EPISODE · Jul 30, 2026 · 5 MIN
حوار: من رماد الهزيمة: نداءٌ أيقظ أمة
from من أرشيف القرية الإلكترونية · host القرية الإلكترونية - أبوظبي
(محمد) تخيّل معي قارةً بأكملها تحبس أنفاسها. إمبراطور عاد مهزومًا من ثلوج روسيا، وشعوبٌ كانت خاضعة له بالأمس تشحذ سيوفها اليوم! (عامر) نعم، إنها لحظة فارقة في التاريخ. ففي الثامن عشر من ديسمبر سنة ألف وثمانمئة واثني عشر، وفي اليوم نفسه الذي وصل فيه نابليون المهزوم إلى باريس، كان القيصر إسكندر يغادر سان بطرسبرج متجهًا غربًا. رجلان يتحركان في اتجاهين متعاكسين، وبينهما مصير أوروبا كلها. (محمد) وكيف كان حال أوروبا حينها يا عامر؟ (عامر) كانت أوروبا كلها متوترة، تعود القهقرى إلى انقسامات القرن الثامن عشر. أهل ميلان يتفجعون على أبنائهم الذين استدعاهم نابليون لغزو روسيا ولم يعودوا أبدًا. وأهل روما يدعون لعودة البابا الصبور الأسير المهان في فونتينبلو إلى كرسيه الرسولي. (محمد) والنمسا وبروسيا؟ (عامر) النمسا الممزقة كانت تنتظر ميترنيخ ليحررها ببراعته الدبلوماسية من تحالف مفروض عليها مع عدوها التقليدي فرنسا. أما بروسيا فقد جُرّدت من نصف أراضيها ونصف مواردها، وها هي ترى عدوها وناهبها وقد مزقته كارثة مروعة. لقد حانت الفرصة التي طالما تمنوها. (محمد) لكن هل تعلم كم كلّف النصر روسيا نفسها؟ (عامر) ثمنٌ باهظ حقًا. حين وصل إسكندر إلى فيلينا في الثالث والعشرين من ديسمبر ليشارك كوتوزوف وجيشه الاحتفال، كان هذا الجيش قد فقد مئة ألف قتيل وخمسين ألف جريح وخمسين ألفًا بين هارب ومفقود. (محمد) وكيف تعامل إسكندر مع قائده كوتوزوف؟ (عامر) هنا المفارقة! امتدحه علنًا، لكنه تشكك في قيادته في مجالسه الخاصة، حتى إنه قال للسير روبرت ويلسون إن كوتوزوف كان يُقاد بحكم الظروف، وإنه انتصر رغم أنفه. ومع هذا منح المقاتل المرهق أعلى الأوسمة العسكرية الروسية، وسام الصليب الكبير لجماعة القديس جورج العسكرية. (محمد) وماذا فعل إسكندر بعد ذلك؟ (عامر) كان إسكندر، بسبب تحقق نبوءته، مقتنعًا بأنه ملهم من السماء. فتولى القيادة العليا بنفسه، وواصل طريقه على طول نهر النيمن إلى تورجن، حيث سمح الجنرال البروسي يورك فون فارتنبورج للروس بعبور النهر إلى بروسيا الشرقية في الثلاثين من ديسمبر. وأعلن القيصر العفو العام عن كل البروس الذين سبق أن حاربوه. (محمد) وكيف استقبله الناس؟ (عامر) تقدّم عبر بروسيا الشرقية والناس يحيونه صائحين: إسكندر طويل العمر، حياة مديدة للقوزاق! وفي السابع من فبراير سنة ألف وثمانمئة وثلاثة عشر، دخل وارسو دون مقاومة. وهكذا ماتت دوقية وارسو الكبيرة موتًا مبكرًا، وأصبحت بولندا كلها تابعة لروسيا. (محمد) فماذا عن بروسيا نفسها؟ (عامر) كان شعبها المعتز بنفسه، الذي لا يزال يتذكر فريدريك، قد طال انتظاره لهذه اللحظة. كانت الطبقات الوسطى ساخطة على الحصار القاري والضرائب المرتفعة، وكان المسيحيون بكل طوائفهم لا يثقون في نابليون ويدينون معاملته السيئة للبابا. (محمد) والملك فريدريك وليم الثالث؟ (عامر) كان ممزقًا بين النسر الفرنسي والدب الروسي، فانسحب من برلين إلى بريسلاو. لكن الأحداث فرضت عليه قراره. ففي السابع عشر من مارس أصدر نداءه الشهير: نداء إلى شعبي. ناشد فيه أهل براندنبورج وسيليزيا وبوميرانيا وليتوانيا أن يهبوا حاملين أسلحتهم، قائلًا إنها المعركة النهائية والحاسمة، وإنه ليس أمامهم بديل آخر: إما سلام مشرف وإما نهاية بطولية. (محمد) وهل استجاب الشعب للنداء؟ (عامر) هبّت كل الطبقات! أعلن رجال الدين الحرب المقدسة، وصرف المعلمون ومنهم فيشته وشليرماشر طلبتهم قائلين إن الوقت ليس وقت دراسة بل وقت عمل. ونحّى الشعراء أقلامهم جانبًا وامتشقوا الحسام، ومات بعضهم مثل ثيودور كورنر في المعركة. وفي حرب التحرير هذه وُلدت ألمانيا جديدة. (محمد) وكيف استعدت بروسيا عسكريًا؟ (عامر) أمر الملك بالتجنيد الإلزامي لكل الذكور بين السابعة عشرة والأربعين، فلما بدأ ربيع سنة ألف وثمانمئة وثلاثة عشر، كان لدى بروسيا ستون ألف رجل مدرب، إلى جانب خمسين ألفًا من الجيوش القادمة من روسيا. وبهؤلاء الجنود دخل إسكندر وفريدريك وليم المعركة التي كان عليها أن تقرر مصير نابليون وتكوين أوروبا. وتعهدت إنجلترا بمليوني جنيه إسترليني، وفتحت بروسيا موانئها للبضائع البريطانية التي تدفقت إلى المخازن على نهر الإلبه. (محمد) وهكذا انقلبت الآية تمامًا، أليس كذلك؟ (عامر) تمامًا. إسكندر انطلق ليحقق في تقدمه غربًا كل ما كان نابليون يريد تحقيقه في تقدمه شرقًا: أن يغزو بلاد العدو، ويهزم جيوشه، ويستولي على عاصمته، ويجبره على التخلي عن عرشه. إنها مفارقة التاريخ الكبرى: الغازي الذي لا يُهزم صار مطاردًا بالسلاح نفسه الذي رفعه على الآخرين. (محمد) فهل تُبنى الإمبراطوريات على شيء أهشّ من خوف الشعوب؟ (عامر) حين زال الخوف، وُلدت أمم جديدة من تحت الرماد.
Embed this episode
What this episode covers
(محمد) تخيّل معي قارةً بأكملها تحبس أنفاسها. إمبراطور عاد مهزومًا من ثلوج روسيا، وشعوبٌ كانت خاضعة له بالأمس تشحذ سيوفها اليوم! (عامر) نعم، إنها لحظة فارقة في التاريخ. ففي الثامن عشر من ديسمبر سنة ألف وثمانمئة واثني عشر، وفي اليوم نفسه الذي وصل فيه ناب
Ready to play
حوار: من رماد الهزيمة: نداءٌ أيقظ أمة
No transcript for this episode yet
Similar Episodes
No similar episodes found.