوفي فيها بلوتس على الأرجح، عام مئة وأربعة وثمانين قبل الميلاد، وُلد في قرطاجنة شاعرٌ من طرازٍ مختلف تماماً: ترنس. كان عبداً، لكن سيده أدرك مواهبه فعلّمه ووهبه حريته. وفي عام مئة واثنين وستين كتب أشهر مسرحياته: المعذّب نفسه. وفيها العبارة التي صفّق لها النظارة طرباً وإعجاباً، والمعروفة في جميع أنحاء العالم: إني إنسان، ولا أرى أن شيئاً مما يتصل بالإنسان غريبٌ عليّ. لكن المفارقة المؤلمة؟ أن رقّة ترنس كانت سبب انصراف الجمهور عنه. فقد كان يعوزه مرح بلوتس وخفة روحه. حتى إن مسرحيته هيرا أخفقت لأن النظارة غادروا الملهى أثناء التمثيل ليشهدوا صراعاً للدببة. وقد وصفه قيصر بأنه المحب للكلام الطاهر، لكنه أسف لأنه لم يوهب القدرة على الضحك، وسمّاه نصف مناندر. ومات ترنس شاباً في أركاديا، في الخامسة والعشرين من عمره. فما الذي تبقّى من كل هذا؟ الكثير. فإنيوس ثار على الأوزان القديمة وأدخل الشعر السداسي الأوتاد. وبلوتس ربط الأدب الروماني منذ بدايته بالرجل العادي ربطاً لم يبلغه فيما بعد. أما ترنس، ذلك العبد الأجنبي، فقد أفلح في شيءٍ واحد على الأقل: صاغ من اللغة اللاتينية أداةً أدبية، هي التي استطاع بها شيشرون في القرن التالي أن يكتب نثره، وفرجيل أن ينشئ شعره. فتأمّل: خشبةٌ هشّة تُهدم بعد كل عرض، وجمهورٌ يفضّل صراع الدببة على الشعر، وعبدٌ محرَّر مات في الخامسة والعشرين. ومع ذلك، من هنا بالضبط وُلدت لغةٌ حملت حضارةً بأكملها. فهل كان إنيوس مخطئاً حين قال إنه سيبقى على شفاه الرجال ويحيا؟ ها نحن، بعد أكثر من ألفي عام، ما زلنا نردّد اسمه.

  18. 33

    Highwaymen, Martyrs and Model Villages: The Secret Stories of Beaconsfield

    [Highwaymen, Martyrs and Model Villages: The Secret Stories of Beaconsfield] Imagine a hill on the road between London and Oxford so dangerous that it earned the name Cut Throat Wood. A place where carriages slowed down on the incline and highwaymen lay waiting in the trees, ready to take your money, your belongings, and sometimes even your women. This was the world of old Beaconsfield, a town whose story stretches from medieval property records to royal scandals and even the oldest model village in the world. Let's start at the beginning. In property returns from 1185, the town appears as Bekensfeld, meaning a clearing in the beeches. Over time, the name evolved into Beaconsfield. But the town really came alive during the late 1700s and early 1800s, when it established itself as a coaching town between London and Oxford. Why did coaching towns matter so much? Because travelling at night was simply unsafe. Highwaymen killed travellers who refused to hand over their valuables. One of the most famous of these criminals was Claude Du Vall, a Frenchman who arrived in England as a footman when Charles the Second was restored to the throne. He hid in Cut Throat Wood, on what is now the A40 between Beaconsfield and High Wycombe, waiting to prey on stagecoaches heading to London. Like so many highwaymen who were caught and convicted, he was executed at Tyburn. The coaching trade shaped the town itself. Old Beaconsfield filled with coaching inns built with wide gates so carriages could pass through to the backyard. Among the major inns were the White Heart and the Saracen's Head, which still stands today, though now as a hotel. And there is evidence that a site existed there as far back as 1242. Then came the railway, and everything changed. As the railway expanded, so did London, and people who could afford to move out chose what became known as New Beaconsfield during the 1910s and 1920s. Between 1906 and 1930, most of the buildings went up, many in the Edwardian style. Curiously, the Beaconsfield Railway is known as the last railway built in the country. The neighbouring town of Amersham had its railway running before Beaconsfield did. Now, who lived in this town? The answer might surprise you. The great politician and statesman Edmund Burke bought the Gregorie's Estate and renamed it Butler's Court. Burke, believed to be the first to tackle the issue of the slave trade, expanded the estate and built a house there. Around 1813 that house burnt down, and a new one was rebuilt in the 1890s. When the railway arrived, the estate was divided into lots and sold to developers. Today those houses stand on Burke's Road, considered the most expensive road in Beaconsfield, and possibly the most expensive in the whole country. Other remarkable residents followed. Enid Blyton, the beloved children's author, lived here. So did G.K. Chesterton, whose house is the second on Grove Road and who wrote A Beaconsfield Ballad. Lord Reith, the first Chairman of the BBC, lived on Hedgerley Lane. And here is a delicious irony. Benjamin Disraeli held the title Earl of Beaconsfield, yet he never lived there and had nothing to do with the area. A close friend of Queen Victoria, he was offered an earldom and asked which suffix he wanted. He chose Beaconsfield, perhaps because his late wife had been the Viscountess of Beaconsfield. There is no clear reason or known relation to the town itself. The estates around town carry their own dramatic histories. Wilton Park was used as a base for interrogating senior German officers after World War Two, later becoming an army training establishment. Hall Barn, built in the mid seventeenth century for the poet and politician Edmund Waller, was sold by the family in 1832 and is now used as a filming location. And there are stranger stories still. Consider the Vicar of Beaconsfield who could not settle his debts and was locked away in a debtor's prison in London. Every Sunday he was released, taken back to Beaconsfield to deliver the ceremony, and then returned to his cell that evening. Today, you can visit Bekonscot, the oldest original model village in the world, created by Roland Callingham, showing many buildings of England in miniature. Look up, and you might spot a Red Kite soaring overhead. These large birds of prey were down to their last six pairs in Wales before being reintroduced in 1994 at the Wormsley Estate in the Chilterns. So what does Beaconsfield teach us? That a small town can hold an entire nation's story. Highwaymen and statesmen, imprisoned vicars and beloved authors, ancient beech clearings and modern luxury. The next time you pass through a quiet English town, ask yourself what secrets it might be keeping. Beaconsfield certainly kept plenty.

  19. 32

    The Only Thing Tying Me to This World Was My Shoes: A Syrian Writer's Journey to Beijing

    [The Only Thing Tying Me to This World Was My Shoes: A Syrian Writer's Journey to Beijing] Imagine standing in an airport, watching the crowds rush past, and realizing that the only thing connecting you to this entire world is the pair of shoes on your feet. That is exactly how one Syrian academic described his life of constant travel. No land, no sea, no city, no home to shelter him. Just his shoes. This is the story of Dr. Mohammed Abdel Rahman Younes and his remarkable journey to Beijing in 2001, a journey that would transform a stranger's loneliness into unexpected friendship. It all began with a recommendation. The poet Abdel Moin al-Mallouhi nominated Dr. Younes for academic work in Chinese universities. This led to an invitation from Mr. Wang Gui Fa, the cultural counselor at the Chinese embassy in Damascus. After several meetings filled with questions and careful review of documents, a contract was signed on October 20, 2000, to teach Arabic at the Foreign Studies University in Beijing. His departure was set for February 19, 2001, traveling through Istanbul. The night before he left, friends and family gathered to say goodbye. The last guest departed at one in the morning. His brother insisted on accompanying him to Damascus International Airport, despite his protests. And later, he admitted his brother was right. How comforting it is, he discovered, to see a familiar face as you bid farewell to the skies of your homeland. From Istanbul, he boarded a jumbo jet that was at least half empty because of the winter cold. Eleven hours of direct flight to Beijing. But this flight was unlike any other he had taken. The attendants handed out thick red and blue socks, asking passengers to remove their shoes when walking in the cabin. They distributed perfume bottles and headphones. Three meals were served, and every half hour, carts loaded with drinks rolled down the aisles. And here is where the story truly begins. Sitting beside him was a computer engineer named Mr. Tao. When Dr. Younes asked for orange juice, Tao suggested apple juice instead, explaining that Chinese medicine experts consider it better for long flights, easing headaches and nausea. Out of respect for that wisdom, Dr. Younes drank nothing but apple juice for the entire journey. The two men talked about culture and difference. When Turkish dance performances appeared on the screens, Tao asked with surprise, isn't Turkey an Islamic country? Their conversation wandered through questions of appearances and realities. Nearby sat a young American woman from Arizona, heading to Beijing for tourism and hoping to find work there. She asked Dr. Younes where he would be teaching. He told her Beijing University, believing firmly that this was his destination. He was wrong. He later discovered his actual workplace was the Foreign Studies University, more than an hour away by bus. Naturally, they never met again. But what about Mr. Tao? This is where kindness enters the story. Dr. Younes confessed his anxiety. What if no one met him at the airport? How would he find the university, the hotel, the city? Tao answered with calm confidence. Don't worry at all. We will leave the airport together, take a taxi, and I will book you into a hotel near the university. With those words, ninety percent of his anxiety vanished. At Beijing airport, the passport officer questioned him intensely because his passport listed his profession as writer, not teacher. He stood alone, the last passenger in a vast empty hall, fearing Tao would leave. But Tao waited behind the barrier, smiling. And when Dr. Younes prepared to open his suitcase for customs, expecting the inspections familiar from Arab airports, Tao told him something astonishing. All the procedures were finished. The bags had already been checked through cameras and computers. Then came relief. Among the waiting crowd, a young man held up a white sign welcoming Dr. Mohammed Abdel Rahman Younes by name. Dr. Bassam and a teaching assistant named Ihsan had come to receive him. Joy washed over him. Tao handed him a business card, wished him a pleasant stay, and traveled on to Nanjing. Driving into Beijing, Dr. Younes marveled at the magnificent green trees lining the highway. Dr. Bassam described a city of more than thirty million people, one of the largest cities in the world. At the university's guest building, a table full of fruit awaited him, a personal gift from Dr. Bassam, who told him simply, consider me a friend here, and do not worry about being a stranger. So what remains of this journey? A man who once believed only his shoes tied him to the world found himself welcomed by name in a city of thirty million strangers. Perhaps that is the quiet lesson here. Exile is heavy, but a single act of kindness, a stranger on a plane, a sign held high in a crowd, can dissolve years of loneliness. Sometimes, home is not a place at all. It is the people who wait for you.

  20. 31

    Can an Uprising Be a Science? The Model Behind the Intifada

    [Can an Uprising Be a Science? The Model Behind the Intifada] What if an uprising could be studied like a system — with inputs, outputs, messages, and feedback? What if the stones, the protests, the resistance you've seen in headlines could be captured in a theoretical model, one that might explain not just one people's struggle, but uprisings anywhere in human history? That is exactly what one Palestinian scholar set out to do. His name is Bashir Said Mohammad Abul Qaraya, born on the nineteenth of August 1961 in the Gaza Strip. And his doctoral thesis in political science, supervised by Professor Nadia Mahmoud Mostafa, carried an ambitious title — The Palestinian Intifada's Model. Let's start with the question at the heart of it all. What exactly is an Intifada? The study didn't settle for a headline definition. It traced the word linguistically, explored its political implications, and examined how Arabs, Westerners, and Israelis each see the phenomenon differently. The definition it arrived at is striking. An Intifada, the study concluded, is a popular continuous resistance and comprehensive civilized confrontation, using all civilian and violent means, combining rising and subsidence. It emerges when a community faces injustice, corruption, backwardness, or weakness imposed by either a tyrannical inner power clinging to its own benefits, or an external colonial power seeking to plunder a people's will, efface their identity, exploit their land, and violate their sanctuaries. And yet — and this is crucial — the study insists that such a community can liberate itself, depending on strong will, sacrifice, and patience. But how do you turn that idea into a framework you can actually apply? The study built a model with two divisions. First, the Intifada's approach — an intellectual framework rooted in Islamic concepts and values, drawing on the experiences of the Arab and Muslim world and the global South. Second, the Intifada's system — an analytical framework designed to capture the phenomenon objectively. And here is where it gets fascinating. The study drew on Western theoretical models from the 1960s — Deutsch's communicative model, Easton's systemic model, Almond's functional model, and Parsons's model of the social system. It also benefited from approaches developed in the 1990s, when Western theory shifted from studying political systems alone to studying society itself and its interactions with the state. It even drew on Malik Bin Nabi's concept of the social relations network. The result? A framework that could, in principle, study Intifada phenomena in any human society. Then came the application. The study examined the Palestinian case from 1987 until 2007, while treating the long stretch from 1881 to 1987 as historical memory. It explored the roots of the phenomenon, the nature of the Palestinian political regime — the P.L.O., the Palestinian Authority, Fatah, Hamas, the Oslo Accords, the choice between negotiation and resistance. It mapped the Intifada's society, its leadership, its grassroots organizations, the role of civil society and traditional institutions. And it analyzed the Intifada's messages — carried through stones, martyrdom operations, rockets, media, and political action — and their repercussions on Israel's politics, society, economy, and security, as well as on Arab, Islamic, and international attitudes. So what did the study conclude? Several things worth pausing on. It argued that the Palestinian success lies in presenting the Intifada as a developmental human model — a civilized project reflecting a cognitive model contradictory to that of capitalism and Zionism — and that despite colonial domination, the future favors the Intifada in the long term. Yet it also found real limitations. The Intifada's influence on Arabs and Muslims remained restricted by a lack of Intifada consciousness, and ruling elites contributed negatively by embracing peace as a strategic choice while dismissing resistance. The study found that the escalation of the Intifada weakens Israeli settlement awareness and erodes Zionist consensus on settlement. And it noted that the September events brought increased negative repercussions, exposing hostile American policy, a marginal European role, and weak official Arab, Islamic, and Palestinian positions. So where does that leave us? With a provocative idea. That an uprising is not chaos — it is a phenomenon with structure, memory, messages, and meaning. A phenomenon that can be studied, evaluated, and understood. The study's final insight is perhaps its most enduring: the effectiveness of any Intifada is closely tied to mechanisms of evaluation, criticism, and unity, to popular support, and to the ability to adapt to new conditions. Whether or not you accept its conclusions, the ambition remains remarkable — to take one people's struggle and transform it into a model for understanding human resistance itself.

  21. 30

    غرباء في الوطن — حكاية جيل تعلّم أن ينسى نفسه

    # غرباء في الوطن — حكاية جيل تعلّم أن ينسى نفسه هل تصدق أن هناك من يسعى لإعداد أبناء بلده ليكونوا أجانب في عواطفهم وعقولهم وثقافتهم؟ ليس هذا سؤالًا من خيال. بل هي شكوى حقيقية كتبها معلم مصري إلى الأديب الكبير أحمد حسن الزيات، فنشرها في مجلة الرسالة في الثامن والعشرين من يناير عام ألف وتسعمئة وخمسة وثلاثين، تحت عنوان لافت: الثقافة المذبذبة. فما الذي أثار هذا المعلم؟ وما الذي جعل الزيات يرى في شكواه شكاة الشرق الإسلامي كله؟ القصة تبدأ برسالة. معلم يقدم نفسه بصراحة نادرة، فيقول إنه لا يؤمن كثيرًا بأوروبا ولا بما جاء من أوروبا، إلا أن يكون نفعًا ماديًا أو كشفًا علميًا. أما فيما يتعلق بالآراء والنفس، وما يتصل بالعقل والقلب، فهو شرقي لا يحب إلا الشرق، ومصري لا يحب إلا مصر. ثم يضع يده على الجرح. كان يؤلمه دائمًا أن يرى الابن الناشئ يعود من إنجلترا أو من فرنسا في هيئة نابية يزعم أنها دليل المدنية التي اكتسبها من الغرب. يمتدح فرنسا وإنجلترا وما فيهما من مناهج ومعاهد، وهو في الحقيقة إنما يمتدح نفسه، ويصل إلى الزهو من طريق غير مباشر. ولو توقف الأمر عند الزهو لهان. لكن البلية، كما يقول المعلم، أن هؤلاء خدعوا بنعرتهم الجوفاء بعض الشيوخ، فأُلقيت إليهم مقاليد الأمور، وبلغ الخداع حده في مسائل التعليم. والدليل؟ انظر إلى برامج التعليم الأدبية، وهي أداة الثقافة والقومية، فلن تجد فيها أثرًا للشخصية المصرية. إذا نظرت في برامج التاريخ للقسم الأدبي خُيّل إليك أنك تنظر في برامج فرنسا أو إنجلترا، أو خليط من هذا وذاك. أما مصر فلا شأن لها في ذلك. هنا يتسلم الزيات القلم، ويرفع القضية من شكوى معلم إلى قضية أمة. فيقول إن الشرق منذ غفا غفوته الثقيلة الطويلة لم يرد أن يبصر بعينه ويسير على قدميه، ولم يعلم أن له تاريخًا ممتازًا ووجودًا مستقلًا ومدنية أصيلة. كأن أهله لم يكفهم أن يكونوا عبيدًا لأوروبا بالجسم عن قوة وقهر، فرضوا أن يكونوا عبيدًا لها بالروح عن رضا وطواعية. ثم يصوغ الزيات مفارقة تهز الوجدان. الاستعباد المادي دهمنا أمس على يد الآباء، والاستعباد الأدبي يدهمنا اليوم على يد الأبناء. وشتان بين استعباد كان عن جبر وجهل، واستعباد يكون عن اختيار وعلم. فالعبودية العقلية أشد خطرًا من العبودية الجسمية، لأن الجسم يُرجى شفاؤه متى عُرف داؤه، أما تلك فحكمها حكم العقل إذا ذهب والروح إذا زهق. وهل يُرجى لمخبول شفاء، أو يُنتظر لمقتول رجعة؟ ولماذا وقع هؤلاء الشبان في هذا الفخ؟ يجيب الزيات بأن أكثرهم ذهبوا إلى أوروبا وشخصياتهم ممزقة أصلًا، من تفكك البيئة وفساد التعليم وضعف التربية. فكوّنوا عقولهم على منطق الإعجاب وميولهم على هوى التبعية. ثم عادوا وفي حوافظهم تاريخ غير تاريخ مصر، وعلى ألسنتهم أدب غير أدب العرب. فلم يستطيعوا أن يكونوا غربيين لعصيان الطبيعة وإباء الفطرة، ولم يريدوا أن يعودوا شرقيين لقوة الفتنة وضعف الإرادة. غرباء هنا وهناك. لكن انتبه. الزيات لا يدعو إلى الانغلاق. فهو يقرر أن العلم لا وطن له، لأنه يتعلق باستخدام القوى واستثمار المادة لخير الناس كلهم. أما الآداب والفنون والأذواق والأخلاق والتقاليد فهي قوام الأمم، ولا تنزل أمة عنها إلا إذا نزلت عن ذاتها. فخضوع الثقافة القومية للإنجليزية في مصر وفلسطين، وللفرنسية في سوريا والمغرب، وللأمريكية في العراق والمهجر، بلاء لا تسلم معه وحدة، ولا يستقل معه وطن. وما جذر الداء؟ أن التعليم عندنا ليست له سياسة مرسومة ولا غاية معينة. قل لواضع البرنامج أريد أن أصل بالتعليم إلى هذه الغاية، تجد الغاية نفسها تعيّن السبيل وتحدد الوجهة. أما إذا كانت سياستنا مجرد إنشاء مدارس وتهيئة مدرسين وإقامة امتحانات، فستصبح المعارف حقولًا للتجارب، فيها لكل سياسة أثر، ولكل أمة غير أمتها نصيب. هكذا صرخ الزيات قبل تسعين عامًا تقريبًا. أخذوا من الغرب علمه، هذا حقكم، لكن لا تتخلوا عن روحكم، فتلك هويتكم. فهل انتهت الثقافة المذبذبة من حياتنا اليوم؟ أم أننا ما زلنا، بشكل أو بآخر، نتحسس طريقنا على نداء غيرنا؟ سؤال يستحق أن تحمله معك بعد أن ينتهي هذا الصوت.

  22. 29

    إشراقة الاحتضار: كيف أزهرت بيزنطة وهي تموت؟

    # صوت من أطلال القسطنطينية: كيف أزهرت بيزنطة وهي تحتضر؟ تخيّل إمبراطورية تحتضر، تتساقط أطرافها واحدة تلو الأخرى، ومع ذلك تُنتج في لحظاتها الأخيرة أجمل فنونها وأعمق فلسفاتها. هذه ليست خيالاً. هذه قصة بيزنطة في قرنيها الأخيرين. فكيف يمكن لحضارة أن تزدهر وهي تموت؟ عام 1261 عادت الإمبراطورية البيزنطية إلى الحياة بلا إراقة دماء، في ظل أسرة جديدة هي الأسرة البلايولوجية. لكن العودة لم تكن عودة مجد. فقد كان المسلمون يتقدمون في آسيا وأوروبا، والصقالبة يتوسعون في مؤخرتها، وأعداؤها المسيحيون الذين استباحوا القسطنطينية عام 1204 قد اقتطعوا أجزاء منها. حتى التجارة، وهي شريان الحياة، كانت تُحمل على سفن إيطالية لا تدفع إيراداً للخزانة. وماذا عن المجتمع؟ نبلاء مترفون لم يتعلموا شيئاً من التاريخ ونسوا كل شيء إلا امتيازاتهم. رهبان مشاغبون خلطوا التقوى بالسياسة. وفلاحون هبطوا إلى عبيد أرض. بل إن ثورة اندلعت في سالونيك عام 1341 طردت الطبقة الأرستقراطية ونهبت القصور وأقامت جمهورية شبه شيوعية حكمت ثماني سنوات كاملة قبل أن يقضي عليها الجيش. وكتب السفير الإسباني كلافيجة حوالي عام 1409 يصف العاصمة فقال إن في كل مكان قصوراً عظيمة وكنائس وأديرة، ولكن معظمها أطلال. لقد هجر المجد ملكة البوسفور. لكن هنا تأتي المفارقة المدهشة. ففي وسط هذا الاضمحلال السياسي، اشتعلت نهضة ثقافية وفنية. ظلت المدارس تشرح أفلاطون وأرسطو وزينون الرواقي. وترجم ماكسيموس بلانوديس الآثار الكلاسيكية اللاتينية إلى اليونانية، وأعاد بناء جسر ثقافي بين بيزنطة وإيطاليا. وهل تريد نموذجاً لهذه النهضة؟ إليك تيودوروس ميتوتشيتيس. كان كبير وزراء أندرونيقوس الثاني، ومن أعلم علماء زمانه في آن واحد. ألّف في التاريخ والشعر والفلك والفلسفة بتفوق لا يضارعه فيه يوناني آخر في القرن الرابع عشر. ثم خسر كل شيء في ثورة خلعت مولاه، وأُلقي به في السجن، وقضى أيامه الأخيرة في دير كورا، ذلك الدير الذي زُيّنت جدرانه بفسيفساء من أجمل ما في التاريخ البيزنطي. وهناك الفيلسوف جمستوس بليثو، الذي كتب عام 1400 رسالة بعنوان القوانين اقترح فيها أن تحل ديانة الإغريق القدماء محل المسيحية والإسلام. لم يعرف بليثو أن الأديان تولد ولا تُصنع. ومع ذلك اجتمع حوله التلاميذ مشغوفين. وحين صحب الإمبراطور جون الثامن إلى فلورنسة عام 1438، حاضر عن أفلاطون لصفوة من المستمعين، وكاد يؤثر في عصر النهضة الإيطالية نفسه. أما الفن، فقد عاش وجداً أخيراً في تاريخه. في المورة، حيث أرسل الإمبراطور جون السادس ابنه عمانويل حاكماً عام 1348، بُنيت أديرة فخمة احتفظت بجداريات هي أحسن الجداريات في التاريخ البيزنطي الطويل، تضارع خير ما أنتجته إيطاليا في العصر نفسه بدقة رسمها وعمق ألوانها. لكن بينما كان الفن يتألق، كان نجم الحكومة يأفل. والأدهى من ذلك أن بعض الأباطرة اشتروا هلاكهم بأنفسهم. فهل تصدق أن إمبراطوراً بيزنطياً استعان بالعثمانيين ضد شعبه؟ هذا ما فعله جون السادس كانتاكوزين عام 1342 حين تورط في حرب أهلية وطلب العون من السلطان أورخان، فأرسل له السفن وستة آلاف جندي. بل إن الإمبراطور أرسل ابنته تيودورا لتكون زوجة للسلطان، ونهب كنائس القسطنطينية ليدفع ثمن عشرين ألف جندي تركي آخرين. وفي لحظة انتصاره الظاهري انقلب عليه الشعب وعدّه خائناً، وحولته الثورة في ليلة واحدة من إمبراطور إلى مؤرخ يكتب تاريخ عصره في دير. ثم جاء جون الخامس الذي ذهب إلى روما مستشفعاً عام 1369، ووعد بإدخال شعبه في طاعة البابوية مقابل العون ضد الأتراك. فماذا كانت النتيجة؟ اعتبرته البندقية رهينة مقابل الديون، وعاد إلى القسطنطينية أفقر مما رحل عنها، وأنكره شعبه لأنه حنث بعهده للمذهب الأرثوذكسي. وفي النهاية اعترف بالسلطان مراد الأول مولى عليه، وقدّم ابنه الحبيب عمانويل رهينة. وهكذا تكتمل الصورة. إمبراطورية تنحني أمام من سيبتلعها، بينما فنانوها يرسمون أجمل جدارياتهم، وفلاسفتها يحاضرون عن أفلاطون في فلورنسة. ربما هذا هو الدرس الأعمق في قصة بيزنطة. الحضارات لا تموت دفعة واحدة. قد تحتضر سياسياً وعسكرياً، بينما تُشرق روحها الثقافية إشراقة أخيرة تضيء ما بعدها. فالفسيفساء التي زُيّنت بها الأديرة، والأفكار التي حملها العلماء إلى إيطاليا، عاشت بعد أن سقطت الأسوار. وكأن الإمبراطورية وهي تودّع التاريخ، أصرّت على أن تترك فيه بصمتها الأجمل.

