EPISODE · Jul 25, 2026 · 5 MIN
حوار: كريت المدهشة — حضارة سبقت اليونان بألف عام
from من أرشيف القرية الإلكترونية · host القرية الإلكترونية - أبوظبي
(محمد) هل تعلم يا عامر أن أقدم دور التمثيل في التاريخ لم تكن في أثينا؟ (عامر) حقًا؟ وأين كانت إذن؟ (محمد) في جزيرة صغيرة اسمها كريت! دور بُنيت قبل ملهى ديونيسيوس الشهير بألف وخمسمائة عام. (عامر) ألف وخمسمائة عام؟! هذا مذهل حقًا! (محمد) نعم سمعت جيدًا. ألف وخمسمائة عام كاملة. دعنا نأخذ المستمعين في رحلة إلى واحدة من أكثر الحضارات غموضًا وإبهارًا في التاريخ القديم. (عامر) ولنبدأ من أصعب لغز يواجهنا في حضارة الكريتيين... لغتهم. فالكريتي حين استخدم الحروف الهجائية اليونانية بعد غزو الدوريين لبلاده، كان يدوّن بها كلامًا يختلف كل الاختلاف عن اليونانية المعروفة. (محمد) وبماذا كانت أقرب شبهًا؟ (عامر) بلغات الشرق الأدنى المصرية والقبرصية والحبشية والأناضولية. وقد بدأ الكريتيون بالرموز التصويرية، ثم حوالي عام ألف وثمانمائة قبل الميلاد اختصروا هذه الرموز إلى نحو تسعين علامة مقطعية. (محمد) وبعد مائتي عام استنبطوا نوعًا آخر من الكتابة تشبه علاماته الحروف الفينيقية. ولعل الفينيقيين جمعوا منه ومن المصريين والساميين تلك الحروف التي نشروها في جميع بلاد البحر الأبيض المتوسط، فأصبحت الأداة الفعالة في الحضارة الغربية. (عامر) تخيّل ذلك... ربما تعود جذور الأبجدية التي نعرفها إلى هذه الجزيرة! (محمد) وماذا عن علومهم يا عامر؟ (عامر) كان الكريتي على علم بشيء من الفلك، فقد اشتهر بأنه ملاح ماهر. وتقول الرواية إن الدوريين أخذوا التقويم عن المينويين. بل إن المصريين أنفسهم يعترفون بأنهم مدينون للكريتيين ببعض الوصفات الطبية. (محمد) وأخذ عنهم اليونان أعشابًا عطرية وطبية كالنعناع والشيخ الرومي، وعقارًا يقال إنه يشفي البدانة من غير حاجة إلى الاقتصاد في الطعام! (عامر) عقار يشفي البدانة دون حمية! والآن إلى الفن، وهنا يتألق الكريتي حقًا. (محمد) صحيح، فهو لم يخلّف لنا مبانيَ ذات أبهة وفخامة، بل وجد اللذة فيما تمتاز به الفنون الصغيرة من دقة. برع في صناعة الفخار وقطع الجواهر وصياغة الذهب والفضة. وبلغت صناعة الفخار ذروة مجدها بين عامي ألفين ومائة وألف وتسعمائة وخمسين قبل الميلاد. (عامر) وفي كهف كمارس على جبل إيدا وُجدت آنية رقيقة الجدران لا يزيد سمك جدرانها على ملليمتر واحد. ملليمتر واحد فقط! (محمد) وكان الصانع يوقّع باسمه على ما يصنع، ويحرص أهل البحر المتوسط على اقتناء مصنوعاته. بل صنع نقوشًا لحيوانات بحرية تكاد تكون هي والحيوانات الحقيقية سواء بسواء. (عامر) حتى إن إيفنز رأى سرطانًا بحريًا من المينا فظنه سرطانًا متحجرًا! (محمد) لكن أكثر ما يستلفت النظر في كريت القديمة هو تصويرها. فقد أبقت الزلازل والحروب على روائع من عصر بلغ من القدم حدًا سقط من ذاكرة اليونان الأقدمين أنفسهم. (عامر) نرى الرسامين عام ألفين وخمسمائة قبل الميلاد يضعون على الجدران طبقة من الجير النقي، ويصورون على السطح المبلل بحركات سريعة قبل أن يجف. نقلوا إلى أبهاء القصور المظلمة جمال الحقول، فاستنبتوا الجص زنبقًا وسوسنًا ونرجسًا وبردقوشًا. (محمد) وفي إحدى الجداريات قطة متحفزة تستعد للهجوم على طائر مدلّ بنفسه ينشنش ريشه في الشمس. لوحة تنبض بالحياة بعد أربعين قرنًا! (عامر) ومن حق الكريتيين علينا أن نقول إن التصوير لم يمثل الطبيعة بمثل النضارة التي مثّلها بها التصوير الكريتي، مع جواز استثناء مصر القديمة وحدها. (محمد) وتتوّج هذه الفنون كلها في قصر كنوسس. قصر شُيّد حول فناء أوسط سعته عشرون ألف قدم مربعة، بثلاثة أطباق من البناء أو أربعة، تحتوي على حوانيت ومعاصر للخمر ومخازن ومكاتب وحجرة عرش ودار للتمثيل. (عامر) وأكبر الظن أن هذا القصر الفسيح هو قصر التيه الشهير، اللابيرنث، الذي يعزوه الأقدمون إلى ديدلوس. (محمد) والمدهش أن بناة كنوسس جهزوا القصر بنظام لصرف الماء والفضلات أرقى من كل نظام مماثل في التاريخ القديم! أنابيب من الصلصال المحروق، كل قسم منها بطول ثلاثين بوصة، مزود بشرك لحجز الرواسب، ومربوط بما يليه برباط محكم من الأسمنت. (عامر) وربما كان فيها جهاز يمد القصر بالماء الساخن. نعم، ماء ساخن، قبل آلاف السنين! (محمد) ثم ماذا حدث؟ (عامر) ضعفت التقاليد واضمحل الفن، وحلّ الإهمال محل الدقة والصقل. لكن ليس من حقنا أن نلوم الكريتيين، فهذا هو الموت الذي لا مفر منه، الذي لا بد أن يلاقيه الفن إذا بلغ سن الشيخوخة. (محمد) فيستغرق في سبات مدى ألف عام، ثم يولد من جديد ليبلغ الكمال في المزهريات الأتيكية. (عامر) وهكذا نكتشف أن الحضارة لا تولد من فراغ. فقبل أن تشرق شمس اليونان، كانت كريت قد أضاءت البحر المتوسط بفنونها وعلومها وقصورها. (محمد) حضارة رحلت، لكنها تركت بصمتها في كل ما جاء بعدها. (عامر) فهل نحن اليوم إلا امتداد لأولئك الصناع الذين وقّعوا بأسمائهم على أعمالهم قبل أربعة آلاف عام؟
Embed this episode
What this episode covers
(محمد) هل تعلم يا عامر أن أقدم دور التمثيل في التاريخ لم تكن في أثينا؟ (عامر) حقًا؟ وأين كانت إذن؟ (محمد) في جزيرة صغيرة اسمها كريت! دور بُنيت قبل ملهى ديونيسيوس الشهير بألف وخمسمائة عام. (عامر) ألف وخمسمائة عام؟! هذا مذهل حقًا! (محمد) نعم سمعت جيدًا.
Ready to play
حوار: كريت المدهشة — حضارة سبقت اليونان بألف عام
No transcript for this episode yet
Similar Episodes
No similar episodes found.