EPISODE · Jul 27, 2026 · 5 MIN
حوار: حين تحررت التماثيل من صمتها — قصة النحت اليوناني
from من أرشيف القرية الإلكترونية · host القرية الإلكترونية - أبوظبي
(محمد) مرحبا بكم أعزاءنا المستمعين في حلقة جديدة من بودكاستنا. معي اليوم صديقي عامر، وسنروي لكم قصة مدهشة حقا... قصة حين تحررت التماثيل من صمتها. (عامر) أهلا بك يا محمد! وهي فعلا قصة تستحق أن تُروى. تخيل معي تمثالا يقف أمامك منذ قرون، ساقاه مشدودتان، وذراعاه ملتصقتان بجانبيه، وعيناه لوزيتان جامدتان لا تنظران إلى شيء. (محمد) هكذا كانت التماثيل اليونانية في بداياتها إذن؟ ثم حدث شيء عظيم كما فهمت... تحركت الساقان، وانفتحت اليدان، ونبض الحجر بالحياة! فكيف حدث هذا الانقلاب؟ (عامر) تبدأ الحكاية حوالي عام ستمائة وستين قبل الميلاد، حين استوطن اليونان غرب آسيا وفُتحت مصر للتجارة اليونانية، فدخلت أشكال الشرق الأدنى ومصر وأساليبهما إلى أيونيا وبلاد اليونان الأوربية. (محمد) وماذا بعد ذلك؟ (عامر) حوالي عام خمسمائة وثمانين، استُدعي مثّالان كريتيان هما دبوئينوس وسيلوس إلى سكيون وأرجوس لمهمة فنية. ولما غادرا، لم يتركا تماثيل فحسب، بل تركا تلاميذ أيضا. ومن ذلك الحين نشأت مدرسة قوية للنحت في بلاد البلوبونيز. (محمد) فما الذي كان يصنعه هؤلاء المثّالون؟ (عامر) كانوا يخلدون الموتى، أولا بأعمدة بسيطة، ثم برؤوس تماثيل على قواعد، ثم بتماثيل كاملة ولوحات جنائزية. وكانوا يصنعون تماثيل للفائزين في الألعاب الرياضية، وتماثيل للآلهة يخطئها الحصر، بفضل خيال اليونان الحي الخصيب. (محمد) وما المادة التي كانوا يستخدمونها في النحت؟ (عامر) كان الخشب هو المادة الأساسية حتى القرن السادس قبل الميلاد. ويشهد على ذلك صندوق سبسيلوس طاغية كورنثة، الذي يقول بوزنياس إنه صُنع من خشب الأرز المطعم بالعاج والذهب. ولما زاد الثراء، غُطيت التماثيل الخشبية بالمواد الثمينة، وبهذه الطريقة صنع فيدياس تماثيله الذهبية والعاجية لأثينة بارثنوس ولزيوس الأولمبي. (محمد) وماذا عن البرونز؟ (عامر) البرونز ظل ينافس الحجر حتى آخر عصر اليونان الزاهر. ورغم أن العدو صهر أكثر التماثيل البرونزية، بقي لنا تمثال سائق العربة المحفوظ في متحف دلفي من حوالي عام أربعمائة وتسعين قبل الميلاد، شاهدا على إتقان يقارب الكمال في صناعة التماثيل المجوفة. (محمد) ولكن هنا يأتي السؤال المحير يا عامر... لماذا كانت كل هذه التماثيل جامدة متشابهة؟ (عامر) لقد ظل أثر المصريين والآسيويين قويا، فجاءت التماثيل ثقيلة خالية من الرشاقة، الساقان مشدودتان، والوجه ثابت لا يتغير، خال من الحركة والعاطفة. وكانت تُصنع دائما متجهة بوجهها نحو الناظر، متناسبة الجانبين بدقة عجيبة، حتى لو رسمت خطا عموديا في وسطها لمر في منتصف الأنف والفم لا يحيد قيد شعرة! (محمد) وما سبب هذا الجمود؟ (عامر) لعل العرف هو السبب. فقد كان قانون الألعاب اليونانية يحرم على الفائز أن يُصنع له تمثال إلا إذا فاز في جميع مباريات الألعاب الخمس، لأن الفائز فيها جميعا هو وحده صاحب النمو الجثماني المتناسق. أضف إلى ذلك سيطرة العرف الديني على تمثيل الآلهة. (محمد) إذن اقتصر المثّال اليوناني على أنماط محددة؟ (عامر) نعم، نمطان أتقنهما، الشاب العاري ذو اليدين المقبوضتين والوجه الصارم، والعذراء المصففة الشعر تمسك ثوبها بيد وتقرب القربان للآلهة باليد الأخرى. وقد ظل المؤرخون يسمون تماثيل الشبان أبلو، ولكنها كانت في أغلب الظن تماثيل رياضيين أو تماثيل جنائزية. أما تماثيل العذارى، فأجسامهن رشيقة هيفاء، ووجوههن تعلوها ابتسامة ظريفة أشبه بابتسامة موناليزا. (محمد) ومع ذلك، أحدث اليونان تجديدا مبكرا، أليس كذلك؟ (عامر) بلى! فقد كان يونان أيونيا أول من عرفوا فوائد جعل الثياب عنصرا من عناصر النحت. فبينما كانت الأثواب في مصر والشرق الأدنى جامدة كمئزر حجري يخفي الجسم، أدخل المثّالون اليونان في القرن السادس الثنايا في الأقمشة، واستخدموا الثياب للكشف عن مصدر الجمال الأول، وهو الجسم البشري الصحيح السليم. (محمد) وهل تعلم كيف نشأ فن النقش البارز؟ أخبرنا يا عامر. (عامر) تروي قصة ظريفة أن فتاة من كورنثة رسمت على جدار ظل رأس حبيبها الذي ألقاه ضوء مصباح، فجاء أبوها بوتاديس، وكان فخرانيا، فملأ الخطوط بالصلصال وضغطه ثم حرقه. ويؤكد بلني أن هذه هي الطريقة التي نشأ بها النقش القليل البروز. وقد صنع أرسطاطاليس نقشا جنائزيا لأرستيون عام خمسمائة وعشرين قبل الميلاد، وهو تحفة محفوظة في متحف أثينة. (محمد) ثم جاءت اللحظة الفاصلة! (عامر) نعم! ففي عهد الطغاة، وبخاصة عهد ببسستراتس وهبياس في أثينة، بدأ الجمود القديم يزول شيئا فشيئا. قُضي على قاعدة نحت التماثيل مواجهة لناظرها، وأخذت الساقان تتحركان، والذراعان تبتعدان عن الجانبين، واليدان تنفتحان، والوجه ينم عن الإحساس والأخلاق، والجسم ينثني في أوضاع تكشف عن دراسات جديدة في التشريح والحركة. (محمد) كان هذا الانقلاب حادثا خطيرا في تاريخ اليونان إذن. (عامر) بالفعل، وكان التحرر من المواجهة في التماثيل من أجلّ أعمال اليونان الفنية. ومن ذلك الحين، نبذ الفن اليوناني تأثير المصريين والشرقيين، وأصبح فنا يونانيا خالصا. (محمد) هكذا تعلمنا هذه القصة درسا خالدا، أن الفن العظيم لا يولد كاملا، بل يتحرر ببطء من قيوده، حتى تنبض الحجارة نفسها بالحياة. شكرا لك يا عامر، وشكرا لكم أعزاءنا المستمعين، إلى اللقاء في حلقة قادمة.
Embed this episode
What this episode covers
(محمد) مرحبا بكم أعزاءنا المستمعين في حلقة جديدة من بودكاستنا. معي اليوم صديقي عامر، وسنروي لكم قصة مدهشة حقا... قصة حين تحررت التماثيل من صمتها. (عامر) أهلا بك يا محمد! وهي فعلا قصة تستحق أن تُروى. تخيل معي تمثالا يقف أمامك منذ قرون، ساقاه مشدودتان، و
Ready to play
حوار: حين تحررت التماثيل من صمتها — قصة النحت اليوناني
No transcript for this episode yet
Similar Episodes
No similar episodes found.