  23. 28

    سبينوزا: الملحد الذي عشق الله

    [سبينوزا: الفيلسوف الذي أحبّ الله بلا دين] تخيّل معي فيلسوفًا اتّهمه الناس بالإلحاد. طردوه ونبذوه. ثم انتهى به الأمر نشوانَ بحب الله. غامرًا ذهنه بالفرح والبهجة في تأمل الكائن السرمدي اللامتناهي. كيف يحدث هذا؟ كيف يصبح المهرطق الوديع عاشقًا لله؟ هذه هي قصة سبينوزا. القصة التي أربكت الأجيال القادمة وحيّرتها. لنبدأ من فكرة صادمة. يقول سبينوزا إننا لن تكون لنا سيادة تامة على أنفسنا أبدًا. لماذا؟ لأننا سنبقى جزءًا من الطبيعة. خاضعين كما كان يقول نابليون لطبيعة الأشياء. فالعواطف هي قوتنا الدافعة. أما العقل؟ فهو مجرد ضوء وليس لهيبًا. ومن هنا تأتي القاعدة الذهبية عنده: أية عاطفة لا يمكن تعويقها أو القضاء عليها إلا بعاطفة أخرى متعارضة وأشد قوة. ولهذا يحاول المجتمع جاهدًا أن يلطّف من انفعالاتنا وأهوائنا. كيف؟ باللجوء إلى حبنا للثناء وحسن الجزاء. وخوفنا من العتاب والعقاب. ويغرس فينا الشعور بالصواب والخطأ. والضمير نفسه، عند سبينوزا، نتاج اجتماعي. وليس هبة أو منحة فطرية إلهية. لكنه يرفض شيئًا واحدًا بشدة. استخدام الثواب والعقاب الوهميين في الحياة بعد الموت حافزًا على الخلق القويم. فهذا تشجيع على الخرافة لا يليق أبدًا بمجتمع ناضج. الفضيلة ينبغي أن تكون جزاء نفسها. وهي عنده المقدرة والذكاء والقوة. لا الإذعان والطاعة والخوف. واسمع هذه العبارة التي تلخص فلسفته في الحياة. إن أقل ما يفكر فيه الإنسان الحر هو الموت. وإنه ليفرغ كل حكمته وعقله في التأمل في الحياة لا في الموت. فقد اشمأز سبينوزا من النظرة إلى الحياة بأنها وادٍ من الدموع. ورأى أن التفكير في الموت ليل نهار سبة في جبين الحياة وامتهان لها. لكن هنا مفارقة عجيبة. هذا الفيلسوف الذي رأى أن الذهن ينقطع وجوده عندما يفنى الجسم، كان يحوم أحيانًا حول فكرة الخلود. كيف؟ يقول إننا نتصور الأشياء بطريقتين. إما بالنسبة لزمان ومكان معينين. أو نراها متضمنة في الله وفي النظام والقوانين الأزلية. وعندما نرى الأشياء بهذه الحالة السرمدية، فإننا نراها كما يراها الله. وعند هذا الحد تصبح أذهاننا جزءًا من الذهن الإلهي وتشارك في الأزلية. فالذهن أزلي طالما أنه يتصور الأشياء في ظل الأبدية. والآن نصل إلى قلب فلسفته الأخلاقية. جملة واحدة تكشف عن نقطة البداية. إن العاطفة التي تكون انفعالًا أو هوى لا تعود انفعالًا ولا هوى إذا نحن كوّنّا عنها فكرة واضحة متميزة. ما معنى هذا؟ ببساطة، بقدر ما يفهم الذهن كل الأشياء على أنها ضرورية لازمة، يكون أكثر سيطرة على العواطف. غاضب من إساءة؟ انظر إلى المسيء باعتباره نتاج ظروف لم يستطع التحكم فيها. حزين على فقد والدين مسنين؟ تذكّر أن الموت أمر طبيعي. فمحاولة الفهم هي الأساس الأول الوحيد للفضيلة. والمعرفة قدرة أو قوة. وأفضل أشكالها سيطرتنا على أنفسنا. ومن هذا المذهب الطبيعي يصل سبينوزا إلى نتائج أخلاقية مدهشة تشبه ما وصل إليه المسيح. فالذي يعرف بحق أن كل الأشياء تنشأ من ضرورة الطبيعة الإلهية، لن يجد إطلاقًا شيئًا جديرًا بالكراهية أو السخرية أو الازدراء. والرجل القوي لا يبغض أحدًا. ولا يثير غضبه أحد. ولا يحسد أحدًا. وليس بأية حال مغرورًا. ومن يرغب في الانتقام للأذى بالكراهية المتبادلة إنما يعيش حليف البؤس والشقاء. فالكراهية تتفاقم إذا كانت متبادلة. ويمكن القضاء عليها بالحب. والناس بهدى من العقل لا يرجون لأنفسهم شيئًا لا يحبونه لسائر البشر. أحب لأخيك ما تحب لنفسك. ثم يأتي التتويج. الفكر الأخير الذي ختم به عمله. الحب العقلي لله. فالله عنده هو الحقيقة الأساسية. القانون الثابت الذي لا يتغير للكون نفسه. واحترام إرادة الله والامتثال الواعي لقوانين الطبيعة شيء واحد. يقول: إن أعظم خير للذهن هو معرفة الله. وأسمى فضيلة في الذهن هي معرفة الله. وهكذا زاوج سبينوزا في نفسه بين العالِم الرياضي والمتصوف. أبى أن يرى في ربه روحًا تكافئ الابتهالات بالمعجزات. لكنه خصّه بعبارات رقيقة ألهمت لآلاف السنين المتدينين والمتصوفين في البوذية واليهودية والمسيحية والإسلام. الرجل الذي أبصر الكون رسمًا هندسيًا، انتهى برؤية كل الأشياء في الله. وأصبح الملحد النشوان بحب الله. فهل الحكمة الحقيقية أن نفهم العالم بدل أن نكرهه؟ ربما هذا هو الدرس الأعمق. أن الدافع الذي لا يقاوم للعثور على معنى في الكون، جعل النائي عن كل عقيدة يختم محاولته برؤية إله قدير. وبإحساس مثير رفيع بأنه بلغ الأبدية. ولو للحظة واحدة.

  24. 27

    حوار: ألف عندليب في بلاط السلاطين

    (محمد) هل تعلم يا عامر أن اثني عشر سلطانًا عثمانيًا كانوا شعراء؟ (عامر) اثنا عشر سلطانًا؟! سلاطين حكموا إمبراطورية تمتد من الفرات إلى الدانوب والنيل، وكانوا في الوقت نفسه ينظمون القصائد؟ (محمد) نعم، بل إن سليم العبوس نفسه نظم قصائد من الشعر المقفى، وورث ابنه سليمان القانوني ديوانًا ملكيًا ضم قصائده المجموعة، مثلما ورث الإمبراطورية العظيمة. (عامر) هذا مدهش حقًا. وهل كان هؤلاء السلاطين وحدهم في ميدان الشعر؟ (محمد) لا، بل إنك لترى هؤلاء السلاطين والأمراء بين ألفين ومئتي شاعر عثماني طبقت شهرتهم الآفاق. (عامر) فمن أين استمد هؤلاء الشعراء فنهم؟ (محمد) اقتبس معظمهم من الفرس أشكال شعرهم وأفكاره، وفي بعض الأحيان لغته. وواصلوا في معين من القصيد لا ينضب تمجيد عظمة الله وحكمة الشاه أو السلطان. (عامر) والعجيب أن هذا الشعر الذي لا يؤثر فينا اليوم شعرة بعدما غيرت الترجمة من طبيعته، كان يهز الأتراك إلى الأعماق، أليس كذلك؟ (محمد) بالضبط، كان يحفزهم إلى التقى والورع، وإلى الحرب أيضًا. ودعني أقص عليك حكايات ثلاثة من هؤلاء الشعراء. الأول هو أحمدي من سيواس المتوفى عام ألف وأربعمئة وثلاثة عشر، الذي نهل من الأستاذ الفارسي النظامي، وكتب ملحمة ضخمة اسمها إسكندرنامة، أي كتاب الإسكندر. (عامر) وماذا تناولت هذه الملحمة؟ (محمد) لم تتناول قصة غزو الإسكندر للفرس فحسب، بل ضمت تاريخ الشرق الأدنى وديانته وعلومه وفلسفته من أقدم العصور. (عامر) والشاعر الثاني؟ (محمد) أما الثاني فقصته أغرب. إنه أحمد باشا المتوفى عام ألف وأربعمئة وستة وتسعين. ابتهج السلطان محمد الثاني بشعره حتى عينه وزيرًا له. ولكن الشاعر وقع في غرام خادم جميل من حاشية الإمبراطور، فأمر السلطان بإعدامه. (عامر) بإعدامه؟! فماذا فعل الشاعر؟ (محمد) أرسل إلى مولاه قصيدة غنائية تفيض رقة، حتى إن محمدًا وهبه الغلام، ولكنه نفى الاثنين إلى بروسه. تأمل كيف أنقذت قصيدة واحدة حياة صاحبها من حبل المشنقة. (عامر) حقًا إن للشعر سلطانًا! وماذا عن الشاعر الثالث؟ (محمد) الثالث هو نجاتي المتوفى عام ألف وخمسمئة وثمانية، وكان اسمه الحقيقي عيسى. احتال احتيالًا لطيفًا ليصل إلى السلطان، فنظم قصيدة في مدح محمد الثاني وربطها في عمامة صفي السلطان وزميله في لعبة الشطرنج. (عامر) يا لها من حيلة ذكية! وهل نجحت؟ (محمد) نعم، دفع الفضول بمحمد الثاني إلى فض اللفيفة وقراءة القصيدة، فاستدعى ناظمها وعينه موظفًا في القصر الملكي. (عامر) ومهما يكن من أمر، أليس فطاحل الشعر الإسلامي كانوا لا يزالون من الفرس؟ (محمد) بلى، كان بلاط حسين بيقرة في هراة يعج بالعنادل المغردة، حتى إن وزيره مير علي شير شكا قائلًا: لو أنك مددت قدميك لرفست بهما ظهر شاعر. (عامر) فرد عليه شاعر آخر بقوله: وكذلك تفعل أنت لو سحبتهما! (محمد) تمامًا! وكان مير علي شير المتوفى عام ألف وخمسمئة وواحد راعيًا للأدب والفن وشاعرًا فحلًا، ومن فيض رعايته المستنيرة استمد العون المصور بهزاد، والشاعر الإسلامي الكبير في القرن الخامس عشر ملا نور الدين عبد الرحمن جامي المتوفى عام ألف وأربعمئة واثنين وتسعين. (عامر) حدثني عن جامي هذا. (محمد) كان عالمًا ومتصوفًا وشاعرًا في آن واحد. شرح الفكرة الصوفية القديمة، وهي أن الاتحاد البهيج بين النفس البشرية وبين الحبيب، وهو الله سبحانه وتعالى، لا يتأتى إلا إذا أيقنت النفس أن كل الأشياء في الدنيا أشباح تتلاشى في ضباب الفناء. (عامر) وقصته سلمان وأبسال، ماذا فيها؟ (محمد) هي مجاز بديع، فيها أمير يستسلم لمغريات الحب الدنيوي ويهرب مع محبوبته إلى جزيرة مكسوة بالخضرة، ثم يؤنبه ضميره، فيحاول الاثنان الانتحار في محرقة، فتأتي النيران على أبسال ويخرج سلمان سالمًا لم يحترق، وقد تطهرت نفسه فيرث العرش. (عامر) وكيف يفسر جامي هذا المجاز؟ (محمد) الملك هو الله، وسلمان هو النفس البشرية، وأبسال هي نشوة الشهوة، أما المحرقة فهي نار تجربة الحياة التي تتلاشى فيها الرغبات الشهوانية. ثم تجاسر جامي فعالج من جديد موضوعات تناولها اثنا عشر شاعرًا قبله: يوسف وزليخة، وليلى والمجنون. (عامر) وماذا في قصة زليخة؟ (محمد) تراها ترى يوسف في المنام فتقع في غرامه لأول ظهوره، ولكن أباها يزوجها من وزيره بوتيفار. ثم ترى يوسف رأي العين معروضًا للبيع في سوق الرقيق، فتشتريه وتغريه، ولكنه يرفض. ثم يموت الوزير ويحل يوسف محله ويتزوج زليخة. (عامر) والمغزى؟ (محمد) إن حب الله هو الحقيقة وهو الحياة. هكذا كان الشعر في تلك العصور، ما بين ألف وأربعمئة وألف وخمسمئة وعشرين، ليس زينة كلام فحسب، بل قوة تحرك السلاطين وتنقذ الأرواح وترفع النفوس نحو السماء. (عامر) شعراء وصفوا مفاتن الدنيا بأدق التفاصيل، ثم دعونا إلى تجاوزها نحو الجمال المطلق. (محمد) إنها قصة قديمة كما قال جامي نفسه. ولكن من ذا الذي يستطيع أن يركن إلى هذه المواعظ؟

  25. 26

    ألف عندليب في بلاط السلاطين

    # ألف عندليب في بلاط السلاطين هل تعلم أن اثني عشر سلطانًا عثمانيًا كانوا شعراء؟ نعم، سلاطين حكموا إمبراطورية تمتد من الفرات إلى الدانوب والنيل، وكانوا في الوقت نفسه ينظمون القصائد. سليم العبوس نفسه نظم قصائد من الشعر المقفى، وورث ابنه سليمان القانوني ديوانًا ملكيًا ضم قصائده المجموعة، مثلما ورث الإمبراطورية العظيمة. بل إنك لترى هؤلاء السلاطين والأمراء بين ألفين ومئتي شاعر عثماني طبقت شهرتهم الآفاق. فمن أين استمد هؤلاء الشعراء فنهم؟ اقتبس معظمهم من الفرس أشكال شعرهم وأفكاره، وفي بعض الأحيان لغته. وواصلوا في معين من القصيد لا ينضب تمجيد عظمة الله وحكمة الشاه أو السلطان. والعجيب أن هذا الشعر الذي لا يؤثر فينا اليوم شعرة بعدما غيرت الترجمة من طبيعته، كان يهز الأتراك إلى الأعماق، ويحفزهم إلى التقى والورع، وإلى الحرب أيضًا. ودعني أقص عليك حكايات ثلاثة من هؤلاء الشعراء. الأول هو أحمدي من سيواس المتوفى عام ألف وأربعمئة وثلاثة عشر، الذي نهل من الأستاذ الفارسي النظامي، وكتب ملحمة ضخمة اسمها إسكندرنامة، أي كتاب الإسكندر، لم تتناول قصة غزو الإسكندر للفرس فحسب، بل ضمت تاريخ الشرق الأدنى وديانته وعلومه وفلسفته من أقدم العصور. أما الثاني فقصته أغرب. إنه أحمد باشا المتوفى عام ألف وأربعمئة وستة وتسعين. ابتهج السلطان محمد الثاني بشعره حتى عينه وزيرًا له. ولكن الشاعر وقع في غرام خادم جميل من حاشية الإمبراطور، فأمر السلطان بإعدامه. فماذا فعل الشاعر؟ أرسل إلى مولاه قصيدة غنائية تفيض رقة، حتى إن محمدًا وهبه الغلام، ولكنه نفى الاثنين إلى بروسه. تأمل كيف أنقذت قصيدة واحدة حياة صاحبها من حبل المشنقة. والثالث هو نجاتي المتوفى عام ألف وخمسمئة وثمانية، وكان اسمه الحقيقي عيسى. احتال احتيالًا لطيفًا ليصل إلى السلطان، فنظم قصيدة في مدح محمد الثاني وربطها في عمامة صفي السلطان وزميله في لعبة الشطرنج. ودفع الفضول بمحمد الثاني إلى فض اللفيفة وقراءة القصيدة، فاستدعى ناظمها وعينه موظفًا في القصر الملكي. ومهما يكن من أمر، فإن فطاحل الشعر الإسلامي كانوا لا يزالون من الفرس. كان بلاط حسين بيقرة في هراة يعج بالعنادل المغردة، حتى إن وزيره مير علي شير شكا قائلًا: لو أنك مددت قدميك لرفست بهما ظهر شاعر. فرد عليه شاعر آخر بقوله: وكذلك تفعل أنت لو سحبتهما. وكان مير علي شير المتوفى عام ألف وخمسمئة وواحد راعيًا للأدب والفن وشاعرًا فحلًا، ومن فيض رعايته المستنيرة استمد العون المصور بهزاد، والشاعر الإسلامي الكبير في القرن الخامس عشر ملا نور الدين عبد الرحمن جامي المتوفى عام ألف وأربعمئة واثنين وتسعين. وجامي هذا كان عالمًا ومتصوفًا وشاعرًا في آن واحد. شرح الفكرة الصوفية القديمة، وهي أن الاتحاد البهيج بين النفس البشرية وبين الحبيب، وهو الله سبحانه وتعالى، لا يتأتى إلا إذا أيقنت النفس أن كل الأشياء في الدنيا أشباح تتلاشى في ضباب الفناء. وقصته سلمان وأبسال مجاز بديع، فيها أمير يستسلم لمغريات الحب الدنيوي ويهرب مع محبوبته إلى جزيرة مكسوة بالخضرة، ثم يؤنبه ضميره، فيحاول الاثنان الانتحار في محرقة، فتأتي النيران على أبسال ويخرج سلمان سالمًا لم يحترق، وقد تطهرت نفسه فيرث العرش. ويفسر جامي المجاز بأن الملك هو الله، وسلمان هو النفس البشرية، وأبسال هي نشوة الشهوة، أما المحرقة فهي نار تجربة الحياة التي تتلاشى فيها الرغبات الشهوانية. ثم تجاسر جامي فعالج من جديد موضوعات تناولها اثنا عشر شاعرًا قبله: يوسف وزليخة، وليلى والمجنون. وفي قصة زليخة تراها ترى يوسف في المنام فتقع في غرامه لأول ظهوره، ولكن أباها يزوجها من وزيره بوتيفار. ثم ترى يوسف رأي العين معروضًا للبيع في سوق الرقيق، فتشتريه وتغريه، ولكنه يرفض. ثم يموت الوزير ويحل يوسف محله ويتزوج زليخة. والمغزى؟ إن حب الله هو الحقيقة وهو الحياة. هكذا كان الشعر في تلك العصور، ما بين ألف وأربعمئة وألف وخمسمئة وعشرين، ليس زينة كلام فحسب، بل قوة تحرك السلاطين وتنقذ الأرواح وترفع النفوس نحو السماء. شعراء وصفوا مفاتن الدنيا بأدق التفاصيل، ثم دعونا إلى تجاوزها نحو الجمال المطلق. إنها قصة قديمة كما قال جامي نفسه. ولكن من ذا الذي يستطيع أن يركن إلى هذه المواعظ؟

  26. 25

    عندما كتبت حياة بالفرنسية — رسالة أشعلت معركة اللغة والهوية

    [عندما كتبت حياة بالفرنسية — قصة رسالة أثارت معركة اللغة والهوية] تخيّل معي هذا المشهد. رسالة أنيقة الشكل جميلة الخط تصل إلى بريد مجلة الرسالة. في رأسها كلمة المعادي وفي ذيلها توقيع باسم حياة. لكن المفارقة الصادمة أن هذه الرسالة المصرية الخالصة كانت مكتوبة بالفرنسية من أولها إلى آخرها. نحن في الأول من يونيو عام ألف وتسعمئة وثلاثة وثلاثين. والكاتب الكبير أحمد حسن الزيات يفتح هذا الكتاب فيتذكر بأسلوبه وإمضائه تلك المقالات الرقيقة التي كانت تتألق بالذكاء النسوي المصري في صدر جريدة الليبرتيه أيام كان يصدرها الأستاذ ليون كاسترو. فماذا قالت الآنسة حياة في رسالتها؟ وماذا كان رد الزيات؟ بدأت حياة رسالتها بموقف جريء لا يخلو من التحدي. قالت بوضوح إنها ما اعترفت منذ عرفت الرجل وسبرت قواه في مطالعاتها واختباراتها أن له من المزايا الفطرية ما يجعله قيّمًا على المرأة. بل ذهبت أبعد من ذلك فقالت إن من هوان نفسها عليها أن تقبل منه العطف لأنها ضعيفة أو اللطف لأنها امرأة. ثم وجهت سهامها نحو المجلة نفسها. صحيح أنها شغلت الصفحة الأولى من كتابها بتقريظ الرسالة وكتّابها. لكنها أعلنت أن مسألة المرأة لا تتعلق إلا بالنساء ولا يكون الحكم فيها إلا لهن. وأن دخول الرجل فيها ليس إلا أثرًا من اعتقاده القديم أن في يده زمام هذا الجنس المنكوب يرخيه ويشده على هواه. واسمع كيف صاغت فكرتها عن الحرية. قالت إن حرية المرأة كحرية الأمة سبيلها الفعل وحجتهما القوة. أما الدفاع بالقول والإقناع بالحق فأصوات مبهمة كزفيف الريح المحبوسة في مخارم الجبل لا تدل على الطريق ولا تساعد على الفرج. ثم جاء سؤالها الجارح للمجلة. إذا كان رأيك في المرأة هذا الرأي وعطفك عليها هذا العطف فلمَ حرمتها أن يكون لثقافتها مظهر في الرسالة بجانب ثقافة الرجل؟ حتى إنها قالت إن من يقرأ الرسالة في غير مصر يظنها تصدر عن بلاد كبلاد الأسطورة الصينية ليس فيها امرأة. فكيف رد الزيات على هذا الاتهام؟ بذكاء لافت. قرر ألا يخوض في حديث المرأة احترامًا لإرادة الآنسة نفسها التي رفضت أن يناقش رجل موضوعًا لا شأن له به. لكنه كشف الحقيقة المدهشة. المجلة فتحت الباب للنساء وانتظرت. فماذا وصلها بعد تسعة أعداد كاملة؟ كتابان اثنان فقط. أحدهما من حياة نفسها والآخر من آنسة تسمى عفيفة سيد من شارع الشيخة صباح في طنطا. وهنا تأتي المفارقة الأولى. كتاب حياة قبلته الرسالة موضوعًا ورفضته شكلًا. لماذا؟ لأنه مكتوب بالفرنسية الخالصة. وهنا انفجرت أسئلة الزيات الشهيرة. هل تظنين أن العربية تقل جمالًا في الفم الجميل والقلم المذهب عن الفرنسية؟ وهل تظنين أن جرس العربية يقل إمتاعًا في الصالون وإيقاعًا في النجوى عن جرس الفرنسية؟ وهل تعتقدين أن المصرية لا تكون حديثة النشأة ولا عصرية الثقافة إلا إذا كتبت بالفرنسية؟ ثم لمس الوتر الأكثر إيلامًا. أنتِ يا سيدتي تسمّين حياة وتشيرين في كتابك إلى حفظ القرآن وإقامة الصلاة. فكيف تسيئين بنفسك إلى كرامتك وبيدك إلى لسانك؟ وختم حكمه بعبارة قاسية. هذا كتابك وهو في رأيي محتاج إلى عفو الوطن. أما الكتاب الثاني فمفارقته من نوع آخر. جاء بالعربية هذه المرة. لكنه كان في نظر الزيات عبثًا طفليًا. فقد أرسلت صاحبته مقالة ترغب في نشرها تشجيعًا لها ولزميلاتها على الكتابة. وكان عنوان المقالة قبلة حية في رسالة. مقالة استنكرها الزيات أشد الاستنكار ووصف مضمونها بأن المتكلم فيها عاشق داعر والمخاطبة معشوقة هلوك. وختم الزيات بسؤاله لحياة. هل يروقك بعد ذلك أن تكون لثقافة المصرية في الرسالة هذا المظهر الأجنبي أو ذلك العبث الخلقي؟ فماذا نتعلم من هذه القصة التي مضى عليها قرابة قرن من الزمان؟ نتعلم أن معركة الهوية واللغة ليست وليدة اليوم. امرأة تطالب بحقها في التعبير. وكاتب يطالبها بأن يكون هذا التعبير بلسانها العربي لا بلسان أجنبي. الزيات لم يرفض صوت المرأة. بل رفض أن يأتي هذا الصوت مشوهًا بثقافة لا ترضاها الرسالة للفتاة كما قال. وبين مطلب الحرية ومطلب الأصالة يبقى السؤال معلقًا حتى يومنا هذا. هل يمكن أن نكون عصريين بألسنتنا نحن لا بألسنة غيرنا؟ سؤال طرحته رسالة أنيقة وصلت ذات يوم من عام ألف وتسعمئة وثلاثة وثلاثين. وما زلنا نبحث له عن جواب.

