EPISODE · Jul 25, 2026 · 5 MIN
حوار: فيلسوف اللذة الذي بصق في وجه الغني
from من أرشيف القرية الإلكترونية · host القرية الإلكترونية - أبوظبي
(محمد) أهلًا بكم في حلقة جديدة! معي اليوم أياد، وسنتحدث عن فيلسوف غريب حقًا. أياد، هل تتخيل فيلسوفًا يقول إن اللذة هي أعظم فضيلة في الحياة؟ (أياد) فيلسوف يعلن ذلك صراحة؟ هذا مثير للدهشة فعلًا. (محمد) نعم! إنه أرستبوس، فيلسوف تعلّم على يد سقراط نفسه، ثم خرج ليعلن أن السعادة والمتعة الحسية هما الغاية القصوى للإنسان. (أياد) تلميذ سقراط يقول هذا؟ وسمعت أن له قصصًا عجيبة أيضًا. (محمد) صحيح، فهو الرجل الذي ابتسم حين بصق ملك في وجهه، ثم بصق هو نفسه في وجه رجل ثري وسط قصره الرخامي! (أياد) قصة غريبة فعلًا! لكن قبل أن نبدأ، حدثنا عن العصر الذي عاش فيه. (محمد) نحن في القرن الرابع، العصر الذهبي للفلسفة. لم يكن العلم قد تجاوز درجة وسطى من الرقي، لكن الفكر كان يشتعل. المفكرون الأوائل بسطوا آراء عامة في نظام الكون، ثم جاء السوفسطائيون فشكّوا في كل شيء عدا البلاغة. (أياد) وسقراط؟ (محمد) أثار آلاف الأسئلة ولم يجب عن واحد منها. ثم نبتت البذور التي زُرعت في مائتي عام، وصارت نظمًا عظيمة في ما وراء الطبيعة والأخلاق والسياسة. وكانت أثينة رغم فقرها قد أنشأت جامعات خاصة، فأضحت مدرسة هلاس وحاضرة بلاد اليونان الذهبية. (أياد) وماذا حدث بعد موت سقراط؟ (محمد) تفرّق تلاميذه وصاروا مركز عاصفة من الفلسفات الشديدة التباين. أقليدس الميغاري جعل من الجدل فنًا يرتاب في كل نتيجة منطقية. وتلميذه استلبون قال إن الحكمة ليست في بحوث ما وراء الطبيعة، بل في الحياة البسيطة. (أياد) استلبون هذا له قصة مشهورة، أليس كذلك؟ (محمد) بلى! حين سُئل بعد نهب مدينته ميغارا عن مقدار ما خسره، أجاب بأنه لم يكن يملك شيئًا غير المعرفة، وأن أحدًا لم يغتصبها منه. (أياد) يا لها من إجابة! ثروة لا يستطيع أحد سرقتها. لكن بطل قصتنا سلك طريقًا مختلفًا. (محمد) تمامًا. أرستبوس الظريف، وسيم الطلعة، دمث الأخلاق، بارع في الحديث. سافر بعد موت سقراط إلى مدن متفرقة، ثم ألقى عصا الترحال في قورينة، مدينته الأصلية على ساحل أفريقية. وهناك، وسط ثراء الطبقات العليا، تشكّلت فلسفته. (أياد) وما جوهر هذه الفلسفة؟ (محمد) قال إن كل ما نفعله إنما نفعله طمعًا في اللذة أو خوفًا من الألم، حتى إذا أفقرنا أنفسنا لخير أصدقائنا. فاللذة هي الخير الذي لا خير بعده، وكل ما عداها، حتى الفضيلة والفلسفة، يُحكم عليه حسب قدرته على توفير اللذة. والحاضر وحده هو الموجود. (أياد) لكن ألا يعني هذا العبودية للشهوات؟ (محمد) انتبه، هنا النقطة المهمة! فصاحب السلطان على اللذات عنده ليس الزاهد المتقشف، بل هو الذي يستمتع بها دون أن يكون عبدًا لها. ويعمل بقدر ما يستطيع ألا يكون سيدًا لإنسان ما أو عبدًا له. (أياد) وهنا تبدأ المفارقات المدهشة، أليس كذلك؟ (محمد) نعم! تحطمت به سفينة قرب رودس واشتد عليه الفقر، فذهب إلى مدرسة للتدريب الرياضي وأخذ يخطب فيها، فافتُتن به رجالها وقدموا له كل وسائل الراحة. فقال لهم إن الآباء يجب أن يسلحوا أبناءهم بثروة يستطيعون حملها معهم إلى البر إذا تحطمت بهم السفن. (أياد) يقصد المعرفة بالطبع! وماذا عن علاقته بالطغاة؟ (محمد) لم يكن يتردد في تملق الطغاة إذا أوصله ذلك إلى أغراضه. حين بصق دنيسوس الأول في وجهه، ابتسم وقال إن من واجب الصياد أن يتحمل أكثر من هذا الماء ليمسك بسمكة أصغر من التي أريدها. (أياد) وألم يلمه أحد على ذلك؟ (محمد) بلى، لامه صديق على ركوعه أمام دنيسوس، فأجابه بأنه ليس من عيبه أن تكون أذنا الملك في قدميه. وحين سأله دنيسوس لماذا يلازم الفلاسفة أبواب الأغنياء ولا يلازم الأغنياء مجالس الفلاسفة، أجاب بأن الأولين يعرفون ما يريدون، أما الآخرون فلا يعرفونه. (أياد) إجابة ذكية! لكن حدثنا عن قصة البصق في وجه الثري. (محمد) كان يحتقر من يطلبون المال لذاته. فلما أراه سيموس الفريجي الثري بيتًا جميلًا مفروشًا بالرخام، بصق في وجهه! ولما احتج عليه سيموس، اعتذر بأنه لم يجد بين ذلك الرخام كله مكانًا أليق من وجهه بالبصق عليه. (أياد) يا لها من جرأة! وكيف كانت نهايته؟ (محمد) في النهاية كشف عن حقيقته العميقة. فقد بجّل سقراط، وأحب الفلسفة، واعترف بأن أجلّ منظر في الحياة هو منظر الرجل الفاضل الذي يشق طريقه مطمئنًا واثقًا من نفسه بين الأنذال. وقال وهو على فراش الموت إن أعظم تراث يتركه لابنته أريتي هو أنه علّمها ألا ترى قيمة ما لشيء تستطيع أن تستغني عنه. (أياد) وماذا حدث لابنته؟ (محمد) خلفته في رئاسة مدرسة قورينة، وألّفت أربعين كتابًا، وحبتها مدينتها بقبرية مشرفة هي ضياء هلاس. (أياد) تأمل هذه النهاية. فيلسوف اللذة الذي قضى حياته يدعو للمتعة، تركت كلماته الأخيرة درسًا في الاستغناء. (محمد) ربما كانت هذه حكمته الحقيقية طوال الوقت: أن تستمتع بكل شيء، دون أن تكون عبدًا لأي شيء. إلى اللقاء في حلقة قادمة!
Embed this episode
What this episode covers
(محمد) أهلًا بكم في حلقة جديدة! معي اليوم أياد، وسنتحدث عن فيلسوف غريب حقًا. أياد، هل تتخيل فيلسوفًا يقول إن اللذة هي أعظم فضيلة في الحياة؟ (أياد) فيلسوف يعلن ذلك صراحة؟ هذا مثير للدهشة فعلًا. (محمد) نعم! إنه أرستبوس، فيلسوف تعلّم على يد سقراط نفسه، ثم
Ready to play
حوار: فيلسوف اللذة الذي بصق في وجه الغني
No transcript for this episode yet
Similar Episodes
No similar episodes found.