EPISODE · Jul 30, 2026 · 5 MIN
حوار: الأخ الملاك: الراهب الذي عجز عن رسم الشر فرسم الجنة
from من أرشيف القرية الإلكترونية · host القرية الإلكترونية - أبوظبي
(محمد) تخيل معي يا عامر فنانًا كان عاجزًا تمامًا عن تصوير الشر. كلما حاول رسمه خانه خياله وتوقفت يده! (عامر) عاجز عن رسم الشر؟ هذا أمر غريب حقًا. ومن يكون هذا الفنان؟ (محمد) هو فرا أنجيليكو. الراهب الذي لقبه رفاقه بالأخ الملاك. فحين أراد أن يرسم البهجة والحب والصلة بين الكون والله فاضت موهبته فيضًا غزيرًا لا ينضب. (عامر) الأخ الملاك! لقب مثير للاهتمام. حدثنا عن نشأته. (محمد) وُلد باسم جويدو دي بييترو وعاش بين عامي ألف وثلاثمئة وسبعة وثمانين وألف وأربعمئة وخمسين. وفي عام ألف وأربعمئة وسبعة انتظم في سلك الرهبنة وانضم إلى جماعة الدومينكان بالقرب من فييزولي ضاحية فلورنسا. هناك دعاه رفاقه فرا جوفاني أنجيليكو أي الأخ الملاك. (عامر) وما الذي وقف نفسه عليه في فنه؟ (محمد) وقف نفسه على تصوير رؤى العصور الوسطى لجنة الله على الأرض. انظر إلى لوحاته فوق جدران دير القديس مرقص بفلورنسا. لن تجد فيها موهبة فنية فحسب، بل رقة وتعاطفًا مع الموجودات وروحانية تغمر كل تفصيلة. (عامر) لكن كيف يقارن بجوتو مثلًا؟ (محمد) صحيح أن إحساسه بالدلالة المادية كان يقل شيئًا عما كان عند جوتو. لكن حسه الرهيف قاده إلى مجالات لم يطرقها جوتو من قبل. كان يرى الوجود سويًا لا مكان للشر فيه. وكان أول من أضفى على اللوحة الفلورنسية إشراقة عذبة بألوانها الوردية والزرقاء والذهبية! (عامر) وماذا عن ملائكته الشهيرة؟ (محمد) آه، ملائكته! تلك التصاوير اللطيفة الرهيفة وهم يحيطون بالعذراء والطفل. ما بين عازف للقيثارة أو الكمان أو الأورغن أو نافخ في المزمار أو البوق أو قارع على الطبل أو ناقر الدف. لعلها من أبدع ما خطته يد فنان للملائكة على مر العصور. (عامر) وهل صوّر يوم الحساب كما فعل فنانو عصره؟ (محمد) هنا الغرابة يا عامر! في لوحته عن يوم الحساب صور الفردوس. ملائكة السماء وأبرار الأرض يراقص بعضهم بعضًا حينًا ويعانق بعضهم بعضًا حينًا آخر. فالعصور الوسطى انصبت أخيلة فنانيها على جانب الشقاء والعذاب والترهيب. فاضت صورهم بالجحيم والنار لا الجنة والنعيم. أما هو فجمع بين الحب الدنيوي والحب السماوي جمعًا لم نجد قبله من وُفق مثله. (عامر) إذن كان حلقة وصل بين عصرين؟ (محمد) بالضبط! العصر الوسيط وعصر النهضة. فهو يمت إلى العصور الوسطى بأسباب قوية لكنه استخدمها على نحو جديد وبتعبير حديث. (عامر) ومع ذلك أظن أن مؤرخي الفن اختلفوا حوله؟ (محمد) نعم، ومن الغريب أن كثرة منهم يتجاهلون نزعته الانتقالية هذه. يعدون عليه رسمه للأطراف دون مفاصل ويحصون هناته في رسم الأحداث. لكن الأمر على النقيض تمامًا. فمحاولاته تلك كانت بالنسبة لفناني عصره سبقًا رفعه إلى مصاف المجددين. هذا إذا استثنينا مازاتشيو صاحب أولى الخطوات الرائدة في هذا الميدان. (عامر) وما أبرز لوحاته التي تجسد هذا المزج بين العصرين؟ (محمد) انظر إلى لوحة البشارة التي رسمها لتزيين البهو العلوي من دير القديس مرقص. مزيج ممتع يجمع بين ما هو سابق ولاحق فنيًا. صور فيها المبنى والمنظور في إتقان لافت. لكنه غمر صورة جبريل وصورة مريم بفيض من النور فإذا بنا نتطلع إلى رؤيا حالمة لا صورة مصورة. وكانت مريم العذراء شغله الشاغل فيما يصور. (عامر) وهل هناك أعمال أخرى بارزة؟ (محمد) هناك لوحة تقديم المجوس الهدايا للمسيح الطفل المحفوظة بالناشونال جاليري في واشنطن. بدأها أنجيليكو وأتمها من بعده فرا فيليبو. وباتت تعد من خوارق الأعمال الفنية! فصف الصبية العرايا المطل على موكب المجوس يشي بالعناية بدقة تفاصيل الجسد البشري الذي شغل المصورين الفلورنسيين إلى أن بلغ ذروته في عرايا ميكلانجلو. وظل الفن الفلورنسي نصف قرن كامل واقعًا تحت تأثير هذين الراهبين. (عامر) وسمعت أن في اللوحة تفصيلة رمزية مميزة؟ (محمد) نعم، الطاووس البديع الرابض فوق مسنم المزود. فالطاووس في الفن المسيحي رمز للخلود وفقًا للأسطورة الشائعة بأن لحمه لا يلحقه العفن. والنقوش على ذيله التي تبدو كأنها مئة عين ترمز إلى الكنيسة التي لا تخفى عليها خافية. (عامر) وماذا عن تصويره للطبيعة؟ (محمد) لم يكن أول فنان إيطالي عني بتصوير المشاهد الخلوية فحسب. بل كان أول من بث في روعنا الإحساس بجمال الطبيعة ورونقها. فنحس نضارة الربيع في تصويره لأزهار البيئة التوسكانية. أزهار لم يختلف علماء النبات على دقتها ومطابقتها للحقيقة في لوحة دفن جسد المسيح. (عامر) هكذا كان الأخ الملاك إذن. راهب عجز عن رسم الشر فرسم الجنة. (محمد) فنان وقف بقدم في العصور الوسطى وقدم في عصر النهضة. ورسام حوّل الإيمان إلى ألوان وردية وزرقاء وذهبية ما زالت تعيد إلى النفس صباها بعد ستة قرون. (عامر) فهل الفن العظيم يحتاج إلى شيء أكثر من قلب صاف يرى الوجود بلا شر؟ (محمد) ربما كان فرا أنجيليكو هو الإجابة.
Embed this episode
What this episode covers
(محمد) تخيل معي يا عامر فنانًا كان عاجزًا تمامًا عن تصوير الشر. كلما حاول رسمه خانه خياله وتوقفت يده! (عامر) عاجز عن رسم الشر؟ هذا أمر غريب حقًا. ومن يكون هذا الفنان؟ (محمد) هو فرا أنجيليكو. الراهب الذي لقبه رفاقه بالأخ الملاك. فحين أراد أن يرسم البهجة
Ready to play
حوار: الأخ الملاك: الراهب الذي عجز عن رسم الشر فرسم الجنة
No transcript for this episode yet
Similar Episodes
No similar episodes found.