  27. 24

    في الصيف: حين اكتشف الناس قلب طه حسين

    [في الصيف — حين اكتشف الناس قلب طه حسين] هل تعرف أن الناس فوجئوا يوما بأن وراء عقل طه حسين المتمرد قلبا شاعرا؟ نعم فوجئوا. فقد كان عهدهم بهذا الرجل عالما غزير البحر، وباحثا جريء الرأي، وناقدا نافذ البصيرة، وجدليا دامغ الحجة. أما الكاتب الذي يستشف بالإلهام حجب الغيب، وينمق بالخيال صور الحقيقة، ويحيي بالعاطفة خمود الفكرة، فقد ظل مغمورا. مغمورا خلف صورة الأديب الذي يبحث في ضوء العقل، والأستاذ الذي يدرس في حدود العلم. في الأول من مارس عام ألف وتسعمئة وثلاثة وثلاثين، كتب أحمد حسن الزيات في مجلة الرسالة مقالة عن كتاب طه حسين الجديد "في الصيف". وفيها يروي لنا كيف تكشفت هذه الملكة المجهولة في ذلك الذهن العجيب. يقول الزيات إن هذا الجانب من طه حسين لم يكد يظهر إلا في صفحات من "ذكرى أبي العلاء" نسي فيها المعري وذكر نفسه، وفي مقالات نشرت في "السفور" صور فيها عواطفه وحسه. ثم جاءت "الأيام". وهنا كانت المفاجأة. عجب الناس أن يكون وراء هذا العقل المتمرد هذا القلب الشاعر، وأقبلوا في دهشة يتعرفون إلى طه التلميذ والأخ والزوج والوالد. فوجدوا من اللذة في أحاديثه أمثال ما وجدوا من الفائدة في بحوثه. ثم جاء كتاب "في الصيف" قاطعا في الدلالة على بلوغ هذه الشخصية الأدبية الغاية في كل ناحية من نواحي الأدب. حتى إن أديبا كبيرا قرأ الكتاب فطلب إلى طه في شيء من الدعابة أن يترك العلم إلى القصص. وأنت حين تقرأ له في الأدب الجاهلي تقول هذا اختصاصه وتلك مادته. وأبلغ آيات العبقرية كما يقول الزيات أن تكون في كل مادة أصيلة، وفي كل موضوع سامية، وفي كل غاية مبرزة. لكن ما طبيعة هذا الكتاب؟ يصفه الزيات بأن طه قصصي من طراز خاص. فالكتاب طوائف شتى من الذكريات والتأملات والملاحظات انثالت في وقت الفراغ على ذهن شديد النفاذ، وفكر دقيق الملاحظة، وشعور صادق الحس، ثم ألف بينها خيال فيه لذة وفيه عقل، وأبان عنها أسلوب كأسلوب الحديث فيه طلاوة وفيه فضل. وهنا يصف الزيات تجربة القراءة وصفا بديعا. تقرأ قليلا وإذا بك متصل بالكتاب، مغمور بشعوره، مسحور بحديثه، مشغول بتفكيره. فأنت منه كما تكون من البحر الداوي لا تدري بماذا استولى على مشاعرك. أبجلاله أم بجماله أم بسعته أم بروعته أم بكل أولئك جميعا؟ ثم تفرغ من القراءة وتعود إلى نفسك فتقول ربما عشت مثل هذه التجارب ورأيت مثل هذه الصور. ولكنها كلها جفت في خيالك كما يجف نمير الماء في العود الذابل، وماتت في خاطرك كما يموت رنين الصوت في الصخر الأصم. أما هي في هذا الكتاب فأزهى ما تكون في خيال. ذلك إذن هو الفن الذي يخص الله به إنسانا دون إنسان. وفي "في الصيف" لا يروعك الحادث، ولا تدهشك المفاجأة، ولا تفتنك الصنعة. وإنما يأخذ بلبك منه الصدق في تصوير الفكرة، والحذق في نقل الشعور. نفس تشتد في المجتمع حتى تشتط، وترق في الأسرة حتى تضعف. وروح تحلق فوق الأحداث متمردة، وتخفض الجناح لأهواء الطفلين الحبيبين حانية. أما الأسلوب فيصفه الزيات بأنه تفصيل في غير إملال، وبساطة في غير ابتذال، وتدفق في غير كدورة، وجدة في غير عجمة. مذهب جديد كثر في ناشئة الكتاب من يحاول الجري عليه. وفي الكتاب صفحة ضاقت بما يضيق به القلب الصديق، نشرتها ظروف وستطويها ظروف. وفيه صفحات من ذكريات الأزهر وأحاديث إخوان الصفا من طلابه، لن يتذوق جمالها إلا من حيي هذه الحياة وشعر هذا الشعور. وفيه صفحات خالدات لن تجد كثيرا من أمثالها في الأدب العالمي، تلك ما كتب عن فرنسا عامة وعن الألزاس خاصة. في النهاية يقول الزيات إن التحليل والتمثيل لن يغنياك عن قراءة الكتاب شيئا. وإن خير ما يسر به الإنسان نفسه أن يغيب عن دنياه في دنيا هذا الكتاب ساعة أو ساعتين. فهل هناك دعوة للقراءة أجمل من هذه؟ عالم كبير اكتشف الناس فيه فنانا. وفنان أثبت أن العقل والقلب يمكن أن يسكنا ذهنا واحدا عجيبا.

  28. 23

    كاترين العظيمة: إمبراطورة التنوير التي استعبدت الملايين

    [كاترين العظيمة: الإمبراطورة التي حرّرت التجارة واستعبدت الملايين] تخيّل معي هذا التناقض الغريب. إمبراطورة تعلن عن جائزة من ألف دوقاتية لأفضل مقال عن تحرير الأقنان. وفي الوقت نفسه تُحوّل بيديها أكثر من ثمانمائة ألف فلاح حر إلى عبيد للأرض. كيف يجتمع هذان النقيضان في حاكمة واحدة؟ هذه هي قصة كاترين العظيمة وروسيا الممزقة بين الحلم والواقع. بدأت القصة عام ألف وسبعمائة وخمسة وستين. أصدرت كاترين قانونًا يقضي بإجراء مسح شامل لجميع أراضي روسيا. لكن الملّاك قاوموا بشدة. وحين انتهى عهدها لم يكن المسح قد شمل سوى عشرين إقليمًا من خمسين. بل إنه لم يستكمل حتى منتصف القرن التاسع عشر. وبينما كان المسح جاريًا أدركت الإمبراطورة حقيقة مثبطة للهمم. اقتصاد روسيا كله يقوم على نظام قوامه السادة والأقنان. فماذا فعلت؟ في عام ألف وسبعمائة وستة وستين أعلنت عن جائزتها الشهيرة لأفضل مقال عن تحرير الأقنان. وفاز بها بيارديه من إكس لا شابل الذي رأى أن العالم كله يطالب الملوك بتحرير الفلاحين. وتنبأ بأن الإنتاج الزراعي سيزداد زيادة هائلة إذا ملك الفلاحون الأرض التي يزرعونها. لكن النبلاء حذّروها. قالوا إن الفلاح سيهجر القرى إلى المدن إن لم يُربط بالأرض وبسيده. وستعم الفوضى ويتمزق الاقتصاد. وكانت كاترين تعرف جيدًا أن النبلاء يملكون المال والسلاح اللذين يستطيعان الإطاحة بها. ومع ذلك خطت خطوات نحو العتق. جدّدت مرسوم بطرس الثالث الذي حرّم شراء الأقنان لتشغيلهم في المصانع. وحرّمت القنية في المدن التي أنشأتها. وأعتقت الأقنان المشتغلين على أراضي الكنيسة نظير رسم صغير. لكن هل تعرف ما الذي طغى على كل هذه التحسينات؟ منحها المتكررة من أراضي الدولة لمن أخلصوا لها من القواد ورجال الدولة والعشاق. وهكذا أصبح أكثر من ثمانمائة ألف فلاح حر أقنانًا. وارتفعت نسبة الأقنان في سكان الريف من اثنين وخمسين وأربعة أعشار في المائة إلى خمسة وخمسين ونصف في المائة. ثم جاءت خطابات الامتياز للنبلاء عام ألف وسبعمائة وخمسة وثمانين لتُكمل استسلامها. أعفتهم من ضريبة الرؤوس والعقوبة البدنية والخدمة العسكرية. وحظرت على الملّاك أن يكونوا طغاة. لكنها أبطلت هذا الحظر بمنع الأقنان من إرسال شكاواهم إليها. فماذا يفعل من أُخمد صوته؟ لجأ الفلاحون إلى الفرار والتمرد والاغتيال. قُتل ثلاثون من السادة الإقطاعيين بأيدي فلاحيهم بين عامي ألف وسبعمائة وستين وتسعة وستين. واندلعت خمسون فتنة. ثم ظهر الرجل الذي حوّل السخط نظامًا. إمليان بوجاشيف. قوزاقي من إقليم الدون حارب ضد البروسيين والأتراك ثم فرّ من الجيش. وفي نوفمبر ألف وسبعمائة واثنين وسبعين أعلن أنه بطرس الثالث الناجي بأعجوبة من محاولات قتله. وفي سبتمبر ألف وسبعمائة وثلاثة وسبعين جاهر بعصيان الغاصبة كاترين. توافد عليه قوزاق الأورال والفولجا والدون والمحكوم عليهم بالسخرة في المناجم والمؤمنون القدامى وقبائل التتار والقرغيز والبشكير. عشرون ألف رجل تحت إمرته. استولوا على مدن هامة مثل قازان وساراتوف وزحفوا صوب موسكو. سخرت كاترين أول الأمر من هذا المركيز بوجاشيف. لكنها حين علمت بسقوط قازان جرّدت قوة كبيرة بقيادة الجنرال بانين. وانضم إليه الجنرال سوفوروف بفرسانه بعد الصلح مع الأتراك. وتقهقر العصاة واستنفدوا مؤنهم وبدأوا يتضورون جوعًا. ثم خان بعض زعمائه بوجاشيف وسلّموه للمنتصرين. جيء به إلى موسكو في قفص من حديد. وحوكم في الكرملين. وقُطع رأسه ومُزّق جسده أرباعًا وعُرض رأسه على عمود ليكون عبرة لغيره. لكن كاترين لم تكن رهينة النبلاء تمامًا. فقد أيّدت نمو طبقة رجال المال والأعمال. أقرّت حرية التجارة في المحاصيل الزراعية. وزادت المصانع من تسعمائة وأربعة وثمانين إلى ثلاثة آلاف ومائة وواحد وستين في عهدها. وعقدت معاهدات تجارية مع إنجلترا وبولندا والدنمارك وتركيا والنمسا وفرنسا. ونمت التجارة الخارجية من واحد وعشرين مليون روبل إلى ستة وتسعين مليونًا. لكن للحروب ثمنها. اقترضت مائة وثلاثين مليون روبل لتمويل حملاتها على تركيا. وفقد الروبل اثنين وثلاثين في المائة من قيمته. وهكذا تنتهي قصتنا حيث بدأت. عند التناقض. إمبراطورة حلمت بالتحرير ثم استسلمت لمن يملكون السلاح والمال. مدّت حدود روسيا إلى البحر الأسود لكنها تركت عشرين مليون قن خلفها. فهل كانت كاترين أسيرة عرشها أكثر مما كان الفلاحون أسرى أرضهم؟ سؤال يستحق أن تتأمله. إلى اللقاء في حلقة قادمة.

  29. 22

    جيتو دي بندوني.. الفنان الذي رسم ما رآه فوُلدت النهضة من قلب الفوضى

    [جيتو دي بندوني.. الفنان الذي رسم ما رآه فغيّر وجه أوروبا] تخيّل مدينة تمزقها الحروب الأهلية والانتقامات الحزبية.. مدينة تُحرق فيها البيوت وتُصادر الأملاك ويُنفى الزعماء. هل تتوقع أن تُولد من هذا الجنون واحدة من أعظم لحظات الجمال في تاريخ البشرية؟ هذا بالضبط ما حدث في فلورنس. مدينة نكدة صارمة في الصناعة والسياسة.. لكنها خصصت ثروتها لخلق الجمال. مرحبًا بك في رحلة إلى قلب النهضة الإيطالية. في أيام شباب بترارك كانت النهضة في أوج مجدها. كان أهل فلورنس منقسمين على أنفسهم تفرق بينهم حرب الطوائف.. وكانت كل طائفة منقسمة إلى أحزاب لا ترحم إذا انتصرت ولا تسكت عن الانتقام إذا هُزمت. ومع ذلك.. كان هؤلاء الناس أنفسهم ينفقون أموالهم على رصف الشوارع وتشييد الكنائس والمستشفيات والمدارس. كان لديهم شعور بالجمال لا يقل قوة عن شعور اليونان الأقدمين. وكان الخزف الفلورنسي أرقى أنواع الخزف الأوروبي في ذلك العهد. وفي هذا الجو المشتعل ظهر رجل حمل لواء المصورين في القرن الرابع عشر.. كما حمل بترارك لواء الشعر في القرن نفسه. إنه جيتو دي بندوني. فنان متعدد المواهب بشكل مذهل.. مصور ومثّال ومهندس معماري ورأسمالي وخبير بأحوال العالم. سار في الحياة واثقًا من نفسه ينثر روائع فنه في فلورنس وروما وأسيسي ونابلي وميلان وغيرها من المدن. لكن ما الذي جعل جيتو استثنائيًا؟ الجواب في كلمات ليوناردو دافنتشي نفسه حين قال.. لقد ظهر جيتو وصوّر ما رآه. جملة بسيطة.. لكنها تلخص ثورة كاملة. فقبل جيتو كان الفن الإيطالي أسير الجمود البيزنطي.. أشكال متكررة بلا حياة. أما جيتو فحوّل عنايته إلى ملامح الأحياء من الرجال والنساء ومشاعرهم. وباختصار.. اختفى الجمود البيزنطي من الفن الإيطالي. انتقل جيتو إلى بدوا وقضى ثلاث سنوات يرسم على الجص تلك الرسوم الذائعة الصيت في كنيسة أرينا. ولعله التقى هناك بدانتي نفسه.. فقد وصفه فاساري بأنه الرفيق الصادق الصدوق لجيتو. وفي عام ألف وثلاثمائة وثمانية عشر كلفته أسرتان من رجال المصارف.. أسرة باردي وأسرة بيرتسي.. بأن يرسم قصص القديسين في كنيسة سانتا كروتشي في فلورنس. وهل تصدق أن هذه الرسوم غُطيت بالجير فيما بعد.. ولم يُكشف عنها إلا في عام ألف وثمانمائة وثلاثة وخمسين؟ وفي عام ألف وثلاثمائة وأربعة وثلاثين وافق أمير فلورنس على تخطيط جيتو لبرج يحمل أجراس الكنيسة. وصدر مرسوم تتمثل فيه روح العصر كلها.. جاء فيه أن البرج يجب أن يشاد بحيث يسمو في فخامته وارتفاعه ودقة صنعه على كل شيء من نوعه أبدعه في الزمن القديم اليونان والرومان في أوج مجدهم. يا له من طموح. لكن دعنا نكون منصفين. لم يكن جيتو كاملًا. فرسمه وصياغته ومراعاته لفن المنظور وعلمه بالتشريح.. كل هذا كان ناقصًا معيبًا. ففي أيامه كان تصوير الجسم البشري عاريًا يجلل صاحبه بالعار. فما الذي يجعل أعماله إذن من معالم تاريخ الفن؟ إنه التأليف المتزن.. والمهابة المستمدة من الحركة الهادئة.. والتلوين الرقيق المتألق.. وتلك النزعة الطبيعية في تصوير الرجال والنساء والأطفال كما شاهدهم وأحس بهم وهم يتحركون في الحياة. وامتد أثره بعد موته. فقد ظل فن فلورنس مائة عام كاملة يستمد من أعماله حياته وإلهامه. وجاء جيلان من الفنانين ساروا على نهجه. تلميذه تديو جدي أصبح حامل لواء المصورين الفلورنسيين عام ألف وثلاثمائة وسبعة وأربعين.. ومع ذلك ظل يوقّع أعماله بعبارة.. تلميذ جيتو الأستاذ الجليل.. تكريمًا لذكرى أستاذه. أي وفاء هذا؟ وهكذا نعود إلى المفارقة التي بدأنا بها. مدينة غارقة في النزاع والاضطراب.. شوارع ضيقة تعج بالتجار والصناع والشعب الثائر السريع الاهتياج. ومع ذلك.. كما يقول النص بعبارة خالدة.. في جنون هذه العناصر وُلدت النهضة. ربما يكون هذا هو الدرس الأعمق.. أن الجمال العظيم لا يولد دائمًا من الهدوء.. بل أحيانًا من قلب الفوضى نفسها. حين يقرر إنسان واحد أن يرى العالم بعينيه.. ويصوّر ما رآه.

  30. 21

    انكساغوراس... الرجل الذي رأى الشمس حجارة محترقة فحكمت عليه أثينا بالإعدام

    [انكساغوراس... الرجل الذي فتح رأس كبش فأغضب مدينة بأكملها] تخيل معي هذا المشهد. رجل يقف أمام حشد من الأثينيين، وبين يديه كبش غريب له قرن واحد في وسط جبهته. العرافون يصرخون: هذا نذير من نذر الآلهة! لكن هذا الرجل يفعل شيئا لم يتوقعه أحد... يأمر بفتح رأس الحيوان، ويُري الحاضرين أن مخ الكبش نما في مقدمة الجبهة بدل أن يملأ جانبي الجمجمة، فنشأ من ذلك القرن الوحيد. لا آلهة هنا... مجرد علة طبيعية. هذا الرجل هو انكساغوراس. والمدينة التي صدمها بالعلم... ستحكم عليه لاحقا بالإعدام. لكن كيف وصلنا إلى هذه اللحظة؟ في مفارقة عجيبة، حرّمت الشرائع الأثينية دراسة علم الفلك في الوقت الذي بلغ فيه عصر بركليز أعلى درجاته. نعم، سمعت صحيحا... المدينة التي نعتبرها منارة الحضارة كانت تحرّم النظر إلى السماء بعين العالم. ومع ذلك، كان القرن الخامس في المستعمرات اليونانية عصر تطور علمي عجيب، في زمن يكاد يكون خاليا من الآلات العلمية. فقد أعلن انبادوقليس أن الضوء يستغرق بعض الوقت في انتقاله من نقطة إلى أخرى. وأعلن بارمنيدس أن الأرض كروية الشكل. بل إن فيلولاوس الفيثاغوري خلع الأرض عن عرشها في مركز الكون، وأنزلها منزلة كوكب من كواكب كثيرة تطوف حول نار تتوسطها جميعا. وفي وسط هذا الحراك، أقبل انكساغوراس على أثينة من كلزميني حوالي عام أربعمائة وثمانين قبل الميلاد، وهو في الخامسة والعشرين من عمره. وحين سأله بعضهم عن الغرض من الحياة، أجاب: البحث عن حقيقة الشمس والقمر والسماء. أهمل الثروة التي خلفها له والده، وحلت به الفاقة، بينما كان كتابه في الطبيعة يُعد أعظم الكتب العلمية التي ظهرت في ذلك القرن. فماذا قال في هذا الكتاب؟ قال إن العالم كان في بادئ الأمر فوضى مكونة من بذور مختلفة الأنواع، يسري فيها عقل أصدر أمره إلى هذه البذور فبعث فيها دوامة رحوية. وقال إن الشمس والنجوم كتلة من صخور حمراء متوهجة أكبر من البلوبونيز مرارا كثيرة. وإن القمر جسم صلب في سطحه سهول وجبال وأخاديد، يستمد ضوءه من الشمس. بل فسّر الخسوف والكسوف تفسيرا علميا صحيحا... يخسف القمر إذا توسطت الأرض بينه وبين الشمس، وتكسف الشمس إذا توسط القمر بينها وبين الأرض. وذهب أبعد من ذلك... فربما كانت بعض الأجرام السماوية مسكونة، عليها أناس يسكنون المدن ويزرعون الأرض كما نزرعها نحن. وقال إن الإنسان تطور أكثر من سائر الحيوانات لأن قامته المعتدلة أطلقت يديه فاستطاع بهما أن يمسك الأشياء. أدركت الآن لماذا وُصف بأنه كوبرنيق ذلك العصر ودارونه معا؟ لكن أثينة لم تحتمل. فحين لم يجد كليون، الذي كان ينافس بركليز في زعامة الشعب، وسيلة أخرى يُضعف بها خصمه، اتهم انكساغوراس بالإلحاد... لأنه وصف الشمس، وكانت لا تزال في نظر الشعب إلها من الآلهة، بأنها كتلة من الحجارة المحترقة. وأُدين انكساغوراس رغم دفاع بركليز المجيد عنه. ولم يكن راغبا في تعاطي عصير الشوكران السام، ففر إلى لمبسكوس على مضيق الهلسبنت، يكسب عيشه بتدريس الفلسفة. ولما بلغه أن الأثينيين حكموا عليه بالإعدام، قال كلمته الخالدة: لقد قضت الطبيعة عليهم وعليّ بهذا الحكم من زمن بعيد. ومات بعد بضع سنين في الثالثة والسبعين من عمره. وهل تعلم أن تخلف الأثينيين في الفلك كان واضحا حتى في تقويمهم؟ لم يكن لليونان تقويم عام، بل لكل دولة تقويمها الخاص، وحتى أسماء الشهور كانت تتغير من دويلة إلى أخرى. وبطرق ملتوية لا يكاد يدركها العقل، من زيادة شهر كل سنتين وحذف شهر كل ثماني سنين، وصلوا آخر الأمر إلى احتساب السنة ثلاثمائة وخمسة وستين يوما وربع يوم. في النهاية، تبقى قصة انكساغوراس درسا خالدا... رجل فسّر فيضان النيل بذوبان جليد الحبشة وأمطارها، وقرأ في رأس كبش قانونا طبيعيا حيث رأى الآخرون نذير آلهة. مدينة عظيمة حاكمت عالِما لأنه نظر إلى الشمس فرأى حجارة محترقة بدل إله. فاسأل نفسك... كم من الحقائق حولنا اليوم نرفضها لمجرد أنها تصدم ما ألفناه؟ ربما كانت الطبيعة، كما قال انكساغوراس، قد قضت بحكمها من زمن بعيد... وما علينا إلا أن نملك الشجاعة لنراه.

  31. 20

    وجهان لأمة واحدة: إنجلترا بين التزمت والتحلل

    [إنجلترا في القرن الثامن عشر — وجهان لأمة واحدة] هل تصدق أن أمة واحدة يمكن أن تعيش بنظامين أخلاقيين متناقضين في الوقت نفسه؟ هذا بالضبط ما قاله آدم سمث عن إنجلترا في القرن الثامن عشر. ففي كل مجتمع رسخ فيه التمييز بين مراتب الناس، كان هناك دائما مخططان للأخلاق ساريان معا. الأول صارم متزمت تعجب به عامة الشعب، والثاني متحرر أو متحلل يعتنقه من يسمون المجتمع العصري. رحلتنا اليوم إلى قلب هذا التناقض المذهل. استمع إلى جون وسلي وهو يصف الأخلاق الإنجليزية عام سبعة وخمسين وسبعمائة وألف. قال إنها خليط من التهريب والأيمان الكاذبة والفساد السياسي والسكر والقمار والغش في المعاملات. صورة قاتمة أليس كذلك؟ لكن الواقع كان أكثر غرابة مما تتخيل. فقد ساد يومها معيار أخلاقي مزدوج صارخ. مئات المواخير كانت ترفه عن الرجال، بينما هؤلاء الرجال أنفسهم كانوا يسمون انعدام العفة في المرأة جريمة لا يكفر عنها غير الموت. حتى جولدسمث الرقيق كتب أن المرأة الجميلة إذا أتت الحماقة فلا حيلة تمحو ذنبها إلا الموت. وقال جونسون عام ثمانية وستين وسبعمائة وألف إن المرأة التي تحنث بعهود الزواج أشد إجراما من الرجل الحانث بعهوده، وإنه لن يستقبل في بيته ابنة له هربت من زوجها لهذا السبب. أما الطلاق؟ فكان ترف الأغنياء وحدهم، لا سبيل إليه إلا بقانون برلماني يكلف آلاف الجنيهات. ولك أن تعلم أنه في الفترة من ألف وستمائة وسبعين إلى ألف وثمانمائة، لم يسجل غير مائة واثنين وثلاثين إذنا بالطلاق فقط. لكن أبشع من كل هذا كانت وصمة أخرى في جبين تلك الحقبة. تجارة الرقيق. كان التجار يبحرون من لفربول وبرستل ولندن إلى أفريقيا، يشترون الزنوج ويقتنصونهم، ويشحنونهم إلى جزر الهند الغربية، ثم يعودون بشحنات رابحة من السكر والتبغ والروم. وبحلول عام ستة وسبعين وسبعمائة وألف، كان التجار الإنجليز قد حملوا إلى أمريكا ثلاثة ملايين من العبيد. ثلاثة ملايين إنسان. ويضاف إليهم ربع مليون ماتوا في الرحلة وقذف بهم في البحر. والأدهى أن الحكومة نفسها كانت تحمي هذه التجارة وتمنح إعانة سنوية قدرها عشرة آلاف جنيه لدعم قلاع الشركات في أفريقيا. ومع ذلك، بدأ ضمير إنجلترا يتنبه ببطء. ففي عام اثنين وسبعين وسبعمائة وألف قضت محكمة إنجليزية بأن العبد يصبح حرا تلقائيا في اللحظة التي يطأ فيها أرض إنجلترا. وندد بالتجارة ألمع العقول، من دانيال ديفو إلى آدم سمث وصموئيل جونسون وإدموند بيرك. وكانت طائفة الكويكرز أول من نظم المعارضة، فحرموا من عضويتهم كل مشتغل بهذه التجارة عام واحد وستين وسبعمائة وألف. ثم بدأ وليم ولبرفورس عام تسعة وثمانين وسبعمائة وألف حملته الطويلة في مجلس العموم. وظل التجار يقنعون المجلس بتأجيل مشروعه المرة بعد المرة، حتى صدر القانون أخيرا عام سبعة وثمانمائة وألف محرما حمل العبيد من الممتلكات البريطانية. أما الفساد السياسي فكان في الحضيض. حتى إن فرانكلين أسف على نشوب الحرب الأمريكية لسبب غريب. قال لو أعطاه المستعمرون ربع المال الذي أنفقوه على الحرب لحصلوا على استقلالهم دون أن يريقوا قطرة دم. قال كنت أشتري البرلمان كله وحكومة بريطانيا بأسرها. ورغم كل هذا، كان للإنجليز صفة أساسية لافتة. النشاط الشديد والعافية العارمة. فمن هذه العافية انبثقت روح المرح، والقدرة على المعاناة في صمت، ومفاخرة كل إنجليزي بأن بيته قلعته التي لا تقتحم إلا بمقتضى القانون. ولاحظت مدام دوفان أن الإنجليز كلهم شخصيات متفردة، لا تجد منهم اثنين على شاكلة واحدة. ووافقها هوراس ولبول قائلا إنه ما من بلد آخر ينجب هذا العدد الكبير من الشخصيات المنفردة المتميزة. فتأمل معي هذه المفارقة. أمة جمعت بين قسوة تجارة الرقيق وضمير أنهاها، بين الفساد السياسي والولع بالحرية، بين التزمت والتحلل. وحين هزمت إنجلترا في ذلك العصر، من هزمها؟ الإنجليز أنفسهم الذين ازدرعوا في أمريكا ذلك الولع الإنجليزي بالحرية. لقد كانت سلالتهم سلالة قوية حقا، بكل تناقضاتها. وربما هذا هو الدرس الأعمق. أن الأمم لا تكون خيرا خالصا ولا شرا خالصا، بل نسيجا معقدا من الاثنين معا.

