EPISODE · Jul 24, 2026 · 5 MIN
حوار: حين أحرقوا الخياط... حكاية اللولارد الذين مهدوا الطريق لانفصال إنجلترا عن روما
from من أرشيف القرية الإلكترونية · host القرية الإلكترونية - أبوظبي
(محمد) أهلًا وسهلًا بكم في حلقة جديدة من بودكاستنا. اليوم نعود بكم إلى إنجلترا في نهاية القرن الرابع عشر، لنحكي قصة جماعة أشعلت أفكارُهم المحارقَ في أسواق لندن. معي صديقي عامر. أهلًا عامر. (عامر) أهلًا بك يا محمد. دعني أبدأ بسؤال: تخيل أنك تسير في طريق بإنجلترا في تلك الفترة، ماذا كنت سترى؟ (محمد) يقول أحد مؤرخي الأديرة عام ألف وثلاثمائة واثنين وثمانين، في مبالغة تنم عن الفزع، إنه من النادر أن تلقى رجلين في الطريق دون أن يكون أحدهما من تلاميذ ويكليف! (عامر) تلاميذ ويكليف؟ من هؤلاء؟ (محمد) إنهم اللولارد. جماعة كانوا يتكاثرون بسرعة فائقة كالبراعم حتى غمروا المملكة بأسرها. (عامر) لكن ما الذي كانوا يواجهونه؟ كيف كان حال الكنيسة آنذاك؟ (محمد) بعد ويكليف، ازدادت قوة الكنيسة في إنجلترا إبان القرن الخامس عشر، وفاضت الثروة المتدفقة على خزائنها. وشاع الاكتتاب الديني، فالأشخاص الذين يتوقعون الموت كانوا يتبرعون لبناء كنيسة ولإقامة القداس للتعجيل بدخولهم الجنة. (عامر) وهل توقف نفوذها عند المال؟ (محمد) بل سيطرت الكنيسة على البرلمان نفسه! تصور معي: كان لها في مجلس الشيوخ حوالي عشرين أسقفًا وستة وعشرين من رؤساء الأديرة، في حين لم يكن في المجلس من غير رجال الدين سوى سبعة وأربعين عضوًا. وفي عام ألف وأربعمائة وسبعة، أعاد أرندل كبير الأساقفة تأكيد سيادة القانون الكنسي على كل تشريع وضعي، وحكم بالهرطقة الكاملة على رفض أي مرسوم بابوي. (عامر) وفي مواجهة هذه القوة الهائلة، ماذا فعل اللولارد؟ (محمد) استمر وعاظ ويكليف المساكين في نشر أفكارهم المناهضة لرجال الدين، ووجدوا جمهورًا مستعدًا للاستماع بين صفوف عمال الصناعة، وبخاصة نساجي نورفولك. وفي عام ألف وثلاثمائة وخمسة وتسعين، أحسوا أنهم بلغوا من القوة حدًا أتاح لهم أن يقدموا إلى البرلمان بيانًا جريئًا بمبادئهم. (عامر) وماذا جاء في هذا البيان؟ (محمد) عارضوا فيه عزوبة رجال الدين، واستحالة القربان، وعبادة الصور، وثروة الكنيسة، واستخدام رجال الكهنوت في وظائف الحكومة. وأوصوا بأن يعكف الجميع على قراءة الكتاب المقدس، وأن يتبعوا تعاليمه باعتبارها فوق مراسيم الكنيسة. ورفضوا الحرب باعتبارها مناقضة للمسيحية، والترف لأنه منافٍ للأخلاق. (عامر) أتوقع أن الرد جاء قاسيًا. (محمد) بالفعل. هدد ريتشارد الثاني ممثلي اللولارد في البرلمان بالاعتقال وأجبرهم على الصمت. ثم جاء المنعطف الأخطر: في عام ألف وأربعمائة وواحد، أصدر هنري الرابع وبرلمانه المرسوم المشهور بحرق جميع الأشخاص الذين تحكم عليهم المحاكم الدينية بأنهم هراطقة بالإصرار. (عامر) وهل نُفذ هذا المرسوم؟ (محمد) في العام نفسه، أُحرق وليام سوتري، وهو قسيس على مذهب اللولارد. وفي عام ألف وأربعمائة وعشرة، أدانت الكنيسة جون بادبي، وهو خياط لولاردي، وأُحرق في سوق سمثفيلد. (عامر) وهل عُرض عليه النجاة؟ (محمد) قبل أن تُشعل المحرقة، رجاه الأمير هال أن يرجع عن آرائه مقابل الحياة والمال. فأبى، وارتقى المحرقة حيث لقي الموت. (عامر) ومن أغرب فصول هذه الحكاية، فيما قرأت، قصة السير جون أولدكاسل لورد كوبهام؟ (محمد) نعم، وهو الذي رأى نظارة مسرحيات شكسبير بعد ذلك أنه عُني بشخصية فلستاف. لقد أبلى البلاء الحسن في الحرب في سبيل الأمة، لكنه تسامح مع دعاة اللولارد وبسط عليهم حمايته. حوكم عام ألف وأربعمائة وثلاثة عشر، وأُدين بالهرطقة، وسُجن في برج لندن، ثم فرّ هاربًا. (عامر) وماذا حدث بعد فراره؟ (محمد) ما إن بلغ اللولارد خبر فراره حتى جهروا بالثورة وحاولوا القبض على الملك عام ألف وأربعمائة وأربعة عشر. فشلت المحاولة، واختفى أولدكاسل ثلاث سنوات، ثم قُبض عليه وأُعدم بتهمة الخيانة، ثم أُحرق بتهمة الهرطقة عام ألف وأربعمائة وسبعة عشر، لأن الدولة والكنيسة طالبت كل منهما بحقها. (عامر) وهل انتهت القصة هنا؟ (محمد) لا. فقد عاشت طوائف من اللولارد إلى عام ألف وخمسمائة وواحد وعشرين. وفي سنة ألف وخمسمائة وثمانية عشر، قُتل توماس جان على المحرقة، وهو الذي زعم أنه حوّل سبعمائة شخص إلى المذهب اللولاردي. ومع ذلك، إذا قسنا اضطهاد اللولارد إلى غيرهم، نرى أنه كان معتدلًا، فقد بلغ عدد الذين أُعدموا أحد عشر رجلًا بين عامي ألف وأربعمائة وألف وأربعمائة وخمسة وثمانين. (عامر) فما الفكرة الكبرى في هذه الحكاية يا محمد؟ (محمد) حين فصل هنري الثامن إنجلترا عن روما، وقابلت الأمة هذا التحول بلا ثورة، كان من حق اللولارد أن يزعموا أنهم مهدوا الطريق إلى هذا التحول إلى حد ما. جماعة من الوعاظ المساكين والنساجين والخياطين، أحرقتهم المحارق، لكن أفكارهم ظلت تتوهج تحت الرماد. (عامر) وهكذا يعلمنا التاريخ درسًا خالدًا: يمكنك أن تحرق الرجال، لكن الأفكار التي آمنوا بها قد تعيش قرونًا بعدهم، وتغير وجه أمة بأكملها. (محمد) شكرًا لكم على المتابعة، وإلى اللقاء في حلقة قادمة.
Embed this episode
What this episode covers
(محمد) أهلًا وسهلًا بكم في حلقة جديدة من بودكاستنا. اليوم نعود بكم إلى إنجلترا في نهاية القرن الرابع عشر، لنحكي قصة جماعة أشعلت أفكارُهم المحارقَ في أسواق لندن. معي صديقي عامر. أهلًا عامر. (عامر) أهلًا بك يا محمد. دعني أبدأ بسؤال: تخيل أنك تسير في طريق ب
Ready to play
حوار: حين أحرقوا الخياط... حكاية اللولارد الذين مهدوا الطريق لانفصال إنجلترا عن روما
No transcript for this episode yet
Similar Episodes
No similar episodes found.