EPISODE · Aug 4, 2026 · 5 MIN
غرباء في الوطن — حكاية جيل تعلّم أن ينسى نفسه
from من أرشيف القرية الإلكترونية · host القرية الإلكترونية - أبوظبي
# غرباء في الوطن — حكاية جيل تعلّم أن ينسى نفسه هل تصدق أن هناك من يسعى لإعداد أبناء بلده ليكونوا أجانب في عواطفهم وعقولهم وثقافتهم؟ ليس هذا سؤالًا من خيال. بل هي شكوى حقيقية كتبها معلم مصري إلى الأديب الكبير أحمد حسن الزيات، فنشرها في مجلة الرسالة في الثامن والعشرين من يناير عام ألف وتسعمئة وخمسة وثلاثين، تحت عنوان لافت: الثقافة المذبذبة. فما الذي أثار هذا المعلم؟ وما الذي جعل الزيات يرى في شكواه شكاة الشرق الإسلامي كله؟ القصة تبدأ برسالة. معلم يقدم نفسه بصراحة نادرة، فيقول إنه لا يؤمن كثيرًا بأوروبا ولا بما جاء من أوروبا، إلا أن يكون نفعًا ماديًا أو كشفًا علميًا. أما فيما يتعلق بالآراء والنفس، وما يتصل بالعقل والقلب، فهو شرقي لا يحب إلا الشرق، ومصري لا يحب إلا مصر. ثم يضع يده على الجرح. كان يؤلمه دائمًا أن يرى الابن الناشئ يعود من إنجلترا أو من فرنسا في هيئة نابية يزعم أنها دليل المدنية التي اكتسبها من الغرب. يمتدح فرنسا وإنجلترا وما فيهما من مناهج ومعاهد، وهو في الحقيقة إنما يمتدح نفسه، ويصل إلى الزهو من طريق غير مباشر. ولو توقف الأمر عند الزهو لهان. لكن البلية، كما يقول المعلم، أن هؤلاء خدعوا بنعرتهم الجوفاء بعض الشيوخ، فأُلقيت إليهم مقاليد الأمور، وبلغ الخداع حده في مسائل التعليم. والدليل؟ انظر إلى برامج التعليم الأدبية، وهي أداة الثقافة والقومية، فلن تجد فيها أثرًا للشخصية المصرية. إذا نظرت في برامج التاريخ للقسم الأدبي خُيّل إليك أنك تنظر في برامج فرنسا أو إنجلترا، أو خليط من هذا وذاك. أما مصر فلا شأن لها في ذلك. هنا يتسلم الزيات القلم، ويرفع القضية من شكوى معلم إلى قضية أمة. فيقول إن الشرق منذ غفا غفوته الثقيلة الطويلة لم يرد أن يبصر بعينه ويسير على قدميه، ولم يعلم أن له تاريخًا ممتازًا ووجودًا مستقلًا ومدنية أصيلة. كأن أهله لم يكفهم أن يكونوا عبيدًا لأوروبا بالجسم عن قوة وقهر، فرضوا أن يكونوا عبيدًا لها بالروح عن رضا وطواعية. ثم يصوغ الزيات مفارقة تهز الوجدان. الاستعباد المادي دهمنا أمس على يد الآباء، والاستعباد الأدبي يدهمنا اليوم على يد الأبناء. وشتان بين استعباد كان عن جبر وجهل، واستعباد يكون عن اختيار وعلم. فالعبودية العقلية أشد خطرًا من العبودية الجسمية، لأن الجسم يُرجى شفاؤه متى عُرف داؤه، أما تلك فحكمها حكم العقل إذا ذهب والروح إذا زهق. وهل يُرجى لمخبول شفاء، أو يُنتظر لمقتول رجعة؟ ولماذا وقع هؤلاء الشبان في هذا الفخ؟ يجيب الزيات بأن أكثرهم ذهبوا إلى أوروبا وشخصياتهم ممزقة أصلًا، من تفكك البيئة وفساد التعليم وضعف التربية. فكوّنوا عقولهم على منطق الإعجاب وميولهم على هوى التبعية. ثم عادوا وفي حوافظهم تاريخ غير تاريخ مصر، وعلى ألسنتهم أدب غير أدب العرب. فلم يستطيعوا أن يكونوا غربيين لعصيان الطبيعة وإباء الفطرة، ولم يريدوا أن يعودوا شرقيين لقوة الفتنة وضعف الإرادة. غرباء هنا وهناك. لكن انتبه. الزيات لا يدعو إلى الانغلاق. فهو يقرر أن العلم لا وطن له، لأنه يتعلق باستخدام القوى واستثمار المادة لخير الناس كلهم. أما الآداب والفنون والأذواق والأخلاق والتقاليد فهي قوام الأمم، ولا تنزل أمة عنها إلا إذا نزلت عن ذاتها. فخضوع الثقافة القومية للإنجليزية في مصر وفلسطين، وللفرنسية في سوريا والمغرب، وللأمريكية في العراق والمهجر، بلاء لا تسلم معه وحدة، ولا يستقل معه وطن. وما جذر الداء؟ أن التعليم عندنا ليست له سياسة مرسومة ولا غاية معينة. قل لواضع البرنامج أريد أن أصل بالتعليم إلى هذه الغاية، تجد الغاية نفسها تعيّن السبيل وتحدد الوجهة. أما إذا كانت سياستنا مجرد إنشاء مدارس وتهيئة مدرسين وإقامة امتحانات، فستصبح المعارف حقولًا للتجارب، فيها لكل سياسة أثر، ولكل أمة غير أمتها نصيب. هكذا صرخ الزيات قبل تسعين عامًا تقريبًا. أخذوا من الغرب علمه، هذا حقكم، لكن لا تتخلوا عن روحكم، فتلك هويتكم. فهل انتهت الثقافة المذبذبة من حياتنا اليوم؟ أم أننا ما زلنا، بشكل أو بآخر، نتحسس طريقنا على نداء غيرنا؟ سؤال يستحق أن تحمله معك بعد أن ينتهي هذا الصوت.
Embed this episode
What this episode covers
# غرباء في الوطن — حكاية جيل تعلّم أن ينسى نفسه هل تصدق أن هناك من يسعى لإعداد أبناء بلده ليكونوا أجانب في عواطفهم وعقولهم وثقافتهم؟ ليس هذا سؤالًا من خيال. بل هي شكوى حقيقية كتبها معلم مصري إلى الأديب الكبير أحمد حسن الزيات، فنشرها في مجلة الرسالة في ال
Ready to play
غرباء في الوطن — حكاية جيل تعلّم أن ينسى نفسه
No transcript for this episode yet
Similar Episodes
No similar episodes found.