  32. 19

    سر الجمال الأول: كيف اخترع الإنسان البدائي الفن؟

    # سر الجمال الأول: كيف اخترع الإنسان البدائي الفن؟ تخيّل معي رجلاً بدائياً يقطع رحلات بعيدة محفوفة بالخطر. لماذا؟ ليس بحثاً عن الطعام ولا هرباً من عدو. بل ليحصل على أصباغ ملونة يجمّل بها جسده. نعم. قبل خمسين ألف سنة كان الفن قد بدأ رحلته مع الإنسان. ولا يزال الناس حتى اليوم يتنازعون على تحديد مصادره. فما الجمال أصلاً؟ ولماذا نُفتن به؟ يجيب النص الذي بين أيدينا إجابة مدهشة. الشيء لا يمتعنا لأنه جميل. بل نحن نسميه جميلاً لأنه يمتعنا. فالطعام جميل في عين الجائع. وكل ما يشبع رغبة عند الإنسان يبدو لعينيه جميلاً. ومن هنا يبدأ الفن من تمجيد الإنسان لجسمه. ففي أعماق قلوبنا لسنا نرى شيئاً أجمل من أشكالنا. لكن انتظر. هل كان إحساس البدائي بالجمال يشبه إحساسنا؟ إليك هذه المفارقة العجيبة. حين سُئل رئيس قبيلة من الهنود أي زوجاته أروع جمالاً اعتذر عن الجواب لأنه لم يفكر قط في هذا الموضوع. وفي أرجاء أفريقية كلها كانت أجمل النساء هي المرأة السمينة. حتى قال منجوبارك عن نيجيريا إن لفظتي السمنة والجمال تكادان تكونان مترادفتين. بل إن المرأة التي تبلغ الجمال الكامل هي من ساوت بوزنها حمل الجمل ولا تستطيع المشي إلا بعبدين يسندانها من الجانبين. والمفاجأة الأكبر؟ الذكر لا الأنثى في الشعوب الساذجة هو الذي كان يتزين. تماماً كما في عالم الحيوان. ففي أستراليا كان التزين يكاد يكون كله احتكاراً للرجل. وفي بعض القبائل كان تجميل الجسم يستنفد وقتاً أكثر مما تستهلكه أية مهمة أخرى من مهام النهار. ومن صبغ الجسم انتقل الإنسان إلى ما هو أدوم. الوشم والوصم والثياب. فلما عزت عليهم الثياب ووسائل الزينة زينوا جلودهم كما قال ثيوفيل جوتييه. وهنا مفارقة أخرى تستحق التأمل. الثياب نفسها لم تبدأ ستراً للعورة ولا وقاية من البرد. بل بدأت ضرباً من الزينة. فحين أشفق دارون على الفويجيين من عريهم وأعطى أحدهم قطعة قماش حمراء ليتقي بها البرد مزقها الرجل أشرطة ووزعها على زملائه للزينة. أليس هذا مذهلاً؟ إن كل شيء في تغير إلا المرأة والرجل. ثم انتقل حب التجميل من الجسم إلى الأشياء. وهنا وُلد الفن بمعناه الحقيقي. فالفن يبدأ حين يبدأ الناس في تجميل الأشياء. ولعل أول ما تعلق به فن التجميل هو الخزف. والعجيب أن النساء البدائيات قبل اختراع عجلة الخزاف استطعن أن يرتفعن بهذه الصناعة إلى مرحلة الفن. ومن الخزف وُلد التصوير حين زخرف الخزاف أوانيه بالألوان. ومنه أيضاً وُلد النحت. وعلى قبور الموتى أقام سكان جزيرة إيستر تماثيل هائلة يبلغ ارتفاع بعضها ستين قدماً. بل إن العمارة نفسها اتجهت إلى المقابر قبل الدور. لماذا؟ لأن الموتى عند البدائيين كانوا أهم وأقوى من الأحياء. والموتى مستقرون في مكان واحد بينما الأحياء يتجولون. وقبل النحت والبناء بزمن طويل وجد الإنسان لذة في الإيقاع. فطوّر صياح الحيوان وتغريده حتى جعل منه غناءً ورقصاً. وربما أنشد مثل الحيوان قبل أن يتعلم الكلام. ولن تجد فناً يميز البدائيين ويعبر عن نفوسهم كما يميزهم الرقص. ومن الرقص نشأ العزف الموسيقي. ومن وتر القوس قديماً نشأت عشرات الآلات وصولاً إلى الكمان والبيان الحديثين. ومن الموسيقى والغناء والرقص مجتمعة خلق لنا الهمجي المسرحية والأوبرا. فقد كانت قبائل أستراليا الشمالية الغربية تمثل مسرحية الموت والبعث. يهبط الراقصون إلى الأرض في حركة بطيئة ويغطون وجوههم بالغصون تمثيلاً للموت. ثم ينهضون نهوضاً مباغتاً يعلنون بعث الروح. فماذا نستخلص من هذا كله؟ إن البدائيين السابقين لعصر الحضارة خلقوا لنا صور الحضارة وأسسها. فكل عنصر من عناصر المدنية وُضعت أصوله في تلك المرحلة إلا عنصرين اثنين هما الكتابة والدولة. الاقتصاد والقانون والأخلاق والدين واللغة والطب والفن. كلها بدأت هناك. فبغير هؤلاء الهمج وما أنفقوه من مائة ألف عام في تجريب وتحسس لما كُتب للمدنية النهوض. نحن مدينون لهم بكل شيء تقريباً. كما يرث اليافع المحظوظ سبيله إلى الثقافة والأمن والدعة من أسلاف أميين ورثوه ما ورثوه بكدحهم الطويل. فحين تنظر اليوم إلى لوحة أو تستمع إلى موسيقى تذكّر أن وراء كل هذا الجمال رجلاً بدائياً حمل أصباغه ذات يوم وقرر أن يكون جميلاً.

  33. 18

    سبعة ملايين متسول: كيف أشعل الفلاحون نار الثورة الفرنسية

    [سبعة ملايين متسول: كيف أشعل الفلاحون نار الثورة الفرنسية] سبعة ملايين رجل يتسولون في فرنسا واثنا عشر مليونا يعجزون عن التصدق. هكذا وصف شامفور حال البلاد قبيل الثورة. تخيل معي بلدا يملك فيه النبلاء ورجال الدين والملك خمسة وخمسين في المائة من الأرض بينما يتضور من يزرعها جوعا. كيف تحول هؤلاء الفلاحون الجائعون إلى قوة أنهت نظاما بأكمله؟ هذه هي قصتنا اليوم. لنبدأ من الأرض نفسها. كان أكثر العمل الزراعي في أراضي النبلاء والكنيسة والملك يؤديه محاصصون يأخذون المواشي والأدوات من المالك ويدفعون له نصف المحصول عادة. وكان هؤلاء المحاصصون فقراء معدمين حتى إن الرحالة الإنجليزي آرثر ينج حكم على هذا النظام بأنه لعنة البلاد بأسرها وخرابها. والسبب لم يكن قسوة الملاك بقدر ما كان ضعف الحوافز. فمن يعمل بجد وهو يعلم أن نصف تعبه سيذهب لغيره؟ أما الملاك الفلاحون الذين زرعوا خمسة وأربعين في المائة من الأرض فقد قضى عليهم بالفقر صغر مساحة أراضيهم. ستون في المائة منهم كانوا يملكون أقل من خمسة هكتارات أي نحو ثلاثة عشر فدانا وهي المساحة اللازمة لإعاشة الأسرة. فاضطر الرجال للعمل أجراء على المزارع الكبيرة. وهنا تكمن مأساة الأرقام. ارتفعت أجور عمال المزارع اثني عشر في المائة بين عامي ألف وسبعمائة وواحد وسبعين وألف وسبعمائة وتسعة وثمانين. لكن الأسعار ارتفعت في الفترة ذاتها خمسة وستين في المائة أو أكثر. فازداد الأجراء فقرا رغم ارتفاع الإنتاج الزراعي خلال حكم لويس السادس عشر. وتشكلت بروليتاريا ريفية كانت في فترات الركود معملا يفرخ حشودا من المتسولين والمتشردين. لكن هل كان الفقر شاملا كل مكان؟ الحقيقة أن الصورة كانت متفاوتة. فقد وجد آرثر ينج مناطق يعمها الفقر والتوحش والقذارة كما في بريتاني ومناطق فيها الثراء والكبرياء كما في بيارن. ولعل الرحالة بالغوا في وصف الفقر لأنهم رأوا الأحوال الظاهرة فقط ولم يروا العملة والسلع المخبأة هربا من عين مقدر الضريبة. وعموما لم يكن الفقر في ريف فرنسا عام ألف وسبعمائة وتسعة وثمانين مدقعا كما في أيرلندا لكنه كان أسوأ منه في إنجلترا. ثم جاءت الضربة القاصمة. القحط والمجاعة في عامي ألف وسبعمائة وثمانية وثمانين وتسعة وثمانين حيث بلغت معاناة الفلاحين لا سيما في جنوبي فرنسا مبلغا لم ينج فيه نصف السكان من التضور جوعا إلا بفضل الصدقات التي وزعتها الحكومة والكهنة. وفوق كل هذا كانت الأعباء تنهال على كاهل الفلاح من كل جهة. ضريبة التاي أي ضريبة الأرض وقعت عليه كلها تقريبا. وهو من قدم كل الرجال اللازمين لمشاة الجيش أو جلهم. وتحمل عبء احتكار الحكومة للملح. وكان الفضل لجهده في صيانة الطرق والجسور والقنوات. أما العشور فلعله كان يؤديها برضى أكثر فهو رجل يخاف الله وكانت تجبى جباية رحيمة. لكنه رأى أكثرها يترك الأبرشية ليعول أسقفا في بلد ناء أو كنسيا عاطلا في البلاط. فهل كان فقر الفلاح إذن هو سبب الثورة؟ هنا المفارقة العجيبة. أفقر الفقراء كانوا أعجز من أن يثوروا. في استطاعتهم أن يرفعوا أصواتهم طلبا للغوث لكنهم لا يملكون الوسيلة ولا الهمة لتنظيم الثورة. إلى أن استنفرهم المزارعون الأكثر ثراء وعملاء الطبقة الوسطى وانتفاضات رعاع باريس. وحين وهنت قوى الدولة وسرت عدوى الأفكار الراديكالية إلى الجيش سريانا خطرا ولم تعد السلطات المحلية قادرة على الاعتماد على تأييد حربي يأتيها من فرساي عندها أصبح الفلاحون قوة ثورية حقيقية. فتجمعوا وتبادلوا الشكاوى والعهود وتسلحوا وهاجموا القصور الريفية وأحرقوا بيوت الإقطاعيين المتغطرسين ودمروا السجلات الإقطاعية التي كانت تثبت الحقوق الإقطاعية. وكانت النتيجة زلزالا تاريخيا. هذا العمل المباشر الذي هدد بتدمير شامل لأملاك الإقطاعيين هو الذي روع النبلاء فنزلوا عن امتيازاتهم الإقطاعية في الرابع من أغسطس عام ألف وسبعمائة وتسعة وثمانين. ووضعوا بذلك نهاية شرعية للنظام القديم. وهكذا نتعلم درسا خالدا. الفقر وحده لا يصنع الثورات. لكن حين يجتمع الجوع مع الأفكار ومع ضعف السلطة يتحول الفلاح الصامت إلى قوة تهدم نظاما عمره قرون. فمن كان يتخيل أن أيادي حرثت الأرض بصمت ستكون هي ذاتها التي تطوي صفحة عصر بأكمله؟

  34. 17

    حوار: صفوة الله المختارة — كالفن وكتابه الذي أحرقوه في باريس

    (محمد) تخيل معي يا عامر. كتاب يُحرق علنا في شوارع باريس. وتحرّم البرلمانات تداوله. ومع ذلك ينفد من الأسواق في عام واحد! (عامر) هذا أمر مدهش حقا. أي كتاب هذا الذي تتحدث عنه؟ (محمد) إنه كتاب مبادئ الدين المسيحي. الذي نشره جون كالفن باللاتينية عام ألف وخمسمئة وستة وثلاثين. ثم أعد نسخة مطولة عام ألف وخمسمئة وتسعة وثلاثين. وترجمها إلى الفرنسية عام ألف وخمسمئة وواحد وأربعين. واستمر مؤلفه طوال حياته يضيف إليه فصلا بعد فصل. حتى بلغ في شكله النهائي ألفا ومئة وثماني عشرة صفحة. (عامر) وما مكانة هذه الترجمة الفرنسية؟ (محمد) لقد أصبحت من أعظم ما أنتجته القرائح تأثيرا في النثر الفرنسي. لكن القصة لا تبدأ من الكتاب نفسه. بل من مقدمته العجيبة. مقدمة وجّهها كالفن إلى أعظم ملك مسيحي لفرنسا. الملك فرانسس. (عامر) وما الذي دفعه إلى مخاطبة الملك؟ (محمد) وقع حادثان فتحا باب الحوار. أولهما الأمر الملكي الصادر في يناير عام ألف وخمسمئة وخمسة وثلاثين ضد الفرنسيين البروتستانت. وثانيهما دعوة وجهها فرانسس في الوقت نفسه تقريبا لميلانكتون وبوسر للحضور إلى فرنسا. لترتيب تحالف بين الملكية الفرنسية والأمراء ضد شارل الخامس. (عامر) فرأى كالفن الفرصة سانحة إذن؟ (محمد) بالضبط. أراد أن يستميل الملك إلى القضية البروتستانتية. وأن يفصل هذه القضية عن حركة اللامعمدانيين التي اقتربت وقتذاك من الشيوعية في منستر. فوصف المصلحين الدينيين الفرنسيين بأنهم وطنيون مخلصون للملك. كارهون لكل اضطراب اقتصادي أو سياسي. (عامر) وكيف كانت نبرته وهو يخاطب مليكه؟ (محمد) يقول إنه يعلم جيدا الدسائس الأثيمة التي ملأوا بها أذني الملك. ويتوسل إليه أن يأخذ على عاتقه الفهم الكامل لهذه القضية. ثم يختم بصورة مؤثرة. فإن استمر الاضطهاد بالسجن والتعذيب والحرق. فسيكون أتباعه مثل قطيع من الأغنام يساق إلى الذبح. منتظرين أن تمتد إليهم يد الرب القوية. (عامر) فما جوهر هذا اللاهوت الذي أثار كل هذا الغضب؟ (محمد) كان كالفن رجلا هائما في حب الله. يشعر بضآلة الإنسان وعظمة الله. رأى أن الكتاب المقدس هو المرجع الأخير. لا في الدين والأخلاق فحسب. بل في التاريخ والسياسة وكل شيء. وقال إنك إذا قرأت لديموستين أو شيشرون أو أفلاطون أو أرسطو فسوف تُخلب لُبّك. لكنك إن تحولت بعدها إلى الكتاب المقدس فسيستولي عليك بقوة عظيمة تبدد أمامها بلاغة البلغاء والفلاسفة. (عامر) وماذا عن الفكرة الأخطر في هذا اللاهوت؟ (محمد) إنها فكرة القدر المحتوم. فالله عند كالفن قد قرر بمشيئة أزلية لا تتبدل. وقبل خلق البشر بوقت طويل. من يُكتب له الخلاص ومن يُحكم عليه بالعذاب. دون اعتبار لما قدمه الإنسان من أعمال. (عامر) وحين يُسأل لماذا؟ بماذا يجيب؟ (محمد) يجيب بكلمات بولس. إني أتغمد برحمتي من أشاء وأعفو عمن أشاء. بل إن كالفن نفسه يعترف بأن هذا حكم مروع. ولا مطهر في لاهوته. ولا صلوات من أجل الموتى. (عامر) وهنا يبرز السؤال المحيّر يا محمد. كيف لعقيدة تقوم على عجز الإنسان أن تُنتج بعض أقوى الشخصيات في التاريخ؟ لماذا حارب الكالفينيون والهوجنوت والبيوريتان بمثل هذه الجرأة؟ (محمد) الجواب مفارقة مدهشة! فالاعتقاد بأنهم الصفوة القليلة المختارة منحهم قوة تفوق ما فقدوه. كانت الثقة في الاختيار الإلهي درعا يبث الشجاعة في قلوب الهوجنوت لتحمل آلام الحرب والمذابح. وفي قلوب الحجاج وهم يجازفون بأنفسهم بحثا عن أوطان جديدة على شواطئ معادية. (عامر) فمن آمن بأن الله اصطفاه استطاع أن يقف راسخا؟ (محمد) راسخا كالطود إلى النهاية. بل جعل كالفن الصفوة أرستقراطية وراثية. فأبناء الصفوة يصبحون من الصفوة بمشيئة الله. وهكذا انتشر هذا اللاهوت الذي يبدو غير جذاب لأول وهلة. ليحرز رضا مئات الملايين. في سويسرا وفرنسا وسكوتلندة وإنجلترا وأمريكا الشمالية. (عامر) وأين تكمن عبقرية كالفن في النهاية؟ (محمد) لم تكن عبقريته في أفكار جديدة ابتكرها. بل في تطوير آراء من سبقوه إلى نتائجها المنطقية. والتعبير عنها ببلاغة تضارع بلاغة أوغسطين. لقد علّم أتباعه أن الحياة الدنيا واد للبؤس والدموع. لكنه ترك لهم أملا واحدا يجعل الحياة محتملة. سعادة مطردة بعد الموت. (عامر) وسأل سؤاله الشهير. إذا كانت السماء بلدنا. فما الأرض سوى منفى؟ (محمد) نعم. ولعل هذا الاعتقاد. كما يقول النص. كان لا غنى عنه للفقراء والتعساء الذين ينتشرون في بقاع الأرض. (عامر) فكّر في ذلك. كيف يمكن لفكرة العجز المطلق أن تتحول إلى أعظم مصادر القوة؟

  35. 16

    خمسة وثلاثون يوماً على ظهر جمل: رحلة مصري إلى قلب نجد

    [رحلة في قلب الجزيرة: مصري على ظهور الإبل نحو الرياض] تخيّل أن تركب جملاً وتقطع الصحراء خمسة وثلاثين يوماً في أرض نجد وحدها. تخيّل أن تمضي شهرين كاملين بين الرمال والجبال والآبار الشحيحة، فقط لتصل من حدود الأردن إلى الرياض. هذا بالضبط ما فعله رحالة مصري يُدعى محمد شفيق، سلك طريقاً يقول إنه لم يطرقها سواه حتى ذلك الحين من الأجانب عن تلك البلاد. فما الذي دفعه إلى هذه الرحلة الشاقة الطويلة؟ بدأت القصة بزيارة الأمير سعود، ولي عهد نجد والحجاز، إلى مصر في صيف العام السابق. يعترف الكاتب أنه كان قبلها يجهل كل شيء تقريباً عن أحوال تلك البلاد العربية، خاصة بعد إدماج القطرين، نجد والحجاز، في حكم واحد تحت سلطان الملك عبد العزيز آل سعود. فلما دعا الأمير سعود المفكرين لزيارة بلاده ونشر الحقائق المجردة عنها للناطقين بالضاد، تحرّكت في نفس رحالتنا رغبة قديمة في استطلاع أحوال الأمم والبلدان. انطلق من القاهرة إلى فلسطين، ثم استأجر سيارة من عمّان قطعت به نحو أربعمائة كيلومتر في يوم كامل، عبر أرض قاحلة لا زرع فيها ولا ضرع. ووصل إلى قريات الملح، أول بلدة تدخل في منطقة نفوذ ابن السعود، قرية صغيرة لا يزيد سكانها عن ستمائة نسمة، يعيشون من زراعة القمح وتمر النخل واستخراج الملح. ومن هناك بدأت الرحلة الحقيقية. قافلة من خمسة جمال، ولحية طويلة صارت أمراً محتوماً، وثياب بدوية، وصبر على انعدام وسائل النظافة، فالصابون هناك لا يوجد إلا بصعوبة زائدة وبسعر مرتفع جداً. لكن ما أدهش رحالتنا لم يكن قسوة الطريق. بل شيء آخر تماماً. الأمانة. أمانة تكاد لا تُصدَّق. يروي أن السرقة والزنا معدومان قطعاً في تلك البلاد. وفي الجوف، شهد بنفسه حادثة عجيبة. رجل أبلغ الأمير أن كيساً من البن ضاع منه في الطريق. وبعد يومين حضر رجل آخر سلك الطريق نفسها، فسأله الأمير هل وجد شيئاً، فقال إنه وجد كيساً من البن جسّه بعصاه ثم تركه مكانه. فماذا فعل الأمير؟ أمر بضربه خمسين عصا. خمسين عصا لرجل لم يسرق! ولمّا سأله الرحالة عن السبب، أجابه الأمير: كان يجب عليه أن يرى الكيس ولا يلمسه حتى يأتيه صاحبه فيأخذه. وفي حائل، وجد السجن خالياً إلا من حراسه. سجن بلا مسجونين. لأن الأحكام الشرعية وحدها، كما استخلص، خير وازع يقطع خط الرجعة دون الجرائم. وتأمل هذه الصورة. بقعة في وسط الصحراء تدعى عظوظه، يقول العرب إنها كانت مكان مدينة لوط، ويقولون إن بطنها يحوي كنوزاً من الذهب. ومع ذلك، لم تحدّث نفس أفقر أعرابي في الوصول إليها، لأن أرضها في اعتقادهم نجسة قد غضب الله عليها. ومضت القافلة من الجوف إلى حائل، المدينة العامرة ذات الشوارع الفسيحة، حيث استقبله الأمير عبد العزيز بن مساعد، ابن عم الملك. ثم إلى بريدة، حيث استقبله أميرها مبارك بن مبيريك باسم جلالة الملك استقبالاً هو غاية في الود ونهاية في الكرم. وهناك في إقليم القصيم، مرّ بذكر عنيزة، المدينة التي أسماها الشاعر أمين الريحاني باريس نجد، لأن منازلها مؤلفة من ثلاث طبقات على نسق مباني المدن المتحضرة. وفي الطريق إلى الرياض، مرّ بالدرعية، المدينة الأثرية التي كانت عاصمة لنجد، والتي نشأت فيها أسرة آل سعود، ومنها ظهرت الدعوة الوهابية، ولا تزال آثار مدافع إبراهيم باشا بادية للأنظار في خرائبها القديمة. ثم كانت اللحظة الكبرى. وصل الرياض في صباح اليوم الثامن، وقد لبست المدينة زخرفها ابتهاجاً بعودة الملك عبد العزيز إليها للمرة الأولى بعد فتحه الحجاز، في موكب فخم مؤلف من ست وعشرين سيارة. وحين دخل الرحالة على الملك، استقبله استقبالاً ودياً كأن بينهما صداقة قديمة، وأمر بإعداد منزل خاص لإقامته. فما الذي تتركه فينا هذه الرحلة؟ إنها شهادة نادرة على زمن كانت فيه الجزيرة العربية مجهولة حتى عند أقرب جيرانها. رحلة كشفت أن وراء تلك الصحارى الموحشة شعباً يردد عبارة واحدة: الملك لله ثم لعبد العزيز بن السعود. شعب فقير لكنه لا يمس ذهباً ملقى في الطريق، بسيط لكنه شديد التمسك بأوامر الله ونواهيه. وربما كان أجمل ما في الرحلة تلك اللفتة الصغيرة، حين كان رفاق الدرب البدو يبتهلون في صلاتهم بالدعاء لمصر وأهلها، مجاملة لضيفهم المصري، فتسري عنه وعثاء السفر، وتشعره، كما قال، بعظمة الرابطة الإسلامية التي تجمع الشعوب.

