EPISODE · Jul 30, 2026 · 5 MIN
حوار: أنهارٌ تسمع الدعاء منذ ألفي عام
from من أرشيف القرية الإلكترونية · host القرية الإلكترونية - أبوظبي
(محمد) هل تتخيل أن ملايين البشر ظلوا لألفي عام كاملة يغمسون أجسادهم في مياه نهر واحد، وهم يرتعشون من لذعة البرد في فجر الشتاء، ويرددون نفس الدعوات إلى آلهة لبثت على صمتها؟ (عامر) ومع ذلك لم يفقدوا الإيمان لحظة واحدة! هذه قصة من عمق الهند، حيث تتشابك الخرافة بالقداسة، والخوف بالأمل، في صورة تاريخية لا مثيل لها. (محمد) نعم يا عامر، ففي جو لاهوتي مفعم بالخوف والألم، ازدهرت الخرافة في الهند ازدهارا خصيبا. فكانت أول معونة ترسلها القوة الكامنة فوق الطبيعة لتعالج الأدواء الصغرى في الحياة: القرابين، والتمائم، وإخراج الشياطين من الأبدان، والتنجيم، والنبوءة بالغيب، وقراءة الكف. (عامر) والأرقام هنا مذهلة حقا! طائفة الكهان بلغت أكثر من مليونين وسبعمائة ألف، وفاتحو البخت يبلغون المليون، ومروضو الثعابين بالسحر مائة ألف، والفقراء مليون آخر! (محمد) ومنذ ألف ومائتي عام كان للهنود عدد كبير من الكتب التي تشرح أصول التصوف والسحر والعرافة. (عامر) والمثير للدهشة أن البراهمة أنفسهم نظروا نظرة ازدراء صامت إلى هذه الديانة المليئة بالسحر، لكنهم احتملوا وجودها. لماذا برأيك؟ (محمد) لأنهم خشوا أن تكون الخرافة بين عامة الناس عاملا ضروريا لصيانة قوة البراهمة أنفسهم، ولأنهم ظنوا أن الخرافة يستحيل فناؤها. فإن ماتت في صورة، عادت إلى الوجود في صورة أخرى. (عامر) وكان العرافون والسحرة إذا ما أجريتهم أجرا زهيدا يعلنون لك ماضي الحوادث ومستقبلها، بدراسة الأكف أو الأحلام أو علامات السماء، بل حتى الخروق التي أحدثتها الفئران في الثياب! (محمد) بل حتى البرهمي نفسه إذا تثاءب جعل يفرقع بأصابعه ذات اليمين وذات الشمال حتى يطرد الأرواح الشريرة، فلا يسمح لها بالدخول من فمه المفتوح. (عامر) ولم يكن يعدل رغبة الهنود في الأطفال شيء، حتى النرفانا نفسها. ومن هنا جاء التقديس الديني لرموز النسل والخصوبة. (محمد) صحيح، فعبادة العلاقة الجنسية لبثت قائمة في الهند من العصور القديمة إلى القرن العشرين، وكان إلهها هو شيفا. وأينما سرت في الهند ألفيت آثار هذه العبادة، في معابد بنارس، وفي أوثان اللنجا الهائلة التي تحيط بمعابد شيفا في الجنوب. (عامر) لكن مهلا، هل كانت هذه العبادة داعرة فعلا؟ (محمد) الحقيقة عكس ما قد تظن. فالكثرة الغالبة من الناس لا يجدون فيها حافزا إلى الفاحشة أكثر مما يجد المسيحيون في تأملهم للعذراء وهي ترضع طفلها. إن العادة تزيل الفحش عن أي شيء، والزمن يخلع القداسة على أي شيء. (عامر) بل إن عبادة شيفا من أكثر العبادات في الهند تزمتا وتقشفا، وأخلص عباد اللنجا وهم اللنجايات يمثلون أشد مذاهب الهند طهرا. (محمد) ويقول غاندي في عبارة تحمل مفارقة عجيبة: "جاءنا أضيافنا الغربيون آخر الأمر يفتحون أعيننا لجوانب الفحش التي في طقوسنا، بعد أن كنا نمارسها حتى عهدهم ممارسة بريئة؛ لقد عرفت لأول مرة أن شيفا لنجام ترمز إلى فاحشة، من كتاب لمبشر مسيحي". (عامر) أما أعظم الطقوس الجماعية فهي تقديم القرابين. والهندي يعتقد أن الآلهة إذا لم تطعم فإنها تموت جوعا. (محمد) وفي مرحلة قديمة كانت القرابين ضحية بشرية، وكانت كالي تحب أن يكون قربانها رجالا. ثم تقدمت الأخلاق فاكتفى الآلهة بالحيوان قربانا. (عامر) وجاءت البوذية والجانتية فحرمت التضحية بالحيوان، ثم عادت العادة إلى مجراها القديم حين حلت الديانة الهندية محل البوذية. (محمد) وكانت طقوس التطهير تستغرق من حياة الهندي ساعات كثيرة، فما أكثر ما يصاب بالنجاسة! إن أكل طعاما حراما، أو مس منبوذا، أو جثة. (عامر) وللحالات الكبرى طقس بالغ البشاعة يسمى بانشاجافيا، يحكم به عقابا على من انتهك قوانين الطبقات، وقوامه شرب مزيج من خمسة عناصر من البقرة المقدسة: اللبن، والخثارة، والسمن، والبول، والروث. (محمد) وأقرب إلى ذوقنا الاستحمام اليومي الذي يوجبه الدين، تدبير صحي تمس إليه الحاجة في مناخ شبه استوائي، صب في قالب من الدين ليكون أقوى تأثيرا في النفوس. (عامر) وقد كان ملايين الناس في أيام الرحالة يوان شوانج يستحمون في نهر الكنج كل صباح، وأصبحت بنارس المدينة المقدسة للهند، كعبة لملايين الحجاج يأتونها من كل أرجاء البلاد ليستحموا في النهر حتى يستقبلوا الموت أطهارا من كل رجس. (محمد) إن الإنسان ليأخذه الخشوع، بل يأخذه الفزع، حين يتذكر أن هؤلاء الناس حجوا إلى بنارس مدى ألفي عام، توجهوا بالدعاء قرنا بعد قرن إلى نفس الآلهة التي لبثت على صمتها. (عامر) لكن عدم استجابة إله لا يحول دون تعلق القلوب به. فلا تزال الهند تعتقد اليوم بنفس القوة التي كانت تعتقد بها في أي عصر مضى. (محمد) وربما كان هذا هو أعمق ألغاز الروح الإنسانية: أن يظل الإيمان حيا، حتى حين يبقى الجواب صمتا.
Embed this episode
What this episode covers
(محمد) هل تتخيل أن ملايين البشر ظلوا لألفي عام كاملة يغمسون أجسادهم في مياه نهر واحد، وهم يرتعشون من لذعة البرد في فجر الشتاء، ويرددون نفس الدعوات إلى آلهة لبثت على صمتها؟ (عامر) ومع ذلك لم يفقدوا الإيمان لحظة واحدة! هذه قصة من عمق الهند، حيث تتشابك ال
Ready to play
حوار: أنهارٌ تسمع الدعاء منذ ألفي عام
No transcript for this episode yet
Similar Episodes
No similar episodes found.