EPISODE · Jul 30, 2026 · 5 MIN
حوار: قبة برونليسكي... معجزة فلورنسا التي أعلنت ميلاد عصر النهضة
from من أرشيف القرية الإلكترونية · host القرية الإلكترونية - أبوظبي
(محمد) أهلاً وسهلاً بكم في حلقة جديدة من بودكاستنا. اليوم معنا قصة استثنائية، قصة قبة غيرت وجه أوروبا بأكملها. عامر، هل تتخيل مدينة كاملة تصطف في الشوارع لمشاهدة مبنى؟ (عامر) هذا بالضبط ما حدث في الأسبوع الأخير من شهر مارس عام ألف وأربعمائة وستة وثلاثين. اجتمع في فلورنسا حشد هائل من الفنانين والأدباء والموسيقيين، قلما اكتحلت عيون ربات الفن بمثله، لتدشين كاتدرائية المدينة. عيونهم جميعاً معلقة بقبة شاهقة تعانق السماء. (محمد) ومن هو الرجل الذي صنع هذه المعجزة؟ (عامر) إنه المهندس الفنان برونليسكي، الذي عاش بين عامي ألف وثلاثمائة وسبعة وسبعين وألف وأربعمائة وستة وأربعين. توج بعبقريته المعمارية بناء كاتدرائية بدئ في إنشائها منذ أواخر القرن الثالث عشر، فوضع فوقها قبة ضخمة هائلة. (محمد) سمعت أنه كان ثائراً بطبعه، أليس كذلك؟ (عامر) صحيح تماماً! فحين كان يناط به تصميم كنيسة أو مبنى، كان يطرح الطراز التقليدي إطراحاً تاماً، محاولاً إحياء عظمة الرومان السالفة. حتى قيل إنه رحل إلى روما ومضى يقيس أطلال المعابد والقصور القديمة. (محمد) إذن كان هدفه محاكاة تلك المباني القديمة؟ (عامر) لا، انتبه! لم يكن هدفه المحاكاة أبداً، بل ابتكار طريقة جديدة للبناء تتيح له إبداع نماذج جمالية متناسقة. وهل تعلم أن أثره امتد لخمسمائة عام؟ ظل المعماريون في العالم أجمع يترسمون خطاه طوال هذه القرون. (محمد) خمسمائة عام! هذا مذهل حقاً. وأعتقد أن له اكتشافاً آخر لا يقل أهمية؟ (عامر) نعم، العالم مدين له باكتشاف المنظور الذي سيطر على ميدان الفن قروناً طويلة. فقد كان الفنانون قبله لا يدركون القوانين الرياضية التي تتضاءل بها الأشكال كلما تراجعت نحو العمق، فجاء برونليسكي ليزودهم بالوسائل الرياضية لحل هذه المشكلة. (محمد) فكيف بنى تلك القبة الأسطورية؟ (عامر) لقد أشرف على تشييدها ستة عشر عاماً بعد عودته من روما حيث درس مبنى البانثيون. بناها فوق فراغ مثمن الشكل يبلغ قطره اثنين وأربعين متراً تقريباً، وترتفع قاعدتها أربعة وخمسين متراً فوق سطح الأرض. (محمد) وكيف تعامل مع هذا الحجم الهائل؟ (عامر) بجسارة منقطعة النظير! دفع بثمانية ضلوع من زوايا المثمن ثلاثين متراً لأعلى، ثم أضاف ضلعين ثانويين بين كل ضلعين رئيسيين ليصبح المجموع أربعة وعشرين ضلعاً، وعززها بدعامات ومشابك حديدية. وكانت هذه القبة الأولى من نوعها في ضخامتها منذ العصر الكلاسيكي القديم. (محمد) ولم يكن برونليسكي وحده نجم ذلك العصر، صحيح؟ (عامر) بالفعل. ففي اليوم نفسه كان الفنان جيبرتي قد فرغ من نقوش البوابة البرونزية الشمالية لمبنى المعمودية، وعكف على البوابة الشرقية التي ما كاد يشاهدها ميكلانجلو حتى أطراها قائلاً إنها جديرة بأن تكون أبواباً لجنة الفردوس. (محمد) يا له من إطراء عظيم! وماذا عن الفنانين الآخرين؟ (عامر) كان المثال دوناتللو قد قبض أجره عن تماثيل زينت الكاتدرائية وبرجها المسمى برج جوتو، ذلك البرج البديع الذي صممه جوتو كبير المهندسين منذ عام ألف وثلاثمائة وأربعة وثلاثين. (محمد) لكن السؤال المهم، من كان يمول كل هذا الإبداع؟ (عامر) هنا يظهر اسم أسرة مديتشي، وعلى رأسها كوزيمو دي مديتشي. رجل من الدهاء بحيث أدرك شغف مواطنيه العميق بالمساواة، فلم يتخذ لنفسه لقباً قط، بل حكم من وراء ستار. (محمد) ومن أين جاءت ثروتهم؟ (عامر) كان أعضاء أسرته ممثلي البابا المصرفيين، يقرضون المال لحكام الدول الأجنبية، ويبتاعون الصوف الإنجليزي لينسج في فلورنسا أقمشة فاخرة جعلت الفلورين سيد العملات في أوروبا. (محمد) وهل صحيح أنه رفض قصراً فخماً صممه برونليسكي؟ (عامر) نعم! حين عرض عليه برونليسكي تصميم قصر فخم رفضه قائلاً إن الحسد نبات لا ينبغي ريه، وآثر تصميماً أكثر تواضعاً قدمه ميكلتزو. ومع ذلك أسس الأكاديمية الأفلاطونية الحديثة، وأنشأ أول أكاديمية للفن منذ العهد الكلاسيكي القديم، فلا عجب أن منحه مجلس السنيوريا بعد وفاته لقب أبو الوطن. (محمد) وحدثنا عن يوم التدشين الخالد. (عامر) كان أحد القيامة في الخامس والعشرين من مارس عام ألف وأربعمائة وستة وثلاثين، وقد اختاره البابا أوجين الرابع لأنه تصادف مع عيد بشارة العذراء مريم. وأسبغ البابا بركته على وردة من الذهب أهديت إلى سانتا ماريا دل فيوري، أي مريم الزهراء. (محمد) وما أروعها من إشارة، فالمدينة نفسها اشتقت اسمها من كلمة فلورا أي الزهرة! (عامر) تماماً. وألف الموسيقي العظيم جيوم دوفاي موتيت التكريس، ويصف شاهد العيان جيانوتزو مانيتي أصوات المنشدين بأنها كانت ترتفع حتى يخال المستمعون أنها تنحدر من بين شفاه الملائكة. (محمد) وهكذا نرى أن قبة واحدة كانت أكثر من مجرد حجر وطوب. (عامر) كانت إعلاناً عن ميلاد عصر جديد، عصر النهضة، حيث حل الوضوح الرياضي والاتجاه العقلاني محل غموض العصور الوسطى. فتأمل كيف يمكن لعقل واحد جسور، ومدينة واحدة مزدهرة، أن يغيرا مسار الفن في العالم لخمسة قرون كاملة.
Embed this episode
What this episode covers
(محمد) أهلاً وسهلاً بكم في حلقة جديدة من بودكاستنا. اليوم معنا قصة استثنائية، قصة قبة غيرت وجه أوروبا بأكملها. عامر، هل تتخيل مدينة كاملة تصطف في الشوارع لمشاهدة مبنى؟ (عامر) هذا بالضبط ما حدث في الأسبوع الأخير من شهر مارس عام ألف وأربعمائة وستة وثلاثين.
Ready to play
حوار: قبة برونليسكي... معجزة فلورنسا التي أعلنت ميلاد عصر النهضة
No transcript for this episode yet
Similar Episodes
No similar episodes found.