  36. 15

    حوار: قبة برونليسكي... معجزة فلورنسا التي أعلنت ميلاد عصر النهضة

    (محمد) أهلاً وسهلاً بكم في حلقة جديدة من بودكاستنا. اليوم معنا قصة استثنائية، قصة قبة غيرت وجه أوروبا بأكملها. عامر، هل تتخيل مدينة كاملة تصطف في الشوارع لمشاهدة مبنى؟ (عامر) هذا بالضبط ما حدث في الأسبوع الأخير من شهر مارس عام ألف وأربعمائة وستة وثلاثين. اجتمع في فلورنسا حشد هائل من الفنانين والأدباء والموسيقيين، قلما اكتحلت عيون ربات الفن بمثله، لتدشين كاتدرائية المدينة. عيونهم جميعاً معلقة بقبة شاهقة تعانق السماء. (محمد) ومن هو الرجل الذي صنع هذه المعجزة؟ (عامر) إنه المهندس الفنان برونليسكي، الذي عاش بين عامي ألف وثلاثمائة وسبعة وسبعين وألف وأربعمائة وستة وأربعين. توج بعبقريته المعمارية بناء كاتدرائية بدئ في إنشائها منذ أواخر القرن الثالث عشر، فوضع فوقها قبة ضخمة هائلة. (محمد) سمعت أنه كان ثائراً بطبعه، أليس كذلك؟ (عامر) صحيح تماماً! فحين كان يناط به تصميم كنيسة أو مبنى، كان يطرح الطراز التقليدي إطراحاً تاماً، محاولاً إحياء عظمة الرومان السالفة. حتى قيل إنه رحل إلى روما ومضى يقيس أطلال المعابد والقصور القديمة. (محمد) إذن كان هدفه محاكاة تلك المباني القديمة؟ (عامر) لا، انتبه! لم يكن هدفه المحاكاة أبداً، بل ابتكار طريقة جديدة للبناء تتيح له إبداع نماذج جمالية متناسقة. وهل تعلم أن أثره امتد لخمسمائة عام؟ ظل المعماريون في العالم أجمع يترسمون خطاه طوال هذه القرون. (محمد) خمسمائة عام! هذا مذهل حقاً. وأعتقد أن له اكتشافاً آخر لا يقل أهمية؟ (عامر) نعم، العالم مدين له باكتشاف المنظور الذي سيطر على ميدان الفن قروناً طويلة. فقد كان الفنانون قبله لا يدركون القوانين الرياضية التي تتضاءل بها الأشكال كلما تراجعت نحو العمق، فجاء برونليسكي ليزودهم بالوسائل الرياضية لحل هذه المشكلة. (محمد) فكيف بنى تلك القبة الأسطورية؟ (عامر) لقد أشرف على تشييدها ستة عشر عاماً بعد عودته من روما حيث درس مبنى البانثيون. بناها فوق فراغ مثمن الشكل يبلغ قطره اثنين وأربعين متراً تقريباً، وترتفع قاعدتها أربعة وخمسين متراً فوق سطح الأرض. (محمد) وكيف تعامل مع هذا الحجم الهائل؟ (عامر) بجسارة منقطعة النظير! دفع بثمانية ضلوع من زوايا المثمن ثلاثين متراً لأعلى، ثم أضاف ضلعين ثانويين بين كل ضلعين رئيسيين ليصبح المجموع أربعة وعشرين ضلعاً، وعززها بدعامات ومشابك حديدية. وكانت هذه القبة الأولى من نوعها في ضخامتها منذ العصر الكلاسيكي القديم. (محمد) ولم يكن برونليسكي وحده نجم ذلك العصر، صحيح؟ (عامر) بالفعل. ففي اليوم نفسه كان الفنان جيبرتي قد فرغ من نقوش البوابة البرونزية الشمالية لمبنى المعمودية، وعكف على البوابة الشرقية التي ما كاد يشاهدها ميكلانجلو حتى أطراها قائلاً إنها جديرة بأن تكون أبواباً لجنة الفردوس. (محمد) يا له من إطراء عظيم! وماذا عن الفنانين الآخرين؟ (عامر) كان المثال دوناتللو قد قبض أجره عن تماثيل زينت الكاتدرائية وبرجها المسمى برج جوتو، ذلك البرج البديع الذي صممه جوتو كبير المهندسين منذ عام ألف وثلاثمائة وأربعة وثلاثين. (محمد) لكن السؤال المهم، من كان يمول كل هذا الإبداع؟ (عامر) هنا يظهر اسم أسرة مديتشي، وعلى رأسها كوزيمو دي مديتشي. رجل من الدهاء بحيث أدرك شغف مواطنيه العميق بالمساواة، فلم يتخذ لنفسه لقباً قط، بل حكم من وراء ستار. (محمد) ومن أين جاءت ثروتهم؟ (عامر) كان أعضاء أسرته ممثلي البابا المصرفيين، يقرضون المال لحكام الدول الأجنبية، ويبتاعون الصوف الإنجليزي لينسج في فلورنسا أقمشة فاخرة جعلت الفلورين سيد العملات في أوروبا. (محمد) وهل صحيح أنه رفض قصراً فخماً صممه برونليسكي؟ (عامر) نعم! حين عرض عليه برونليسكي تصميم قصر فخم رفضه قائلاً إن الحسد نبات لا ينبغي ريه، وآثر تصميماً أكثر تواضعاً قدمه ميكلتزو. ومع ذلك أسس الأكاديمية الأفلاطونية الحديثة، وأنشأ أول أكاديمية للفن منذ العهد الكلاسيكي القديم، فلا عجب أن منحه مجلس السنيوريا بعد وفاته لقب أبو الوطن. (محمد) وحدثنا عن يوم التدشين الخالد. (عامر) كان أحد القيامة في الخامس والعشرين من مارس عام ألف وأربعمائة وستة وثلاثين، وقد اختاره البابا أوجين الرابع لأنه تصادف مع عيد بشارة العذراء مريم. وأسبغ البابا بركته على وردة من الذهب أهديت إلى سانتا ماريا دل فيوري، أي مريم الزهراء. (محمد) وما أروعها من إشارة، فالمدينة نفسها اشتقت اسمها من كلمة فلورا أي الزهرة! (عامر) تماماً. وألف الموسيقي العظيم جيوم دوفاي موتيت التكريس، ويصف شاهد العيان جيانوتزو مانيتي أصوات المنشدين بأنها كانت ترتفع حتى يخال المستمعون أنها تنحدر من بين شفاه الملائكة. (محمد) وهكذا نرى أن قبة واحدة كانت أكثر من مجرد حجر وطوب. (عامر) كانت إعلاناً عن ميلاد عصر جديد، عصر النهضة، حيث حل الوضوح الرياضي والاتجاه العقلاني محل غموض العصور الوسطى. فتأمل كيف يمكن لعقل واحد جسور، ومدينة واحدة مزدهرة، أن يغيرا مسار الفن في العالم لخمسة قرون كاملة.

  37. 14

    حين غنّى الشعب لله

    [حين غنّى الشعب لله: كيف غيّر الإصلاح الديني وجه الموسيقى] تخيّل أن تدخل كنيسة فلا تفهم كلمة واحدة مما يُقال. اللغة لاتينية غريبة عنك، والكاهن يرتّل بعيدًا عنك، وفرقة المنشدين معزولة عن المصلين، وأنت مجرد متفرج صامت في حضرة سرّ لا يحق لك أن تفهمه. هكذا كان حال الملايين قبل الإصلاح الديني. ثم جاءت ثورة غيّرت كل شيء. ليس في اللاهوت فقط، ولا في الطقوس وعلم الأخلاق وحدها، بل في الموسيقى نفسها. فقد كانت الطقوس الكاثوليكية أرستقراطية بطبيعتها، شعائر فخمة متأصلة في تقاليد منيعة لا تُنتهك حرمتها، متعالية تعاليًا صريحًا عن الشعب في اللغة والملابس والرموز والموسيقى. وبهذه الروح عرّف رجال الدين أنفسهم بأنهم الكنيسة، وذهبوا إلى أن الناس قطيع يُساق إلى حسن الخلق والخلاص بالخرافات والأساطير والعظات والمسرحيات وكل الفنون. كان القداس سرًا خفيًا، مقصورًا فهمه على فئة قليلة، واتصالًا خارقًا بين الكاهن والرب. ثم ماذا حدث؟ فرضت الطبقات الوسطى وجودها وحقوقها مع الإصلاح الديني. أصبح الشعب هو الكنيسة، ورجال الدين مجرد ممثلين له. صار القداس باللغة الوطنية، وكان لا بد أن تكون الموسيقى واضحة مفهومة، يقوم فيها جمهور المصلين بدور فعّال، أصبح في آخر الأمر دورًا قياديًا. وهنا يبرز اسم مارتن لوثر. لقد أحب لوثر الموسيقى حبًا عميقًا، وقدّر فن تعدد الأصوات والطباق الموسيقي. وفي عام ألف وخمسمائة وثمانية وثلاثين كتب متحمسًا يقول إذا شحذ الفنُّ الموسيقى الطبيعية وصقلها، يبدأ الإنسان يدرك في عجب ودهشة حكمة الله العظيمة البالغة حد الكمال في موسيقاه الرائعة، حيث يقوم صوت واحد بدور بسيط، ويغني حوله ثلاثة أو أربعة أو خمسة أصوات أخرى، تثب وتنطلق هنا وهناك، تزيّن الدور البسيط وكأنها رقصة تربيعية في السماء. بل ذهب أبعد من ذلك فقال إن من لا يجد في هذا معجزة تفوق الوصف من عند الله، ليس إلا غبيًا حقيرًا لا يستحق أن يُعتبر إنسانًا. ولم يكتفِ لوثر بالكلام. ففي عام ألف وخمسمائة وأربعة وعشرين تعاون مع جوهان والتر، رئيس فرقة المنشدين لدى الأمير فردريك الحكيم، لإنتاج أولى التراتيل البروتستانتية. من أين جاءت كلماتها؟ جزء من الترانيم الكاثوليكية، وجزء من أغاني رئيس فرقة المنشدين، وجزء ثالث بقلم لوثر الشاعري تقريبًا، وجزء أخير مأخوذ من الأغاني الشعبية بعد نقلها إلى موضوعات دينية. نعم، أغاني الشعب نفسها. ولوثر له في ذلك مقولة خالدة: ليس للشيطان حق في كل الألحان الجيدة. واستمرت الكنائس اللوثرية لمدة قرن تقريبًا تُدخل القداسات المتعددة الأصوات في طقوسها، لكن اللغة الوطنية حلّت محل اللاتينية شيئًا فشيئًا، ونقص دور القداس، وزاد غناء المصلين. ومن تلك الموسيقى التي ألّفها لوثر ومعاونوه لمصاحبة تلاوة قصص الإنجيل، جاءت الموسيقى العظيمة في الكنيسة البروتستانتية في القرن الثامن عشر، وبلغت الذروة في موشحات هاندل وقداساته، وموشحات جوهان سباستيان باخ وتراتيله. لكن هل أحب كل مؤسسي البروتستانتية الموسيقى كما أحبها لوثر؟ الحقيقة لا. فزونجلي، رغم أنه كان هو نفسه موسيقارًا، استبعد الموسيقى كليةً من الصلوات الدينية. وحرّم كلفن كل الموسيقى الكنسية فيما عدا غناء المصلين المتساوي النغمات. لكنه أباح الغناء الطباقي المتعدد الأصوات في البيت، فاستمد أتباعه الهيجونوت في فرنسا جزءًا من قوتهم وشجاعتهم من إنشاد المزامير والترانيم بأصوات متعددة. ولما ترجم كليمنت مارو المزامير إلى الفرنسية شعرًا، أُعجب بها كلفن إلى حد أنه تجاوز عن المقطوعات الطباقية التي وضعها كلود جوديمل. وقد أضفت حقيقة أن هذا الملحن البروتستانتي لقي حتفه في مذبحة سانت برثلميو مزيدًا من القدسية على كتاب مزاميره. حتى إن أسقفًا كاثوليكيًا لم يُخفِ حسده للدور الذي لعبته هذه الترجمات في الإصلاح الديني الفرنسي. وصار حفظ المزامير عن ظهر قلب سمة الهيجونوت، ففي المدن التي يكثرون فيها كنت تسمع النغمات من أفواه العمال، وفي القرى من أفواه الكادحين الذين يفلحون الأرض. وهنا تكمن الفكرة الكبرى في هذه القصة. لقد ميّزت الصبغة الديمقراطية التي صُبغت بها الموسيقى الدينية كلَّ البلاد التي عمّها الإصلاح الديني. لم تعد الموسيقى امتيازًا لفئة، بل أصبحت صوت الشعب كله وهو يخاطب السماء. فحين يغني الفلاح في حقله والعامل في مصنعه ترانيم كان يُحرم من فهمها بالأمس، فذلك أعمق تحوّل يمكن أن تحدثه ثورة. فكّر في هذا: أحيانًا لا تُقاس الثورات بما تهدمه، بل بالأصوات التي تُطلقها من صمتها.

  38. 13

    حوار: أنهارٌ تسمع الدعاء منذ ألفي عام

    (محمد) هل تتخيل أن ملايين البشر ظلوا لألفي عام كاملة يغمسون أجسادهم في مياه نهر واحد، وهم يرتعشون من لذعة البرد في فجر الشتاء، ويرددون نفس الدعوات إلى آلهة لبثت على صمتها؟ (عامر) ومع ذلك لم يفقدوا الإيمان لحظة واحدة! هذه قصة من عمق الهند، حيث تتشابك الخرافة بالقداسة، والخوف بالأمل، في صورة تاريخية لا مثيل لها. (محمد) نعم يا عامر، ففي جو لاهوتي مفعم بالخوف والألم، ازدهرت الخرافة في الهند ازدهارا خصيبا. فكانت أول معونة ترسلها القوة الكامنة فوق الطبيعة لتعالج الأدواء الصغرى في الحياة: القرابين، والتمائم، وإخراج الشياطين من الأبدان، والتنجيم، والنبوءة بالغيب، وقراءة الكف. (عامر) والأرقام هنا مذهلة حقا! طائفة الكهان بلغت أكثر من مليونين وسبعمائة ألف، وفاتحو البخت يبلغون المليون، ومروضو الثعابين بالسحر مائة ألف، والفقراء مليون آخر! (محمد) ومنذ ألف ومائتي عام كان للهنود عدد كبير من الكتب التي تشرح أصول التصوف والسحر والعرافة. (عامر) والمثير للدهشة أن البراهمة أنفسهم نظروا نظرة ازدراء صامت إلى هذه الديانة المليئة بالسحر، لكنهم احتملوا وجودها. لماذا برأيك؟ (محمد) لأنهم خشوا أن تكون الخرافة بين عامة الناس عاملا ضروريا لصيانة قوة البراهمة أنفسهم، ولأنهم ظنوا أن الخرافة يستحيل فناؤها. فإن ماتت في صورة، عادت إلى الوجود في صورة أخرى. (عامر) وكان العرافون والسحرة إذا ما أجريتهم أجرا زهيدا يعلنون لك ماضي الحوادث ومستقبلها، بدراسة الأكف أو الأحلام أو علامات السماء، بل حتى الخروق التي أحدثتها الفئران في الثياب! (محمد) بل حتى البرهمي نفسه إذا تثاءب جعل يفرقع بأصابعه ذات اليمين وذات الشمال حتى يطرد الأرواح الشريرة، فلا يسمح لها بالدخول من فمه المفتوح. (عامر) ولم يكن يعدل رغبة الهنود في الأطفال شيء، حتى النرفانا نفسها. ومن هنا جاء التقديس الديني لرموز النسل والخصوبة. (محمد) صحيح، فعبادة العلاقة الجنسية لبثت قائمة في الهند من العصور القديمة إلى القرن العشرين، وكان إلهها هو شيفا. وأينما سرت في الهند ألفيت آثار هذه العبادة، في معابد بنارس، وفي أوثان اللنجا الهائلة التي تحيط بمعابد شيفا في الجنوب. (عامر) لكن مهلا، هل كانت هذه العبادة داعرة فعلا؟ (محمد) الحقيقة عكس ما قد تظن. فالكثرة الغالبة من الناس لا يجدون فيها حافزا إلى الفاحشة أكثر مما يجد المسيحيون في تأملهم للعذراء وهي ترضع طفلها. إن العادة تزيل الفحش عن أي شيء، والزمن يخلع القداسة على أي شيء. (عامر) بل إن عبادة شيفا من أكثر العبادات في الهند تزمتا وتقشفا، وأخلص عباد اللنجا وهم اللنجايات يمثلون أشد مذاهب الهند طهرا. (محمد) ويقول غاندي في عبارة تحمل مفارقة عجيبة: "جاءنا أضيافنا الغربيون آخر الأمر يفتحون أعيننا لجوانب الفحش التي في طقوسنا، بعد أن كنا نمارسها حتى عهدهم ممارسة بريئة؛ لقد عرفت لأول مرة أن شيفا لنجام ترمز إلى فاحشة، من كتاب لمبشر مسيحي". (عامر) أما أعظم الطقوس الجماعية فهي تقديم القرابين. والهندي يعتقد أن الآلهة إذا لم تطعم فإنها تموت جوعا. (محمد) وفي مرحلة قديمة كانت القرابين ضحية بشرية، وكانت كالي تحب أن يكون قربانها رجالا. ثم تقدمت الأخلاق فاكتفى الآلهة بالحيوان قربانا. (عامر) وجاءت البوذية والجانتية فحرمت التضحية بالحيوان، ثم عادت العادة إلى مجراها القديم حين حلت الديانة الهندية محل البوذية. (محمد) وكانت طقوس التطهير تستغرق من حياة الهندي ساعات كثيرة، فما أكثر ما يصاب بالنجاسة! إن أكل طعاما حراما، أو مس منبوذا، أو جثة. (عامر) وللحالات الكبرى طقس بالغ البشاعة يسمى بانشاجافيا، يحكم به عقابا على من انتهك قوانين الطبقات، وقوامه شرب مزيج من خمسة عناصر من البقرة المقدسة: اللبن، والخثارة، والسمن، والبول، والروث. (محمد) وأقرب إلى ذوقنا الاستحمام اليومي الذي يوجبه الدين، تدبير صحي تمس إليه الحاجة في مناخ شبه استوائي، صب في قالب من الدين ليكون أقوى تأثيرا في النفوس. (عامر) وقد كان ملايين الناس في أيام الرحالة يوان شوانج يستحمون في نهر الكنج كل صباح، وأصبحت بنارس المدينة المقدسة للهند، كعبة لملايين الحجاج يأتونها من كل أرجاء البلاد ليستحموا في النهر حتى يستقبلوا الموت أطهارا من كل رجس. (محمد) إن الإنسان ليأخذه الخشوع، بل يأخذه الفزع، حين يتذكر أن هؤلاء الناس حجوا إلى بنارس مدى ألفي عام، توجهوا بالدعاء قرنا بعد قرن إلى نفس الآلهة التي لبثت على صمتها. (عامر) لكن عدم استجابة إله لا يحول دون تعلق القلوب به. فلا تزال الهند تعتقد اليوم بنفس القوة التي كانت تعتقد بها في أي عصر مضى. (محمد) وربما كان هذا هو أعمق ألغاز الروح الإنسانية: أن يظل الإيمان حيا، حتى حين يبقى الجواب صمتا.

  39. 12

    حوار: حرير فوق الأوساخ — أسرار الحياة اليومية في القرن السادس عشر

    (محمد) هل تصدق يا عامر أن هناك مثلاً ساخراً من القرن السادس عشر يقول إن العاهرات هن الوحيدات اللائي غسلن أكثر من وجوههن وأيديهن؟ (عامر) حقاً؟ هذا مثير للدهشة! في عصر امتلأ بالحرير والجواهر والقصور الفخمة؟ (محمد) نعم، كانت النظافة تحت الملابس أمراً نادراً. اليوم نأخذ مستمعينا في رحلة إلى قلب الحياة اليومية في أوروبا القرن السادس عشر، حيث المظاهر تخفي حقائق مدهشة. (عامر) لنبدأ من البداية إذن. كيف كان الحكم على الناس آنذاك؟ (محمد) كان الحكم عليهم، تماماً كما يحدث اليوم، بعاداتهم أكثر منه بأخلاقهم. وكانت إيطاليا هي الرائدة في آداب السلوك، شأنها في كل شيء باستثناء المدفعية واللاهوت. (عامر) وماذا عن الشعوب شمال جبال الألب؟ (محمد) كانوا أفظاظاً غلاظاً مقارنة بالإيطاليين. لكن هؤلاء المتبربرين كانوا يتوقون إلى التمدن. فحذا رجال البلاط الفرنسيون حذو الإيطاليين، وسار الإنجليز الهوينا خلفهم. (عامر) وهل كانت هناك كتب تعلمهم هذه الآداب؟ (محمد) بالفعل، تُرجم كتاب كاستليوني رجل البلاط الصادر عام ألف وخمسمائة وثمانية وعشرين إلى الفرنسية عام ألف وخمسمائة وسبعة وثلاثين، ثم إلى الإنجليزية عام ألف وخمسمائة وواحد وستين. وأصبح الحديث فناً في فرنسا. (عامر) وهنا مفارقة لطيفة كما فهمت، أليس كذلك؟ (محمد) نعم! كان الألمان يسحقون الرجل بالفكاهة، أما الفرنسيون فكانوا يخزونه في ذكاء وفطنة. (عامر) وماذا عن الملابس؟ لماذا أولوها كل هذه العناية؟ (محمد) لأن تحسين المظهر الخارجي أيسر من تهذيب النفس، أولت الطبقات الصاعدة ملابسها عناية هائلة. تخيل معي دوق بكنجهام وهو يرتدي في زواج الأمير آرثر من كاترين أوف أراجون عباءة من شغل الإبرة مغطاة بفراء النمور، قُدّرت بنحو ألف وخمسمائة جنيه! (عامر) مبلغ ضخم! وهل كان الجميع يستطيع تقليد هذه الفخامة؟ (محمد) لا، بل إن القوانين حرّمت على أي رجل دون رتبة فارس أن يقلد فخامة ملابس من هم أعلى منه مكانة. وكان يُباح للمرأة ذات المكانة العالية وحدها أن يكون لثوبها ذيل، وكلما ارتفع قدرها زاد طول الذيل، حتى يصل أحياناً إلى سبع ياردات، يمشي وراءها خادم يحمله عن الأرض. (عامر) وماذا عن الأقراط والزينة؟ (محمد) في عام ألف وخمسمائة وخمسة وثلاثين لاحظ سرفيتس أن نساء إسبانيا كن يثقبن آذانهن ويعلقن فيها أقراطاً ذهبية، عادة ظُنّ في فرنسا أنها همجية. لكن ما إن جاءت سنة ألف وخمسمائة وخمسين حتى كانت النساء بل حتى الرجال يلبسون الأقراط. (عامر) والآن السؤال المحرج... إلى أي حد كانت الأجسام نظيفة تحت هذه الزخارف؟ (محمد) تحدث كتاب من ذلك القرن عن نساء لم يعنين قط بنظافة أجسامهن إلا الأجزاء التي تقع عليها العين. والمفارقة الغريبة أن النظافة ربما ازدادت بازدياد الفسق، فحين كشفت النساء أجزاء أكثر من أجسامهن، اتسع نطاق النظافة، وأصبحت كثرة الاستحمام بالماء المعطر جزءاً من العادات الطيبة في فرنسا خاصة. (عامر) وماذا عن البيوت والموائد؟ (محمد) كانت الأسرات كبيرة، لكن نسبة الوفيات بين الأطفال كانت عالية بشكل مفجع. كان جون كولت أكبر اثنين وعشرين طفلاً، وحين بلغ الثانية والثلاثين كان كل إخوته قد ماتوا. وكان ديرر واحداً من ثمانية عشر طفلاً، لم يبلغ سن الرشد منهم سوى ثلاثة. (عامر) أمر محزن حقاً. وماذا عن الطعام والشراب؟ (محمد) كانت وجبات الطعام هائلة، وكانت الجعة والنبيذ المشروبين الرئيسيين في كل الوجبات حتى الإفطار! بل إن أسرة دوق نورثمبرلاند حددت عام ألف وخمسمائة واثني عشر ربع جالون من الجعة لكل فرد في كل وجبة، حتى للأولاد في سن الثامنة. (عامر) حتى الأطفال! وهل كان هناك من يخالف هذه العادة؟ (محمد) نعم، كان من طرق توماس مور إلى الشهرة أنه تناول الماء بديلاً عنهما. وحوالي عام ألف وخمسمائة وخمسين استحضر الإسبان الشيكولاتة من المكسيك. (عامر) ورغم الفقر والظلم، هل استمتع الناس بحياتهم؟ (محمد) بالتأكيد! حتى الفقراء كان لهم حدائق. وأصبحت زهرة التيوليب هواية وطنية في هولندا بعد أن أحضرها بوسبك سفير الإمبراطور في القسطنطينية حوالي ألف وخمسمائة وخمسين. وكانت الألعاب في كل مكان، حتى إن بروجل صوّر نحو مائة لعبة في لوحة واحدة. وكان في باريس وحدها ألف وخمسمائة واثنان من ملاعب التنس للطبقة الأرستقراطية. (عامر) والرقص؟ هل كان محبباً لديهم؟ (محمد) كان الرقص أحب أنواع التسلية، وقد أقره لوثر نفسه، ورقص ملانكثون الوقور. ويخبرنا جان تابور أن الناس كانوا يرقصون ليروا هل يتناسب الحبيبان، وفي نهاية الرقص كان يُسمح للشاب أن يقبّل خطيبته ليستوثق من أن رائحة أنفاسها طيبة! (عامر) يا لها من طريقة عملية! وهكذا نرى أن ذلك العصر لم يكن سوى مرآة لنا نحن. (محمد) بالضبط، مجتمع يحكم على المظاهر أكثر من الجواهر، يتزين بالحرير ويهمل ما تحته، لكنه رغم كل شيء يرقص ويحتفل ويتمسك بمباهج الحياة. أليس هذا ما نفعله اليوم بطرق مختلفة؟ (عامر) ربما تتغير الأزياء والعصور، لكن الإنسان يبقى هو الإنسان. شكراً لاستماعكم، وإلى لقاء قادم مع حكاية جديدة من التاريخ.

  40. 11

    حوار: الأخ الملاك: الراهب الذي عجز عن رسم الشر فرسم الجنة

    (محمد) تخيل معي يا عامر فنانًا كان عاجزًا تمامًا عن تصوير الشر. كلما حاول رسمه خانه خياله وتوقفت يده! (عامر) عاجز عن رسم الشر؟ هذا أمر غريب حقًا. ومن يكون هذا الفنان؟ (محمد) هو فرا أنجيليكو. الراهب الذي لقبه رفاقه بالأخ الملاك. فحين أراد أن يرسم البهجة والحب والصلة بين الكون والله فاضت موهبته فيضًا غزيرًا لا ينضب. (عامر) الأخ الملاك! لقب مثير للاهتمام. حدثنا عن نشأته. (محمد) وُلد باسم جويدو دي بييترو وعاش بين عامي ألف وثلاثمئة وسبعة وثمانين وألف وأربعمئة وخمسين. وفي عام ألف وأربعمئة وسبعة انتظم في سلك الرهبنة وانضم إلى جماعة الدومينكان بالقرب من فييزولي ضاحية فلورنسا. هناك دعاه رفاقه فرا جوفاني أنجيليكو أي الأخ الملاك. (عامر) وما الذي وقف نفسه عليه في فنه؟ (محمد) وقف نفسه على تصوير رؤى العصور الوسطى لجنة الله على الأرض. انظر إلى لوحاته فوق جدران دير القديس مرقص بفلورنسا. لن تجد فيها موهبة فنية فحسب، بل رقة وتعاطفًا مع الموجودات وروحانية تغمر كل تفصيلة. (عامر) لكن كيف يقارن بجوتو مثلًا؟ (محمد) صحيح أن إحساسه بالدلالة المادية كان يقل شيئًا عما كان عند جوتو. لكن حسه الرهيف قاده إلى مجالات لم يطرقها جوتو من قبل. كان يرى الوجود سويًا لا مكان للشر فيه. وكان أول من أضفى على اللوحة الفلورنسية إشراقة عذبة بألوانها الوردية والزرقاء والذهبية! (عامر) وماذا عن ملائكته الشهيرة؟ (محمد) آه، ملائكته! تلك التصاوير اللطيفة الرهيفة وهم يحيطون بالعذراء والطفل. ما بين عازف للقيثارة أو الكمان أو الأورغن أو نافخ في المزمار أو البوق أو قارع على الطبل أو ناقر الدف. لعلها من أبدع ما خطته يد فنان للملائكة على مر العصور. (عامر) وهل صوّر يوم الحساب كما فعل فنانو عصره؟ (محمد) هنا الغرابة يا عامر! في لوحته عن يوم الحساب صور الفردوس. ملائكة السماء وأبرار الأرض يراقص بعضهم بعضًا حينًا ويعانق بعضهم بعضًا حينًا آخر. فالعصور الوسطى انصبت أخيلة فنانيها على جانب الشقاء والعذاب والترهيب. فاضت صورهم بالجحيم والنار لا الجنة والنعيم. أما هو فجمع بين الحب الدنيوي والحب السماوي جمعًا لم نجد قبله من وُفق مثله. (عامر) إذن كان حلقة وصل بين عصرين؟ (محمد) بالضبط! العصر الوسيط وعصر النهضة. فهو يمت إلى العصور الوسطى بأسباب قوية لكنه استخدمها على نحو جديد وبتعبير حديث. (عامر) ومع ذلك أظن أن مؤرخي الفن اختلفوا حوله؟ (محمد) نعم، ومن الغريب أن كثرة منهم يتجاهلون نزعته الانتقالية هذه. يعدون عليه رسمه للأطراف دون مفاصل ويحصون هناته في رسم الأحداث. لكن الأمر على النقيض تمامًا. فمحاولاته تلك كانت بالنسبة لفناني عصره سبقًا رفعه إلى مصاف المجددين. هذا إذا استثنينا مازاتشيو صاحب أولى الخطوات الرائدة في هذا الميدان. (عامر) وما أبرز لوحاته التي تجسد هذا المزج بين العصرين؟ (محمد) انظر إلى لوحة البشارة التي رسمها لتزيين البهو العلوي من دير القديس مرقص. مزيج ممتع يجمع بين ما هو سابق ولاحق فنيًا. صور فيها المبنى والمنظور في إتقان لافت. لكنه غمر صورة جبريل وصورة مريم بفيض من النور فإذا بنا نتطلع إلى رؤيا حالمة لا صورة مصورة. وكانت مريم العذراء شغله الشاغل فيما يصور. (عامر) وهل هناك أعمال أخرى بارزة؟ (محمد) هناك لوحة تقديم المجوس الهدايا للمسيح الطفل المحفوظة بالناشونال جاليري في واشنطن. بدأها أنجيليكو وأتمها من بعده فرا فيليبو. وباتت تعد من خوارق الأعمال الفنية! فصف الصبية العرايا المطل على موكب المجوس يشي بالعناية بدقة تفاصيل الجسد البشري الذي شغل المصورين الفلورنسيين إلى أن بلغ ذروته في عرايا ميكلانجلو. وظل الفن الفلورنسي نصف قرن كامل واقعًا تحت تأثير هذين الراهبين. (عامر) وسمعت أن في اللوحة تفصيلة رمزية مميزة؟ (محمد) نعم، الطاووس البديع الرابض فوق مسنم المزود. فالطاووس في الفن المسيحي رمز للخلود وفقًا للأسطورة الشائعة بأن لحمه لا يلحقه العفن. والنقوش على ذيله التي تبدو كأنها مئة عين ترمز إلى الكنيسة التي لا تخفى عليها خافية. (عامر) وماذا عن تصويره للطبيعة؟ (محمد) لم يكن أول فنان إيطالي عني بتصوير المشاهد الخلوية فحسب. بل كان أول من بث في روعنا الإحساس بجمال الطبيعة ورونقها. فنحس نضارة الربيع في تصويره لأزهار البيئة التوسكانية. أزهار لم يختلف علماء النبات على دقتها ومطابقتها للحقيقة في لوحة دفن جسد المسيح. (عامر) هكذا كان الأخ الملاك إذن. راهب عجز عن رسم الشر فرسم الجنة. (محمد) فنان وقف بقدم في العصور الوسطى وقدم في عصر النهضة. ورسام حوّل الإيمان إلى ألوان وردية وزرقاء وذهبية ما زالت تعيد إلى النفس صباها بعد ستة قرون. (عامر) فهل الفن العظيم يحتاج إلى شيء أكثر من قلب صاف يرى الوجود بلا شر؟ (محمد) ربما كان فرا أنجيليكو هو الإجابة.

  41. 10

    حوار: صقلية.. حين كادت إيطاليا أن تصبح عربية

    (محمد) هل تعلم يا عامر أن روما نفسها، عاصمة المسيحية في الغرب، دفعت الجزية للمسلمين ذات يوم؟ (عامر) روما تدفع الجزية؟ هذا أمر يثير الدهشة حقا! كيف حدث ذلك؟ (محمد) نعم، لقد اضطر البابا في عام ثمانمئة وستة وسبعين إلى دفع خمسة وعشرين ألف منقوص سنويا حتى يكف العرب عن الإغارة على مدينته. وقصتنا اليوم عن قرن كامل كادت فيه إيطاليا أن تصبح ملكا للعرب. (عامر) فمن أين تبدأ هذه الحكاية؟ (محمد) تبدأ بعد فتح الشام ومصر. أدرك زعماء الإسلام حقيقة بسيطة لكنها حاسمة: لا يمكن الدفاع عن سواحل بلادهم من غير أسطول. وسرعان ما تحركت سفنهم الحربية فاستولت على قبرص ورودس، وهزمت العمائر البيزنطية في عامي ستمئة واثنين وخمسين وستمئة وخمسة وخمسين. (عامر) وهل توقفت الفتوحات عند ذلك الحد؟ (محمد) بل توالت! قورسقة في عام ثمانمئة وتسعة، وسردينية في العام التالي، وكريت في ثمانمئة وثلاثة وعشرين، ومالطة في ثمانمئة وسبعين. لكن الجائزة الكبرى كانت صقلية! (عامر) صقلية؟ حدثني عنها. (محمد) في عام ثمانمئة وسبعة وعشرين بدأ النزاع القديم بين بلاد اليونان وقرطاجنة من جديد. وأرسل الأغالبة، أمراء القيروان، الحملة تلو الحملة. فسقطت بالرم في عام ثمانمئة وواحد وثلاثين، ثم مسينا، ثم سرقوسة، ثم تارمينا في عام تسعمئة واثنين. (عامر) وماذا حدث حين ورث الفاطميون ملك الأغالبة؟ (محمد) ورثوا معه الجزيرة. وعندما نقلوا عاصمتهم إلى القاهرة، أعلن واليهم حسين الكلبي نفسه أميرا عليها، وأسس الأسرة الكلبية التي بلغت في عهدها الحضارة الإسلامية في صقلية ذروة مجدها. (عامر) ومن صقلية تطلعوا إلى إيطاليا نفسها، أليس كذلك؟ (محمد) بالضبط! تخيل معي المشهد: في عام ثمانمئة وأربعة وستين نزل ألف ومئتان من المسلمين في أوستيا، وزحفوا حتى أشرفوا على أسوار روما ذاتها! نهبوا ضواحي المدينة وكنيستي القديسين بطرس وبولس، ثم عادوا على مهل إلى سفنهم. على مهل... وكأن أحدا لا يجرؤ على اعتراضهم. (عامر) فماذا فعلت روما إزاء هذا الخطر؟ (محمد) رأى البابا ليو الرابع أن السلطة المدنية عاجزة عن الدفاع، فأخذ المهمة على عاتقه. عقد حلفا بين روما وأملفي ونابلي وجيتا، ومد سلسلة في عرض نهر التيبر ليمنع العدو من اجتيازه. وحين حاول العرب مرة أخرى الاستيلاء على عاصمة المسيحية في عام ثمانمئة وتسعة وأربعين، قابلهم الأسطول الإيطالي المتحد بعد أن باركه البابا وهزمهم. وقد صور الفنان رفائيل منظر هذه الواقعة في قصر الفاتيكان. (عامر) لكن هل انقطعت الغارات بعد تلك الهزيمة؟ (محمد) لا، ظلت إيطاليا الوسطى جيلا كاملا يغشاها جو من الخوف والفزع. ففي عام ثمانمئة وأربعة وثمانين أحرق المسلمون دير مونتي كاسينو العظيم ودمروه عن آخره. ولم تنته هذه الحقبة إلا حين اجتمعت قوات البابا وإمبراطوري بيزنطية وألمانيا ومدن إيطاليا، وهزمت العرب على نهر كرجليانو عام تسعمئة وستة عشر. (عامر) مئة عام كاملة كادت فيها إيطاليا أن تسقط! وماذا يقول المؤرخون في ذلك؟ (محمد) يتأمل المؤرخ فيقول إن روما لو سقطت لزحف المسلمون على البندقية، ولو استولوا عليها لأطبقت على القسطنطينية قوتان إسلاميتان عظيمتان. ترى إلى أي حد تتعلق مصائر الناس بنتائج الحروب ومصادفاتها؟ (عامر) وبينما كانت الحروب تشتعل، ماذا كان يجري في صقلية؟ (محمد) كانت تزدهر! في شوارع بالرم اختلط الصقليون واليونان واللمبارد. وشاهد الجغرافي ابن حوقل حوالي عام تسعمئة وسبعين نحو ثلاثمئة مسجد وثلاثمئة من معلمي المدارس. وأحسن العرب المهرة تنظيم الأحوال الاقتصادية، فأضحت بالرم ثغرا تجاريا عظيما بين أوروبا المسيحية وأفريقية الإسلامية، وصارت من أغنى المدن في بلاد الإسلام. (عامر) وأي حياة كانت تلك؟ (محمد) يصف الشاعر الصقلي ابن حمديس ساعات المتعة والمرح حتى منتصف الليل، والفتيات المغنيات يدغدغن العود بأصابعهن اللطيفة ويرقصن كأنهن الأقمار الساطعة فوق الأغصان اللدنة. وكان في الجزيرة آلاف من الشعراء، وعلماء لأن في بالرم جامعة، وأطباء عظام أثر طبهم تأثيرا ذا بال في مدرسة سالرنو الطبية. (عامر) ثم جاء النورمان، أليس كذلك؟ (محمد) نعم، ففتحوا صقلية بين عامي ألف وستين وألف وواحد وتسعين. وفخر الكونت روجر بأنه سوى بالأرض المدائن والقلاع والقصور العربية. لكن هل يمكن محو حضارة كاملة؟ (عامر) يبدو أن الجواب لا! (محمد) بالفعل، لقد كان نصف ما امتازت به صقلية النورمانية من البهاء والعظمة صدى لعهدها العربي الزاهر. وبقي الطراز المعماري الإسلامي شاهدا على قصر لازيزا وعلى سقف كابلا بلاتينا، حيث زين المزار المسيحي بالنقوش العربية الإسلامية. (عامر) وهكذا يعلمنا التاريخ درسه الخالد. الجيوش تأتي وتذهب، والأسوار تبنى وتهدم، لكن الحضارة حين تزرع جذورها في أرض تبقى آثارها حية حتى في قصور من هزموها. (محمد) وربما كان أجمل ما في القصة أن نقوشا عربية ما زالت تزين معبدا مسيحيا في قصر ملوك نورمان. فهل هناك شهادة أبلغ من هذه على أن الحضارات تتحاور حتى وهي تتحارب؟

  42. 9

    حوار: من رماد الهزيمة: نداءٌ أيقظ أمة

    (محمد) تخيّل معي قارةً بأكملها تحبس أنفاسها. إمبراطور عاد مهزومًا من ثلوج روسيا، وشعوبٌ كانت خاضعة له بالأمس تشحذ سيوفها اليوم! (عامر) نعم، إنها لحظة فارقة في التاريخ. ففي الثامن عشر من ديسمبر سنة ألف وثمانمئة واثني عشر، وفي اليوم نفسه الذي وصل فيه نابليون المهزوم إلى باريس، كان القيصر إسكندر يغادر سان بطرسبرج متجهًا غربًا. رجلان يتحركان في اتجاهين متعاكسين، وبينهما مصير أوروبا كلها. (محمد) وكيف كان حال أوروبا حينها يا عامر؟ (عامر) كانت أوروبا كلها متوترة، تعود القهقرى إلى انقسامات القرن الثامن عشر. أهل ميلان يتفجعون على أبنائهم الذين استدعاهم نابليون لغزو روسيا ولم يعودوا أبدًا. وأهل روما يدعون لعودة البابا الصبور الأسير المهان في فونتينبلو إلى كرسيه الرسولي. (محمد) والنمسا وبروسيا؟ (عامر) النمسا الممزقة كانت تنتظر ميترنيخ ليحررها ببراعته الدبلوماسية من تحالف مفروض عليها مع عدوها التقليدي فرنسا. أما بروسيا فقد جُرّدت من نصف أراضيها ونصف مواردها، وها هي ترى عدوها وناهبها وقد مزقته كارثة مروعة. لقد حانت الفرصة التي طالما تمنوها. (محمد) لكن هل تعلم كم كلّف النصر روسيا نفسها؟ (عامر) ثمنٌ باهظ حقًا. حين وصل إسكندر إلى فيلينا في الثالث والعشرين من ديسمبر ليشارك كوتوزوف وجيشه الاحتفال، كان هذا الجيش قد فقد مئة ألف قتيل وخمسين ألف جريح وخمسين ألفًا بين هارب ومفقود. (محمد) وكيف تعامل إسكندر مع قائده كوتوزوف؟ (عامر) هنا المفارقة! امتدحه علنًا، لكنه تشكك في قيادته في مجالسه الخاصة، حتى إنه قال للسير روبرت ويلسون إن كوتوزوف كان يُقاد بحكم الظروف، وإنه انتصر رغم أنفه. ومع هذا منح المقاتل المرهق أعلى الأوسمة العسكرية الروسية، وسام الصليب الكبير لجماعة القديس جورج العسكرية. (محمد) وماذا فعل إسكندر بعد ذلك؟ (عامر) كان إسكندر، بسبب تحقق نبوءته، مقتنعًا بأنه ملهم من السماء. فتولى القيادة العليا بنفسه، وواصل طريقه على طول نهر النيمن إلى تورجن، حيث سمح الجنرال البروسي يورك فون فارتنبورج للروس بعبور النهر إلى بروسيا الشرقية في الثلاثين من ديسمبر. وأعلن القيصر العفو العام عن كل البروس الذين سبق أن حاربوه. (محمد) وكيف استقبله الناس؟ (عامر) تقدّم عبر بروسيا الشرقية والناس يحيونه صائحين: إسكندر طويل العمر، حياة مديدة للقوزاق! وفي السابع من فبراير سنة ألف وثمانمئة وثلاثة عشر، دخل وارسو دون مقاومة. وهكذا ماتت دوقية وارسو الكبيرة موتًا مبكرًا، وأصبحت بولندا كلها تابعة لروسيا. (محمد) فماذا عن بروسيا نفسها؟ (عامر) كان شعبها المعتز بنفسه، الذي لا يزال يتذكر فريدريك، قد طال انتظاره لهذه اللحظة. كانت الطبقات الوسطى ساخطة على الحصار القاري والضرائب المرتفعة، وكان المسيحيون بكل طوائفهم لا يثقون في نابليون ويدينون معاملته السيئة للبابا. (محمد) والملك فريدريك وليم الثالث؟ (عامر) كان ممزقًا بين النسر الفرنسي والدب الروسي، فانسحب من برلين إلى بريسلاو. لكن الأحداث فرضت عليه قراره. ففي السابع عشر من مارس أصدر نداءه الشهير: نداء إلى شعبي. ناشد فيه أهل براندنبورج وسيليزيا وبوميرانيا وليتوانيا أن يهبوا حاملين أسلحتهم، قائلًا إنها المعركة النهائية والحاسمة، وإنه ليس أمامهم بديل آخر: إما سلام مشرف وإما نهاية بطولية. (محمد) وهل استجاب الشعب للنداء؟ (عامر) هبّت كل الطبقات! أعلن رجال الدين الحرب المقدسة، وصرف المعلمون ومنهم فيشته وشليرماشر طلبتهم قائلين إن الوقت ليس وقت دراسة بل وقت عمل. ونحّى الشعراء أقلامهم جانبًا وامتشقوا الحسام، ومات بعضهم مثل ثيودور كورنر في المعركة. وفي حرب التحرير هذه وُلدت ألمانيا جديدة. (محمد) وكيف استعدت بروسيا عسكريًا؟ (عامر) أمر الملك بالتجنيد الإلزامي لكل الذكور بين السابعة عشرة والأربعين، فلما بدأ ربيع سنة ألف وثمانمئة وثلاثة عشر، كان لدى بروسيا ستون ألف رجل مدرب، إلى جانب خمسين ألفًا من الجيوش القادمة من روسيا. وبهؤلاء الجنود دخل إسكندر وفريدريك وليم المعركة التي كان عليها أن تقرر مصير نابليون وتكوين أوروبا. وتعهدت إنجلترا بمليوني جنيه إسترليني، وفتحت بروسيا موانئها للبضائع البريطانية التي تدفقت إلى المخازن على نهر الإلبه. (محمد) وهكذا انقلبت الآية تمامًا، أليس كذلك؟ (عامر) تمامًا. إسكندر انطلق ليحقق في تقدمه غربًا كل ما كان نابليون يريد تحقيقه في تقدمه شرقًا: أن يغزو بلاد العدو، ويهزم جيوشه، ويستولي على عاصمته، ويجبره على التخلي عن عرشه. إنها مفارقة التاريخ الكبرى: الغازي الذي لا يُهزم صار مطاردًا بالسلاح نفسه الذي رفعه على الآخرين. (محمد) فهل تُبنى الإمبراطوريات على شيء أهشّ من خوف الشعوب؟ (عامر) حين زال الخوف، وُلدت أمم جديدة من تحت الرماد.

  43. 8

    حوار: طروادة: حرب من أجل امرأة أم صراع على السلطان؟

    (محمد) أهلاً وسهلاً بكم مستمعينا الكرام في حلقة جديدة من بودكاستنا. معي اليوم صديقي عامر، وحديثنا اليوم عن واحدة من أعظم القصص التي عرفتها البشرية: حصار طروادة! (عامر) أهلاً بك يا محمد. وقبل أن نبدأ، دعني أطرح السؤال الذي طرحه المؤرخ هيرودوت نفسه منذ آلاف السنين: هل يصدق أحد أن الطرواديين حاربوا عشر سنين كاملة من أجل امرأة واحدة؟ (محمد) سؤال وجيه فعلاً. لكن السؤال الأهم يبقى معلقاً: هل حوصرت طروادة بحق؟ (عامر) الجواب مدهش يا محمد! كل مؤرخ يوناني وكل شاعر يوناني وكل سجل في معبد يوناني تقريباً يسلم بلا جدال بأن طروادة حوصرت. بل إن علم الآثار كشف لنا عن المدينة المخربة عدة مرات! (محمد) وهناك أدلة أخرى، أليس كذلك؟ (عامر) بلى. هناك نقش مصري خلفه رمسيس الثالث يذكر أن الجزائر كانت قلقة مضطربة حوالي عام ألف ومائة وستة وتسعين قبل الميلاد. أما العالم الإسكندري العظيم إراتوستينس فقد أرجع تاريخ الحصار إلى عام ألف ومائة وأربعة وتسعين قبل الميلاد، مستنداً إلى الأنساب المتواترة التي نسقها المؤرخ الجغرافي هكتيوس في أواخر القرن السادس قبل الميلاد. (محمد) حسناً، لكن لماذا اشتعلت هذه الحرب أصلاً؟ (عامر) الروايات القديمة تتحدث عن اختطاف النساء. فالفرس والفينيقيون واليونان يقولون إن أربعاً من النساء الحسان اختطفن من بلادهن. المصريون اختطفوا إيو من أرجوس، واليونان اختطفوا أوروبا من فينيقية وميديا من كلكيز. أليس من الإنصاف والحالة هذه أن يختطف باريس هيلين؟ (محمد) لكن هناك من شكك في ذهاب هيلين إلى طروادة أصلاً! (عامر) صحيح! بعض الشعراء مثل استسيكورس في سنيه الأخيرة، ومن بعده هيرودوت ويوربيديز، أبوا أن يعترفوا بأن هيلين ذهبت إلى طروادة أصلاً. قالوا إنها ذهبت إلى مصر مكرهة وأقامت فيها اثنتي عشرة سنة حتى جاءها منلوس. (محمد) إذن ما الحقيقة الأعمق وراء هذه الحرب؟ (عامر) الحقيقة شيء آخر تماماً. الحرب في جوهرها لم تكن إلا نزاعاً بين طائفتين تتنازعان السيطرة على مضيق الهسبنت والأراضي الغنية المحيطة بالبحر الأسود. احتشدت أمم اليونان الصغيرة لمساعدة أجممنون، بينما أرسلت شعوب آسيا الصغرى العون بعد العون لطروادة. (محمد) وكانت بداية لصراع طويل، أليس كذلك؟ (عامر) نعم، كانت هذه الحرب بداية كفاح طويل تجدد بعدها في ماراثون وسلاميس وعند تور وغرناطة وعند ليبنتو وفيينا. فما أقدم الأسباب الحديثة التي تبرر بها الرغبة في القوة والسلطان. (محمد) وهنا تأتي الإلياذة. نحن نعلم أن الحرب بشعة وأن الإلياذة جميلة. (عامر) صحيح أن تركيبها مهلهل، وأن القصص فيها متناقض تارة وغامض تارة أخرى. لكن كمال كل جزء على حدته يعوض ما في مجموعها من اضطراب. (محمد) صف لنا المشهد يا عامر! (عامر) تخيل معي. اليونان في مستهل القصيدة قضوا تسع سنين في الحصار دون أن يظفروا بطروادة. غلبهم اليأس والحنين إلى الوطن وفتك بهم المرض. ثم يشتعل الخلاف الكبير حين يرغم أجممنون الحسناء بريسيس على أن تفارق أكليز، فيغضب البطل ويقسم أنه لن يمد هو أو جنوده يداً لمساعدة اليونان. (محمد) ووسط هذا كله يأتي مشهد مؤثر جداً... (عامر) نعم، أحد أرق المشاهد في الأدب كله. البطل الطروادي هكتر يودع زوجته أندروماكا قبل عودته إلى القتال. تخاطبه بصوت رقيق قائلة: حبيبي، إن بسالتك ستؤدي إلى هلاكك. إنك لا ترحم طفلك ولا ترحمني أنا التي سأكون عما قريب أرملة. (محمد) وماذا يرد عليها؟ (عامر) يرد عليها بأنه يعلم حق العلم أن مآل طروادة هو السقوط، لكنه مع هذا لن يحجم عن القتال. ويصرخ ابنه الطفل مرتاعاً حين يبصر الريش يتماوج في خوذة أبيه، فيرفع البطل خوذته ويضحك ويبكي ويصلي للطفل الحائر المندهش. ثم يتخذ طريقه إلى المعركة. (محمد) وتتصاعد المأساة بعد ذلك. (عامر) يقتل هكتر بتركلوس حبيب أكليز، فيصمم أكليز آخر الأمر على القتال. ويولي الطرواديون الأدبار منه جميعاً عدا هكتر وحده. يطارده أكليز حول أسوار طروادة ثلاث مرات، ثم يقف هكتر ليلاقي عدوه فيخر صريعاً. ويجر أكليز جثته خلف مركبته. (محمد) لكن القصة لا تنتهي بالوحشية! (عامر) لا، فحين يقبل الملك الشيخ بريام بموكبه وحزنه يرجو أن يسمح له بجثة ولده، يرق قلب أكليز له ويرضى بعقد هدنة تدوم اثني عشر يوماً، ويعود الملك بجثة ولده إلى طروادة. (محمد) وهكذا ينتهي هذا الفصل من قصة الحضارة. حرب قيل إنها اشتعلت من أجل امرأة، لكنها كانت في حقيقتها صراعاً على الطرق والثروة والسلطان. (عامر) وقصيدة رغم عيوبها الصغرى لا تقل في مستواها عن مسرحيات التاريخ العظمى، ولعلها لا تقل عن مستوى التاريخ نفسه. فالفن قد يأخذ الرعب ويطهره بما يخلعه عليه من معنى وشكل ظريف. (محمد) وربما هذا هو الدرس الأبقى. أن الحرب تفنى وتمضي، لكن القصة الجميلة تعيش آلاف السنين. شكراً لكم مستمعينا الكرام، وإلى اللقاء في حلقة قادمة.

  44. 7

    ليس للشيطان حق في كل الألحان الجيدة

    عنوان: عندما غنّى الشعب لأول مرة — ثورة الموسيقى في الإصلاح الديني تخيّل أنك تدخل كنيسة في العصور الوسطى. الكاهن يرتل بلغة لا تفهمها. فرقة المنشدين معزولة عنك تماما. وأنت؟ مجرد متفرج صامت في طقس غامض لا يحق لك المشاركة فيه. ثم فجأة يتغير كل شيء. يصبح الغناء حقك أنت. صوتك أنت. هذه ليست مجرد قصة عن الموسيقى. هذه قصة ثورة كاملة. كان الإصلاح الديني ثورة في الموسيقى بقدر ما كان ثورة في اللاهوت والطقوس وعلم الأخلاق والفن. فالطقوس الكاثوليكية كانت أرستقراطية. شعائر فخمة متأصلة في تقاليد منيعة لا تُنتهك حرمتها. متعالية تعاليا صريحا عن الشعب في اللغة والملابس والرموز والموسيقى. وبهذه الروح عرّف رجال الدين أنفسهم بأنهم الكنيسة. وذهبوا إلى أن الناس قطيع يُساق إلى حسن الخلق والخلاص بالخرافات والأساطير والعظات والمسرحيات وكل الفنون. كان القداس سرا خفيا مقصورا فهمه على فئة قليلة. اتصالا خارقا بين الكاهن والرب. ثم جاء الإصلاح الديني. فرضت الطبقات الوسطى وجودها وحقوقها. وأصبح الشعب هو الكنيسة ورجال الدين ممثليه. وصار القداس باللغة الوطنية. وكان لا بد أن تكون الموسيقى واضحة مفهومة يقوم فيها المصلون بدور فعال. دور أصبح في آخر الأمر قياديا. وهنا يظهر رجل أحب الموسيقى حبا عميقا. مارتن لوثر. لقد قدّر فن تعدد الأصوات والطباق الموسيقي. وفي عام ألف وخمسمائة وثمانية وثلاثين كتب متحمسا يقول إذا شحذ الفن الموسيقى الطبيعية وصقلها يبدأ الإنسان يدرك في عجب ودهشة حكمة الله العظيمة البالغة حد الكمال في موسيقاه الرائعة حيث يقوم صوت واحد بدور بسيط ويغني حوله ثلاثة أو أربعة أو خمسة أصوات أخرى تثب وتنطلق هنا وهناك تزين الدور البسيط وكأنها رقصة تربيعية في السماء. بل ذهب أبعد من ذلك فقال إن من لا يجد في هذا معجزة تفوق الوصف من عند الله ليس إلا غبيا حقيرا لا يستحق أن يُعتبر إنسانا. وفي عام ألف وخمسمائة وأربعة وعشرين تعاون لوثر مع جوهان والتر رئيس فرقة المنشدين لدى الأمير فردريك الحكيم لإنتاج أولى التراتيل البروتستانتية. من أين جاءت كلماتها؟ جزء من الترانيم الكاثوليكية. وجزء من أغاني رئيس فرقة المنشدين. وجزء بقلم لوثر الشاعري تقريبا. وجزء رابع مأخوذ من الأغاني الشعبية بعد نقلها إلى موضوعات دينية. نعم. الأغاني الشعبية نفسها. ولوثر لم يجد في ذلك حرجا. بل قال عبارته الشهيرة ليس للشيطان حق في كل الألحان الجيدة. واستمرت الكنائس اللوثرية لمدة قرن تقريبا تُدخل القداسات المتعددة الأصوات في طقوسها. لكن التحول كان يسير في اتجاه واضح. حلت اللغة الوطنية محل اللاتينية شيئا فشيئا. نقص دور القداس وزاد غناء المصلين. وانتقلت الموسيقى من الطباق إلى شكل إيقاعي أيسر تسعى فيه إلى متابعة الكلمات وتفسيرها. ومن هذه الموسيقى التي ألفها لوثر ومعاونوه لمصاحبة تلاوة قصص الإنجيل جاءت الموسيقى العظيمة في الكنيسة البروتستانتية في القرن الثامن عشر. وبلغت الذروة في موشحات هاندل وقداساته وموشحات جوهان سباستيان باخ وتراتيله. لكن هل أحب كل مؤسسي البروتستانتية الموسيقى مثل لوثر؟ أبدا. فزونجلي رغم أنه كان هو نفسه موسيقارا استبعد الموسيقى كلية من الصلوات الدينية. وحرّم كلفن كل الموسيقى الكنسية فيما عدا غناء المصلين المتساوي النغمات. لكنه أباح الغناء الطباقي المتعدد الأصوات في البيت. وهنا مفارقة مدهشة. فقد استمد أتباعه الهيجونوت في فرنسا جزءا من قوتهم وشجاعتهم من إنشاد المزامير والترانيم بأصوات متعددة. ولما ترجم كليمنت مارو المزامير إلى الفرنسية شعرا أُعجب بها كلفن إلى حد أنه تجاوز عن المقطوعات الطباقية التي وضعها كلود جوديمل. وقد أضفت حقيقة أن هذا الملحن البروتستانتي لقي حتفه في مذبحة سانت برثلميو مزيدا من القدسية على كتاب مزاميره. حتى إن أسقفا كاثوليكيا لم يخف حسده للدور الذي لعبته هذه الترجمات والمقطوعات في الإصلاح الديني الفرنسي. وكان حفظ المزامير عن ظهر قلب لدى الهيجونوت سمة طائفتهم. وفي المدن التي يكثرون فيها كانت النغمات تُسمع من أفواه العمال. وفي القرى من أفواه الكادحين الذين يفلحون الأرض. فكّر في هذا للحظة. موسيقى كانت حكرا على فئة قليلة أصبحت في أفواه الفلاحين والعمال. لقد ميزت الصبغة الديمقراطية التي صبغت بها الموسيقى الدينية البلاد التي عمّ فيها الإصلاح الديني. وسترت هذه الصبغة قيام العقيدة ببهجة الموسيقى التي تسري عن النفس. فحين يغني الشعب بلغته وبصوته لا يكون ذلك مجرد فن. بل يكون إعلانا بأن الإيمان صار ملكا للجميع.

  45. 6

    حوار: حين تحررت التماثيل من صمتها — قصة النحت اليوناني

    (محمد) مرحبا بكم أعزاءنا المستمعين في حلقة جديدة من بودكاستنا. معي اليوم صديقي عامر، وسنروي لكم قصة مدهشة حقا... قصة حين تحررت التماثيل من صمتها. (عامر) أهلا بك يا محمد! وهي فعلا قصة تستحق أن تُروى. تخيل معي تمثالا يقف أمامك منذ قرون، ساقاه مشدودتان، وذراعاه ملتصقتان بجانبيه، وعيناه لوزيتان جامدتان لا تنظران إلى شيء. (محمد) هكذا كانت التماثيل اليونانية في بداياتها إذن؟ ثم حدث شيء عظيم كما فهمت... تحركت الساقان، وانفتحت اليدان، ونبض الحجر بالحياة! فكيف حدث هذا الانقلاب؟ (عامر) تبدأ الحكاية حوالي عام ستمائة وستين قبل الميلاد، حين استوطن اليونان غرب آسيا وفُتحت مصر للتجارة اليونانية، فدخلت أشكال الشرق الأدنى ومصر وأساليبهما إلى أيونيا وبلاد اليونان الأوربية. (محمد) وماذا بعد ذلك؟ (عامر) حوالي عام خمسمائة وثمانين، استُدعي مثّالان كريتيان هما دبوئينوس وسيلوس إلى سكيون وأرجوس لمهمة فنية. ولما غادرا، لم يتركا تماثيل فحسب، بل تركا تلاميذ أيضا. ومن ذلك الحين نشأت مدرسة قوية للنحت في بلاد البلوبونيز. (محمد) فما الذي كان يصنعه هؤلاء المثّالون؟ (عامر) كانوا يخلدون الموتى، أولا بأعمدة بسيطة، ثم برؤوس تماثيل على قواعد، ثم بتماثيل كاملة ولوحات جنائزية. وكانوا يصنعون تماثيل للفائزين في الألعاب الرياضية، وتماثيل للآلهة يخطئها الحصر، بفضل خيال اليونان الحي الخصيب. (محمد) وما المادة التي كانوا يستخدمونها في النحت؟ (عامر) كان الخشب هو المادة الأساسية حتى القرن السادس قبل الميلاد. ويشهد على ذلك صندوق سبسيلوس طاغية كورنثة، الذي يقول بوزنياس إنه صُنع من خشب الأرز المطعم بالعاج والذهب. ولما زاد الثراء، غُطيت التماثيل الخشبية بالمواد الثمينة، وبهذه الطريقة صنع فيدياس تماثيله الذهبية والعاجية لأثينة بارثنوس ولزيوس الأولمبي. (محمد) وماذا عن البرونز؟ (عامر) البرونز ظل ينافس الحجر حتى آخر عصر اليونان الزاهر. ورغم أن العدو صهر أكثر التماثيل البرونزية، بقي لنا تمثال سائق العربة المحفوظ في متحف دلفي من حوالي عام أربعمائة وتسعين قبل الميلاد، شاهدا على إتقان يقارب الكمال في صناعة التماثيل المجوفة. (محمد) ولكن هنا يأتي السؤال المحير يا عامر... لماذا كانت كل هذه التماثيل جامدة متشابهة؟ (عامر) لقد ظل أثر المصريين والآسيويين قويا، فجاءت التماثيل ثقيلة خالية من الرشاقة، الساقان مشدودتان، والوجه ثابت لا يتغير، خال من الحركة والعاطفة. وكانت تُصنع دائما متجهة بوجهها نحو الناظر، متناسبة الجانبين بدقة عجيبة، حتى لو رسمت خطا عموديا في وسطها لمر في منتصف الأنف والفم لا يحيد قيد شعرة! (محمد) وما سبب هذا الجمود؟ (عامر) لعل العرف هو السبب. فقد كان قانون الألعاب اليونانية يحرم على الفائز أن يُصنع له تمثال إلا إذا فاز في جميع مباريات الألعاب الخمس، لأن الفائز فيها جميعا هو وحده صاحب النمو الجثماني المتناسق. أضف إلى ذلك سيطرة العرف الديني على تمثيل الآلهة. (محمد) إذن اقتصر المثّال اليوناني على أنماط محددة؟ (عامر) نعم، نمطان أتقنهما، الشاب العاري ذو اليدين المقبوضتين والوجه الصارم، والعذراء المصففة الشعر تمسك ثوبها بيد وتقرب القربان للآلهة باليد الأخرى. وقد ظل المؤرخون يسمون تماثيل الشبان أبلو، ولكنها كانت في أغلب الظن تماثيل رياضيين أو تماثيل جنائزية. أما تماثيل العذارى، فأجسامهن رشيقة هيفاء، ووجوههن تعلوها ابتسامة ظريفة أشبه بابتسامة موناليزا. (محمد) ومع ذلك، أحدث اليونان تجديدا مبكرا، أليس كذلك؟ (عامر) بلى! فقد كان يونان أيونيا أول من عرفوا فوائد جعل الثياب عنصرا من عناصر النحت. فبينما كانت الأثواب في مصر والشرق الأدنى جامدة كمئزر حجري يخفي الجسم، أدخل المثّالون اليونان في القرن السادس الثنايا في الأقمشة، واستخدموا الثياب للكشف عن مصدر الجمال الأول، وهو الجسم البشري الصحيح السليم. (محمد) وهل تعلم كيف نشأ فن النقش البارز؟ أخبرنا يا عامر. (عامر) تروي قصة ظريفة أن فتاة من كورنثة رسمت على جدار ظل رأس حبيبها الذي ألقاه ضوء مصباح، فجاء أبوها بوتاديس، وكان فخرانيا، فملأ الخطوط بالصلصال وضغطه ثم حرقه. ويؤكد بلني أن هذه هي الطريقة التي نشأ بها النقش القليل البروز. وقد صنع أرسطاطاليس نقشا جنائزيا لأرستيون عام خمسمائة وعشرين قبل الميلاد، وهو تحفة محفوظة في متحف أثينة. (محمد) ثم جاءت اللحظة الفاصلة! (عامر) نعم! ففي عهد الطغاة، وبخاصة عهد ببسستراتس وهبياس في أثينة، بدأ الجمود القديم يزول شيئا فشيئا. قُضي على قاعدة نحت التماثيل مواجهة لناظرها، وأخذت الساقان تتحركان، والذراعان تبتعدان عن الجانبين، واليدان تنفتحان، والوجه ينم عن الإحساس والأخلاق، والجسم ينثني في أوضاع تكشف عن دراسات جديدة في التشريح والحركة. (محمد) كان هذا الانقلاب حادثا خطيرا في تاريخ اليونان إذن. (عامر) بالفعل، وكان التحرر من المواجهة في التماثيل من أجلّ أعمال اليونان الفنية. ومن ذلك الحين، نبذ الفن اليوناني تأثير المصريين والشرقيين، وأصبح فنا يونانيا خالصا. (محمد) هكذا تعلمنا هذه القصة درسا خالدا، أن الفن العظيم لا يولد كاملا، بل يتحرر ببطء من قيوده، حتى تنبض الحجارة نفسها بالحياة. شكرا لك يا عامر، وشكرا لكم أعزاءنا المستمعين، إلى اللقاء في حلقة قادمة.

  46. 5

    حوار: كريت المدهشة — حضارة سبقت اليونان بألف عام

    (محمد) هل تعلم يا عامر أن أقدم دور التمثيل في التاريخ لم تكن في أثينا؟ (عامر) حقًا؟ وأين كانت إذن؟ (محمد) في جزيرة صغيرة اسمها كريت! دور بُنيت قبل ملهى ديونيسيوس الشهير بألف وخمسمائة عام. (عامر) ألف وخمسمائة عام؟! هذا مذهل حقًا! (محمد) نعم سمعت جيدًا. ألف وخمسمائة عام كاملة. دعنا نأخذ المستمعين في رحلة إلى واحدة من أكثر الحضارات غموضًا وإبهارًا في التاريخ القديم. (عامر) ولنبدأ من أصعب لغز يواجهنا في حضارة الكريتيين... لغتهم. فالكريتي حين استخدم الحروف الهجائية اليونانية بعد غزو الدوريين لبلاده، كان يدوّن بها كلامًا يختلف كل الاختلاف عن اليونانية المعروفة. (محمد) وبماذا كانت أقرب شبهًا؟ (عامر) بلغات الشرق الأدنى المصرية والقبرصية والحبشية والأناضولية. وقد بدأ الكريتيون بالرموز التصويرية، ثم حوالي عام ألف وثمانمائة قبل الميلاد اختصروا هذه الرموز إلى نحو تسعين علامة مقطعية. (محمد) وبعد مائتي عام استنبطوا نوعًا آخر من الكتابة تشبه علاماته الحروف الفينيقية. ولعل الفينيقيين جمعوا منه ومن المصريين والساميين تلك الحروف التي نشروها في جميع بلاد البحر الأبيض المتوسط، فأصبحت الأداة الفعالة في الحضارة الغربية. (عامر) تخيّل ذلك... ربما تعود جذور الأبجدية التي نعرفها إلى هذه الجزيرة! (محمد) وماذا عن علومهم يا عامر؟ (عامر) كان الكريتي على علم بشيء من الفلك، فقد اشتهر بأنه ملاح ماهر. وتقول الرواية إن الدوريين أخذوا التقويم عن المينويين. بل إن المصريين أنفسهم يعترفون بأنهم مدينون للكريتيين ببعض الوصفات الطبية. (محمد) وأخذ عنهم اليونان أعشابًا عطرية وطبية كالنعناع والشيخ الرومي، وعقارًا يقال إنه يشفي البدانة من غير حاجة إلى الاقتصاد في الطعام! (عامر) عقار يشفي البدانة دون حمية! والآن إلى الفن، وهنا يتألق الكريتي حقًا. (محمد) صحيح، فهو لم يخلّف لنا مبانيَ ذات أبهة وفخامة، بل وجد اللذة فيما تمتاز به الفنون الصغيرة من دقة. برع في صناعة الفخار وقطع الجواهر وصياغة الذهب والفضة. وبلغت صناعة الفخار ذروة مجدها بين عامي ألفين ومائة وألف وتسعمائة وخمسين قبل الميلاد. (عامر) وفي كهف كمارس على جبل إيدا وُجدت آنية رقيقة الجدران لا يزيد سمك جدرانها على ملليمتر واحد. ملليمتر واحد فقط! (محمد) وكان الصانع يوقّع باسمه على ما يصنع، ويحرص أهل البحر المتوسط على اقتناء مصنوعاته. بل صنع نقوشًا لحيوانات بحرية تكاد تكون هي والحيوانات الحقيقية سواء بسواء. (عامر) حتى إن إيفنز رأى سرطانًا بحريًا من المينا فظنه سرطانًا متحجرًا! (محمد) لكن أكثر ما يستلفت النظر في كريت القديمة هو تصويرها. فقد أبقت الزلازل والحروب على روائع من عصر بلغ من القدم حدًا سقط من ذاكرة اليونان الأقدمين أنفسهم. (عامر) نرى الرسامين عام ألفين وخمسمائة قبل الميلاد يضعون على الجدران طبقة من الجير النقي، ويصورون على السطح المبلل بحركات سريعة قبل أن يجف. نقلوا إلى أبهاء القصور المظلمة جمال الحقول، فاستنبتوا الجص زنبقًا وسوسنًا ونرجسًا وبردقوشًا. (محمد) وفي إحدى الجداريات قطة متحفزة تستعد للهجوم على طائر مدلّ بنفسه ينشنش ريشه في الشمس. لوحة تنبض بالحياة بعد أربعين قرنًا! (عامر) ومن حق الكريتيين علينا أن نقول إن التصوير لم يمثل الطبيعة بمثل النضارة التي مثّلها بها التصوير الكريتي، مع جواز استثناء مصر القديمة وحدها. (محمد) وتتوّج هذه الفنون كلها في قصر كنوسس. قصر شُيّد حول فناء أوسط سعته عشرون ألف قدم مربعة، بثلاثة أطباق من البناء أو أربعة، تحتوي على حوانيت ومعاصر للخمر ومخازن ومكاتب وحجرة عرش ودار للتمثيل. (عامر) وأكبر الظن أن هذا القصر الفسيح هو قصر التيه الشهير، اللابيرنث، الذي يعزوه الأقدمون إلى ديدلوس. (محمد) والمدهش أن بناة كنوسس جهزوا القصر بنظام لصرف الماء والفضلات أرقى من كل نظام مماثل في التاريخ القديم! أنابيب من الصلصال المحروق، كل قسم منها بطول ثلاثين بوصة، مزود بشرك لحجز الرواسب، ومربوط بما يليه برباط محكم من الأسمنت. (عامر) وربما كان فيها جهاز يمد القصر بالماء الساخن. نعم، ماء ساخن، قبل آلاف السنين! (محمد) ثم ماذا حدث؟ (عامر) ضعفت التقاليد واضمحل الفن، وحلّ الإهمال محل الدقة والصقل. لكن ليس من حقنا أن نلوم الكريتيين، فهذا هو الموت الذي لا مفر منه، الذي لا بد أن يلاقيه الفن إذا بلغ سن الشيخوخة. (محمد) فيستغرق في سبات مدى ألف عام، ثم يولد من جديد ليبلغ الكمال في المزهريات الأتيكية. (عامر) وهكذا نكتشف أن الحضارة لا تولد من فراغ. فقبل أن تشرق شمس اليونان، كانت كريت قد أضاءت البحر المتوسط بفنونها وعلومها وقصورها. (محمد) حضارة رحلت، لكنها تركت بصمتها في كل ما جاء بعدها. (عامر) فهل نحن اليوم إلا امتداد لأولئك الصناع الذين وقّعوا بأسمائهم على أعمالهم قبل أربعة آلاف عام؟

  47. 4

    حوار: فيلسوف اللذة الذي بصق في وجه الغني

    (محمد) أهلًا بكم في حلقة جديدة! معي اليوم أياد، وسنتحدث عن فيلسوف غريب حقًا. أياد، هل تتخيل فيلسوفًا يقول إن اللذة هي أعظم فضيلة في الحياة؟ (أياد) فيلسوف يعلن ذلك صراحة؟ هذا مثير للدهشة فعلًا. (محمد) نعم! إنه أرستبوس، فيلسوف تعلّم على يد سقراط نفسه، ثم خرج ليعلن أن السعادة والمتعة الحسية هما الغاية القصوى للإنسان. (أياد) تلميذ سقراط يقول هذا؟ وسمعت أن له قصصًا عجيبة أيضًا. (محمد) صحيح، فهو الرجل الذي ابتسم حين بصق ملك في وجهه، ثم بصق هو نفسه في وجه رجل ثري وسط قصره الرخامي! (أياد) قصة غريبة فعلًا! لكن قبل أن نبدأ، حدثنا عن العصر الذي عاش فيه. (محمد) نحن في القرن الرابع، العصر الذهبي للفلسفة. لم يكن العلم قد تجاوز درجة وسطى من الرقي، لكن الفكر كان يشتعل. المفكرون الأوائل بسطوا آراء عامة في نظام الكون، ثم جاء السوفسطائيون فشكّوا في كل شيء عدا البلاغة. (أياد) وسقراط؟ (محمد) أثار آلاف الأسئلة ولم يجب عن واحد منها. ثم نبتت البذور التي زُرعت في مائتي عام، وصارت نظمًا عظيمة في ما وراء الطبيعة والأخلاق والسياسة. وكانت أثينة رغم فقرها قد أنشأت جامعات خاصة، فأضحت مدرسة هلاس وحاضرة بلاد اليونان الذهبية. (أياد) وماذا حدث بعد موت سقراط؟ (محمد) تفرّق تلاميذه وصاروا مركز عاصفة من الفلسفات الشديدة التباين. أقليدس الميغاري جعل من الجدل فنًا يرتاب في كل نتيجة منطقية. وتلميذه استلبون قال إن الحكمة ليست في بحوث ما وراء الطبيعة، بل في الحياة البسيطة. (أياد) استلبون هذا له قصة مشهورة، أليس كذلك؟ (محمد) بلى! حين سُئل بعد نهب مدينته ميغارا عن مقدار ما خسره، أجاب بأنه لم يكن يملك شيئًا غير المعرفة، وأن أحدًا لم يغتصبها منه. (أياد) يا لها من إجابة! ثروة لا يستطيع أحد سرقتها. لكن بطل قصتنا سلك طريقًا مختلفًا. (محمد) تمامًا. أرستبوس الظريف، وسيم الطلعة، دمث الأخلاق، بارع في الحديث. سافر بعد موت سقراط إلى مدن متفرقة، ثم ألقى عصا الترحال في قورينة، مدينته الأصلية على ساحل أفريقية. وهناك، وسط ثراء الطبقات العليا، تشكّلت فلسفته. (أياد) وما جوهر هذه الفلسفة؟ (محمد) قال إن كل ما نفعله إنما نفعله طمعًا في اللذة أو خوفًا من الألم، حتى إذا أفقرنا أنفسنا لخير أصدقائنا. فاللذة هي الخير الذي لا خير بعده، وكل ما عداها، حتى الفضيلة والفلسفة، يُحكم عليه حسب قدرته على توفير اللذة. والحاضر وحده هو الموجود. (أياد) لكن ألا يعني هذا العبودية للشهوات؟ (محمد) انتبه، هنا النقطة المهمة! فصاحب السلطان على اللذات عنده ليس الزاهد المتقشف، بل هو الذي يستمتع بها دون أن يكون عبدًا لها. ويعمل بقدر ما يستطيع ألا يكون سيدًا لإنسان ما أو عبدًا له. (أياد) وهنا تبدأ المفارقات المدهشة، أليس كذلك؟ (محمد) نعم! تحطمت به سفينة قرب رودس واشتد عليه الفقر، فذهب إلى مدرسة للتدريب الرياضي وأخذ يخطب فيها، فافتُتن به رجالها وقدموا له كل وسائل الراحة. فقال لهم إن الآباء يجب أن يسلحوا أبناءهم بثروة يستطيعون حملها معهم إلى البر إذا تحطمت بهم السفن. (أياد) يقصد المعرفة بالطبع! وماذا عن علاقته بالطغاة؟ (محمد) لم يكن يتردد في تملق الطغاة إذا أوصله ذلك إلى أغراضه. حين بصق دنيسوس الأول في وجهه، ابتسم وقال إن من واجب الصياد أن يتحمل أكثر من هذا الماء ليمسك بسمكة أصغر من التي أريدها. (أياد) وألم يلمه أحد على ذلك؟ (محمد) بلى، لامه صديق على ركوعه أمام دنيسوس، فأجابه بأنه ليس من عيبه أن تكون أذنا الملك في قدميه. وحين سأله دنيسوس لماذا يلازم الفلاسفة أبواب الأغنياء ولا يلازم الأغنياء مجالس الفلاسفة، أجاب بأن الأولين يعرفون ما يريدون، أما الآخرون فلا يعرفونه. (أياد) إجابة ذكية! لكن حدثنا عن قصة البصق في وجه الثري. (محمد) كان يحتقر من يطلبون المال لذاته. فلما أراه سيموس الفريجي الثري بيتًا جميلًا مفروشًا بالرخام، بصق في وجهه! ولما احتج عليه سيموس، اعتذر بأنه لم يجد بين ذلك الرخام كله مكانًا أليق من وجهه بالبصق عليه. (أياد) يا لها من جرأة! وكيف كانت نهايته؟ (محمد) في النهاية كشف عن حقيقته العميقة. فقد بجّل سقراط، وأحب الفلسفة، واعترف بأن أجلّ منظر في الحياة هو منظر الرجل الفاضل الذي يشق طريقه مطمئنًا واثقًا من نفسه بين الأنذال. وقال وهو على فراش الموت إن أعظم تراث يتركه لابنته أريتي هو أنه علّمها ألا ترى قيمة ما لشيء تستطيع أن تستغني عنه. (أياد) وماذا حدث لابنته؟ (محمد) خلفته في رئاسة مدرسة قورينة، وألّفت أربعين كتابًا، وحبتها مدينتها بقبرية مشرفة هي ضياء هلاس. (أياد) تأمل هذه النهاية. فيلسوف اللذة الذي قضى حياته يدعو للمتعة، تركت كلماته الأخيرة درسًا في الاستغناء. (محمد) ربما كانت هذه حكمته الحقيقية طوال الوقت: أن تستمتع بكل شيء، دون أن تكون عبدًا لأي شيء. إلى اللقاء في حلقة قادمة!

  48. 3

    حوار: عندما يشيخ اليوناني — قصة الحياة والموت في أثينا القديمة

    (محمد) هل تصدق يا أياد أن قادة عسكريين منتصرين في معركة أُعدموا لسبب واحد فقط؟ ليس لأنهم خانوا وطنهم، ولا لأنهم خسروا الحرب! (أياد) منتصرون ويُعدمون؟ هذا غريب حقًا! فما السبب إذن؟ (محمد) لأن عاصفة حالت بينهم وبين استعادة جثث موتاهم ودفنها. هذا ما حدث للقواد المنتصرين في أرجنوسي. (أياد) يا له من أمر عجيب... فما الذي يجعل شعبًا كاملًا يقدّس الموتى إلى هذه الدرجة؟ ولماذا كان اليوناني يخاف الشيخوخة أكثر مما يخاف الموت نفسه؟ (محمد) هذا ما سنكتشفه معًا. كان اليوناني يحب الحياة ويكره الشيخوخة ويندبها. لكن هذه الشيخوخة نفسها كان فيها ما يذهب ببعض أحزانها. (أياد) كيف ذلك؟ (محمد) فقد كان يعزي الشيخ الهرم أن يرى قبل أن يبلى جسمه حياته الجديدة في صورة أبنائه وأحفاده. فيخدع نفسه ويظنه مخلدًا. كأنه درهم بالٍ عاد إلى دار الضرب ليُصهر ويُسك من جديد. (أياد) يا لها من صورة بليغة! لكن هل كان الشيوخ يعيشون دائمًا في إكرام واحترام؟ (محمد) الحقيقة أن تاريخ اليونان يحمل أمثلة من إهمال الشباب للشيوخ وإساءة معاملتهم. والسبب أن المجتمع الأثيني كان مجتمعًا تجاريًا فردي النزعة، مجددًا غير محافظ. وكل هذه العوامل تجعله ينزع إلى عدم الشفقة على الشيوخ. (أياد) وماذا عن المجتمعات الأخرى؟ (محمد) أما احترام الكبار فكان من خصائص المجتمع الديني المحافظ مثل مجتمع أسبارطة. بل نجد في تاريخ الأثينيين أمثلة عدة لأبناء يستولون على ملك آبائهم في حياتهم وإن لم يثبت العته على هؤلاء الآباء. (أياد) وهل من قصة مشهورة في هذا الشأن؟ (محمد) نعم، قصة سفكليز الذي نجّى نفسه من هذا المصير. لم يكلفه الأمر أكثر من أن يقرأ للمحكمة التي تنظر في أمره فقرات من آخر مسرحية له! (أياد) عبقري حقًا! ومع ذلك، ألم يكن للشيوخ أي حماية؟ (محمد) بلى، فالشرائع الأثينية كانت تأمر الأبناء أن يعولوا آباءهم العجزة أو الطاعنين في السن. والرأي العام الذي يخشاه الناس على الدوام أكثر مما يخشون القانون كان يفرض على الشباب أن يبجلوا الكبار ويتواضعوا أمامهم. (أياد) وماذا قال الفلاسفة في هذا؟ (محمد) يرى أفلاطون أن من الأمور المسلّم بها أن يظل الشاب الحسن التربية صامتًا في حضرة الكبار إلا إذا طُلب إليه الكلام. (أياد) فإذا حانت منية الشيخ، ماذا يحدث؟ (محمد) تبدأ قصة أخرى. قصة الحرص الشديد على راحة روحه. فالجسم يجب أن يُدفن أو يُحرق. وإلا فإن الروح تهيم قلقة مضطربة حول العالم وتثأر لنفسها من أبناء الشيخ المهملين. قد تظهر في صورة طيف وتصيب النبات والإنسان بالأمراض والكوارث. (أياد) وأيهما كان أكثر انتشارًا، الدفن أم الحرق؟ (محمد) كان إحراق الموتى أكثر انتشارًا في عصر الأبطال، ودفنهم أكثر انتشارًا في العصر الذهبي. (أياد) حدثني عن طقوس الوداع عندهم. (محمد) تخيّل معي: الجثة تُغسل بالماء وتُدهن بالعطور وتُكلل بالأزهار وتُلبس أحسن ما تستطيع الأسرة أن تبتاعه لها من الثياب. ثم توضع أبلة بين أسنانها. (أياد) أبلة بين أسنانها؟ ولماذا؟ (محمد) لتؤديها أجرًا لكارون، صاحب القارب الأسطوري الذي ينقل الموتى في نهر أستيكس إلى مقرهم الأخير. وفي اليوم الثالث بعد الموت يطوف موكب الجنازة بشوارع المدينة والنساء من خلف الجثة يبكين ويضربن صدورهن. وقد تُستأجر نادبات محترفات يندبن الميت. وتُصب الخمر على تراب القبر لتروي روح الميت غليلها. (أياد) وهل من تفاصيل أخرى عجيبة؟ (محمد) نعم، كان من معتقداتهم أن روح الميت تشهد احتفال الجنازة. ولهذا كان من عاداتهم المقدسة ألا يذكروا عن الميت إلا الخير. وقد كانت هذه العادة منشأ قانون قديم يفرض على الأحياء ألا يذكروا إلا محاسن الموتى. ولعلها أيضًا منشأ ما يُكتب على شواهد القبور من مدح. (أياد) وماذا عن الوفاء للموتى؟ (محمد) بلغ مداه عند أهل بلاتية. فبعد المعركة المسماة باسم مدينتهم تعهدوا أن يقيموا لجميع الأموات وليمة سنوية. وظلوا يوفون بوعدهم هذا بعد أن مضت على المعركة ستة قرون كاملة! (أياد) ستة قرون من الوفاء! وماذا كانوا يعتقدون عن مصير الروح بعد الموت؟ (محمد) كانت الروح تنفصل من الجسم وتصبح طيفًا غير مادي يسكن في الجحيم. ويُستفاد من أقوال هومر أن الأرواح التي ارتكبت ذنوبًا شنيعة هي وحدها التي تُعذب هناك. أما سائر الأرواح، سواء كانت أرواح قديسين أو مذنبين، فمصيرها أن تطوف إلى أبد الدهر حول مملكة بلوتو المظلمة. (أياد) وهكذا نصل إلى المفارقة الكبرى... (محمد) نعم، شعب أحب الحياة حبًا جارفًا، لكن التفكير فيما ينتظر جميع الأموات من مصير محزن نكد ظل يخيم على أدبه ويجعل حياته أقل بهجة وانشراحًا مما يجب أن تكون عليه الحياة تحت تلك السماء الصافية. (أياد) فهل نحن اليوم مختلفون كثيرًا؟ (محمد) ربما تتغير الطقوس وتبقى الأسئلة نفسها. إلى اللقاء في حلقة قادمة.

  49. 2

    حوار: حين أحرقوا الخياط... حكاية اللولارد الذين مهدوا الطريق لانفصال إنجلترا عن روما

    (محمد) أهلًا وسهلًا بكم في حلقة جديدة من بودكاستنا. اليوم نعود بكم إلى إنجلترا في نهاية القرن الرابع عشر، لنحكي قصة جماعة أشعلت أفكارُهم المحارقَ في أسواق لندن. معي صديقي عامر. أهلًا عامر. (عامر) أهلًا بك يا محمد. دعني أبدأ بسؤال: تخيل أنك تسير في طريق بإنجلترا في تلك الفترة، ماذا كنت سترى؟ (محمد) يقول أحد مؤرخي الأديرة عام ألف وثلاثمائة واثنين وثمانين، في مبالغة تنم عن الفزع، إنه من النادر أن تلقى رجلين في الطريق دون أن يكون أحدهما من تلاميذ ويكليف! (عامر) تلاميذ ويكليف؟ من هؤلاء؟ (محمد) إنهم اللولارد. جماعة كانوا يتكاثرون بسرعة فائقة كالبراعم حتى غمروا المملكة بأسرها. (عامر) لكن ما الذي كانوا يواجهونه؟ كيف كان حال الكنيسة آنذاك؟ (محمد) بعد ويكليف، ازدادت قوة الكنيسة في إنجلترا إبان القرن الخامس عشر، وفاضت الثروة المتدفقة على خزائنها. وشاع الاكتتاب الديني، فالأشخاص الذين يتوقعون الموت كانوا يتبرعون لبناء كنيسة ولإقامة القداس للتعجيل بدخولهم الجنة. (عامر) وهل توقف نفوذها عند المال؟ (محمد) بل سيطرت الكنيسة على البرلمان نفسه! تصور معي: كان لها في مجلس الشيوخ حوالي عشرين أسقفًا وستة وعشرين من رؤساء الأديرة، في حين لم يكن في المجلس من غير رجال الدين سوى سبعة وأربعين عضوًا. وفي عام ألف وأربعمائة وسبعة، أعاد أرندل كبير الأساقفة تأكيد سيادة القانون الكنسي على كل تشريع وضعي، وحكم بالهرطقة الكاملة على رفض أي مرسوم بابوي. (عامر) وفي مواجهة هذه القوة الهائلة، ماذا فعل اللولارد؟ (محمد) استمر وعاظ ويكليف المساكين في نشر أفكارهم المناهضة لرجال الدين، ووجدوا جمهورًا مستعدًا للاستماع بين صفوف عمال الصناعة، وبخاصة نساجي نورفولك. وفي عام ألف وثلاثمائة وخمسة وتسعين، أحسوا أنهم بلغوا من القوة حدًا أتاح لهم أن يقدموا إلى البرلمان بيانًا جريئًا بمبادئهم. (عامر) وماذا جاء في هذا البيان؟ (محمد) عارضوا فيه عزوبة رجال الدين، واستحالة القربان، وعبادة الصور، وثروة الكنيسة، واستخدام رجال الكهنوت في وظائف الحكومة. وأوصوا بأن يعكف الجميع على قراءة الكتاب المقدس، وأن يتبعوا تعاليمه باعتبارها فوق مراسيم الكنيسة. ورفضوا الحرب باعتبارها مناقضة للمسيحية، والترف لأنه منافٍ للأخلاق. (عامر) أتوقع أن الرد جاء قاسيًا. (محمد) بالفعل. هدد ريتشارد الثاني ممثلي اللولارد في البرلمان بالاعتقال وأجبرهم على الصمت. ثم جاء المنعطف الأخطر: في عام ألف وأربعمائة وواحد، أصدر هنري الرابع وبرلمانه المرسوم المشهور بحرق جميع الأشخاص الذين تحكم عليهم المحاكم الدينية بأنهم هراطقة بالإصرار. (عامر) وهل نُفذ هذا المرسوم؟ (محمد) في العام نفسه، أُحرق وليام سوتري، وهو قسيس على مذهب اللولارد. وفي عام ألف وأربعمائة وعشرة، أدانت الكنيسة جون بادبي، وهو خياط لولاردي، وأُحرق في سوق سمثفيلد. (عامر) وهل عُرض عليه النجاة؟ (محمد) قبل أن تُشعل المحرقة، رجاه الأمير هال أن يرجع عن آرائه مقابل الحياة والمال. فأبى، وارتقى المحرقة حيث لقي الموت. (عامر) ومن أغرب فصول هذه الحكاية، فيما قرأت، قصة السير جون أولدكاسل لورد كوبهام؟ (محمد) نعم، وهو الذي رأى نظارة مسرحيات شكسبير بعد ذلك أنه عُني بشخصية فلستاف. لقد أبلى البلاء الحسن في الحرب في سبيل الأمة، لكنه تسامح مع دعاة اللولارد وبسط عليهم حمايته. حوكم عام ألف وأربعمائة وثلاثة عشر، وأُدين بالهرطقة، وسُجن في برج لندن، ثم فرّ هاربًا. (عامر) وماذا حدث بعد فراره؟ (محمد) ما إن بلغ اللولارد خبر فراره حتى جهروا بالثورة وحاولوا القبض على الملك عام ألف وأربعمائة وأربعة عشر. فشلت المحاولة، واختفى أولدكاسل ثلاث سنوات، ثم قُبض عليه وأُعدم بتهمة الخيانة، ثم أُحرق بتهمة الهرطقة عام ألف وأربعمائة وسبعة عشر، لأن الدولة والكنيسة طالبت كل منهما بحقها. (عامر) وهل انتهت القصة هنا؟ (محمد) لا. فقد عاشت طوائف من اللولارد إلى عام ألف وخمسمائة وواحد وعشرين. وفي سنة ألف وخمسمائة وثمانية عشر، قُتل توماس جان على المحرقة، وهو الذي زعم أنه حوّل سبعمائة شخص إلى المذهب اللولاردي. ومع ذلك، إذا قسنا اضطهاد اللولارد إلى غيرهم، نرى أنه كان معتدلًا، فقد بلغ عدد الذين أُعدموا أحد عشر رجلًا بين عامي ألف وأربعمائة وألف وأربعمائة وخمسة وثمانين. (عامر) فما الفكرة الكبرى في هذه الحكاية يا محمد؟ (محمد) حين فصل هنري الثامن إنجلترا عن روما، وقابلت الأمة هذا التحول بلا ثورة، كان من حق اللولارد أن يزعموا أنهم مهدوا الطريق إلى هذا التحول إلى حد ما. جماعة من الوعاظ المساكين والنساجين والخياطين، أحرقتهم المحارق، لكن أفكارهم ظلت تتوهج تحت الرماد. (عامر) وهكذا يعلمنا التاريخ درسًا خالدًا: يمكنك أن تحرق الرجال، لكن الأفكار التي آمنوا بها قد تعيش قرونًا بعدهم، وتغير وجه أمة بأكملها. (محمد) شكرًا لكم على المتابعة، وإلى اللقاء في حلقة قادمة.

  50. 1

    مؤرخ الأقنعة — بييترو لونجي وأسرار البندقية الساخرة

    عنوان: مؤرخ الأقنعة — بييترو لونجي وأسرار البندقية الساخرة تخيل مدينة يرتدي أهلها الأقنعة قرابة عشرة شهور في السنة. ليس في مسرحية ولا في حفلة تنكرية عابرة، بل في الشارع والبيت والسوق. هذه هي البندقية في القرن الثامن عشر. وهناك، وسط هذا العالم الغريب، وقف رسام يراقب كل شيء بعين لا يفوتها تفصيل. اسمه بييترو لونجي. عاش بين عامي ألف وسبعمئة واثنين وألف وسبعمئة واثنين وثمانين. فمن هو هذا الرجل الذي لُقّب عن جدارة بمؤرخ الأحداث الصادق؟ كان لونجي أشبه بصحفي ثرثار يرقب مسرى الحياة في مدينة البندقية ويسجلها لوحة بعد لوحة. لكن انتبه، فسخريته لم تكن لاذعة قارصة كلسعات الفنان الإنجليزي وليام هوجارث. كانت سخرية هادئة، وإذا عرض للعادات والأعراف صورها بحياد تام. ولهذا السبب بالذات تزاحم حوله الأشراف وعلية القوم منذ عام ألف وسبعمئة وأربعين، يتسابقون للفوز بلوحاته الصغيرة. وماذا كانت تصور هذه اللوحات؟ كل شيء تقريبًا. مجالس تناول شراب الشوكولاته صباحًا في مرابع الأوساط الثرية. دروس الرقص. حفلات الكونسير العائلي. وحتى تسليم الرسائل الغرامية. لم يكتف لونجي بالشخوص، بل حرص على تسجيل محتويات الغرف والقاعات الفينيسية من أثاث وثريات وستائر ومفروشات، مستعرضًا أزياء النساء والرجال العصرية. ونزل أيضًا إلى الأوساط المتواضعة فسجل طقوس حياكة الملبس وطهو الطعام. ثم خرج إلى الشارع. وهنا تبدأ الحكايات المثيرة حقًا. ففي عام ألف وسبعمئة وواحد وخمسين ظهر حيوان وحيد القرن في مدينة البندقية للمرة الأولى. حدث غريب هزّ المدينة، حتى إن جوفاني جريماني دي سيرفي، أحد وجهاء البندقية، طالب لونجي بتسجيل هذا الحدث في لوحة يقتنيها. وصوّر لونجي أيضًا ألعاب المشعوذين في الأعياد، وذلك الدجال الذي أسموه حكيم الصحة، وهو يعالج أسنان المارة ويخلعها في الطريق العام. أما أناقة تكويناته وتوهج ألوانه وبراعة فرشاته فكلها تنضوي تحت راية طراز الروكوكو. لكن لماذا الأقنعة؟ لماذا نرى في معظم لوحاته، ولوحات معاصريه من الفنانين البنادقة، شخوصًا مقنّعة في الطريق العام وداخل الدور؟ الجواب في طبيعة المدينة نفسها. فالكرنفالات في البندقية كانت تستغرق قرابة عشرة شهور على مدار السنة، واعتاد البنادقة ارتداء الأقنعة، لا سيما إذا شاءوا ارتكاب ما يخالف القانون. وكم حاولت سلطات الجمهورية سنّ قوانين تحد من هذه الظاهرة، لكن دون جدوى. فقد خصص أهل البندقية مواسم بعينها ينطلقون فيها إلى اللهو والمرح واستباحة الموبقات التي تدخل السرور عليهم. ولا عجب، فالبندقية كانت من المدن المولهة بالمجد. لم يقنع أهلها بتحويل مدينتهم لتصبح أجمل مدن العالم فحسب، بل ابتكروا لتكريمها حفلات تشاطر الطقوس الدينية جلالها وروعتها، حتى أصبحت المواكب والمهرجانات والكرنفالات برًا وبحرًا واحدة من مهام الدولة. تخيل الدوج وشيوخه يرتدون باذخ الثياب وسط العمائر الفارهة في ساحة القديس مرقص أو على ضفتي القناة، والناس ينتظرون هذه المناسبات نافدي الصبر، يتمنون لو أمكن تكرارها كل يوم وكل ليلة. وثمة خيط آخر يستحق الانتباه. علاقة وثيقة ربطت بين صور لونجي ومسرح كارلو جولدوني. فشخوصه المصورة مماثلة إلى حد بعيد لشخوص جولدوني الدرامية. كانا متقاربين قيمًا وأهدافًا، وسخريتهما رغم كل شيء سخرية بناءة تفيض إنسانية. لكن القصة لا تنتهي نهاية سعيدة تمامًا. ففي أواخر حياته عاصر لونجي نهاية جمهورية البندقية وما طرأ على مجتمعها من تغير. وانعكس ذلك على فنه، فكادت لوحاته تصبح انطباعية النزعة بعد أن لم يعد يلتزم الدقة في رسومه، غير مكترث بتقنية الكياروسكورو، فبدت شخوصه أحيانًا جامدة غير متماسكة. وهو ما يعكس مناخ الكآبة والإحباط الذي يسود الأمم عادة في خواتيم الحقب التاريخية. ومع ذلك ظل يصر على أن ما يصوره هو الواقع بحذافيره. وبرغم احتشاد جدران دور البندقية بلوحاته، لم تظفر أعماله بالإقبال عالميًا. وحين اختار باريس مقرًا له لم يكن سعيدًا فيها، إذ رأى مجتمعها، رغم ثقافته الرفيعة، أسنًا وبورجوازيًا إلى حد بعيد. وهناك، مع بروز معارض صالون باريس المستحدثة وقتئذ، أصبح فن التصوير لا يواجه جمهور المتذوقين فحسب بل نقاد الفن أيضًا. وهكذا يبقى بييترو لونجي شاهدًا نادرًا على مدينة كاملة في لحظة غروبها. رسام لم يخترع عالمًا خياليًا، بل نقل لنا الواقع كما رآه، بأقنعته ومهرجاناته ودجاليه ووجهائه. فحين تنظر اليوم إلى لوحاته، فأنت لا ترى مجرد ألوان على قماش، بل ترى ذاكرة أمة سجّلها مؤرخ صادق بريشة من روكوكو. فهل هناك شهادة على التاريخ أبلغ من هذه؟

Type above to search every episode's transcript for a word or phrase. Matches are scoped to this podcast.

Searching…

We're indexing this podcast's transcripts for the first time — this can take a minute or two. We'll show results as soon as they're ready.

No matches for "" in this podcast's transcripts.

Showing of matches

No topics indexed yet for this podcast.

Loading reviews...

ABOUT THIS SHOW

بودكاست ثقافي يقدم مقتطفات من أرشيف القرية الإلكترونية في أبوظبي — مادة مختارة من التاريخ والأدب والحضارات العربية والعالمية

HOSTED BY

القرية الإلكترونية - أبوظبي

CATEGORIES

Frequently Asked Questions

How many episodes does من أرشيف القرية الإلكترونية have?

من أرشيف القرية الإلكترونية currently has 50 episodes available on PodParley. New episodes are automatically indexed when they're published to the podcast feed.

What is من أرشيف القرية الإلكترونية about?

بودكاست ثقافي يقدم مقتطفات من أرشيف القرية الإلكترونية في أبوظبي — مادة مختارة من التاريخ والأدب والحضارات العربية والعالمية

How often does من أرشيف القرية الإلكترونية release new episodes?

من أرشيف القرية الإلكترونية has 50 episodes. Check the episode list to see recent publication dates and frequency.

Where can I listen to من أرشيف القرية الإلكترونية?

You can listen to من أرشيف القرية الإلكترونية on PodParley by clicking any episode. We provide an embedded audio player for direct listening, and you can also subscribe via your preferred podcast app using the RSS feed.

Who hosts من أرشيف القرية الإلكترونية?

من أرشيف القرية الإلكترونية is created and hosted by القرية الإلكترونية - أبوظبي.
URL copied to clipboard!