EPISODE · Jul 30, 2026 · 5 MIN
حوار: صقلية.. حين كادت إيطاليا أن تصبح عربية
from من أرشيف القرية الإلكترونية · host القرية الإلكترونية - أبوظبي
(محمد) هل تعلم يا عامر أن روما نفسها، عاصمة المسيحية في الغرب، دفعت الجزية للمسلمين ذات يوم؟ (عامر) روما تدفع الجزية؟ هذا أمر يثير الدهشة حقا! كيف حدث ذلك؟ (محمد) نعم، لقد اضطر البابا في عام ثمانمئة وستة وسبعين إلى دفع خمسة وعشرين ألف منقوص سنويا حتى يكف العرب عن الإغارة على مدينته. وقصتنا اليوم عن قرن كامل كادت فيه إيطاليا أن تصبح ملكا للعرب. (عامر) فمن أين تبدأ هذه الحكاية؟ (محمد) تبدأ بعد فتح الشام ومصر. أدرك زعماء الإسلام حقيقة بسيطة لكنها حاسمة: لا يمكن الدفاع عن سواحل بلادهم من غير أسطول. وسرعان ما تحركت سفنهم الحربية فاستولت على قبرص ورودس، وهزمت العمائر البيزنطية في عامي ستمئة واثنين وخمسين وستمئة وخمسة وخمسين. (عامر) وهل توقفت الفتوحات عند ذلك الحد؟ (محمد) بل توالت! قورسقة في عام ثمانمئة وتسعة، وسردينية في العام التالي، وكريت في ثمانمئة وثلاثة وعشرين، ومالطة في ثمانمئة وسبعين. لكن الجائزة الكبرى كانت صقلية! (عامر) صقلية؟ حدثني عنها. (محمد) في عام ثمانمئة وسبعة وعشرين بدأ النزاع القديم بين بلاد اليونان وقرطاجنة من جديد. وأرسل الأغالبة، أمراء القيروان، الحملة تلو الحملة. فسقطت بالرم في عام ثمانمئة وواحد وثلاثين، ثم مسينا، ثم سرقوسة، ثم تارمينا في عام تسعمئة واثنين. (عامر) وماذا حدث حين ورث الفاطميون ملك الأغالبة؟ (محمد) ورثوا معه الجزيرة. وعندما نقلوا عاصمتهم إلى القاهرة، أعلن واليهم حسين الكلبي نفسه أميرا عليها، وأسس الأسرة الكلبية التي بلغت في عهدها الحضارة الإسلامية في صقلية ذروة مجدها. (عامر) ومن صقلية تطلعوا إلى إيطاليا نفسها، أليس كذلك؟ (محمد) بالضبط! تخيل معي المشهد: في عام ثمانمئة وأربعة وستين نزل ألف ومئتان من المسلمين في أوستيا، وزحفوا حتى أشرفوا على أسوار روما ذاتها! نهبوا ضواحي المدينة وكنيستي القديسين بطرس وبولس، ثم عادوا على مهل إلى سفنهم. على مهل... وكأن أحدا لا يجرؤ على اعتراضهم. (عامر) فماذا فعلت روما إزاء هذا الخطر؟ (محمد) رأى البابا ليو الرابع أن السلطة المدنية عاجزة عن الدفاع، فأخذ المهمة على عاتقه. عقد حلفا بين روما وأملفي ونابلي وجيتا، ومد سلسلة في عرض نهر التيبر ليمنع العدو من اجتيازه. وحين حاول العرب مرة أخرى الاستيلاء على عاصمة المسيحية في عام ثمانمئة وتسعة وأربعين، قابلهم الأسطول الإيطالي المتحد بعد أن باركه البابا وهزمهم. وقد صور الفنان رفائيل منظر هذه الواقعة في قصر الفاتيكان. (عامر) لكن هل انقطعت الغارات بعد تلك الهزيمة؟ (محمد) لا، ظلت إيطاليا الوسطى جيلا كاملا يغشاها جو من الخوف والفزع. ففي عام ثمانمئة وأربعة وثمانين أحرق المسلمون دير مونتي كاسينو العظيم ودمروه عن آخره. ولم تنته هذه الحقبة إلا حين اجتمعت قوات البابا وإمبراطوري بيزنطية وألمانيا ومدن إيطاليا، وهزمت العرب على نهر كرجليانو عام تسعمئة وستة عشر. (عامر) مئة عام كاملة كادت فيها إيطاليا أن تسقط! وماذا يقول المؤرخون في ذلك؟ (محمد) يتأمل المؤرخ فيقول إن روما لو سقطت لزحف المسلمون على البندقية، ولو استولوا عليها لأطبقت على القسطنطينية قوتان إسلاميتان عظيمتان. ترى إلى أي حد تتعلق مصائر الناس بنتائج الحروب ومصادفاتها؟ (عامر) وبينما كانت الحروب تشتعل، ماذا كان يجري في صقلية؟ (محمد) كانت تزدهر! في شوارع بالرم اختلط الصقليون واليونان واللمبارد. وشاهد الجغرافي ابن حوقل حوالي عام تسعمئة وسبعين نحو ثلاثمئة مسجد وثلاثمئة من معلمي المدارس. وأحسن العرب المهرة تنظيم الأحوال الاقتصادية، فأضحت بالرم ثغرا تجاريا عظيما بين أوروبا المسيحية وأفريقية الإسلامية، وصارت من أغنى المدن في بلاد الإسلام. (عامر) وأي حياة كانت تلك؟ (محمد) يصف الشاعر الصقلي ابن حمديس ساعات المتعة والمرح حتى منتصف الليل، والفتيات المغنيات يدغدغن العود بأصابعهن اللطيفة ويرقصن كأنهن الأقمار الساطعة فوق الأغصان اللدنة. وكان في الجزيرة آلاف من الشعراء، وعلماء لأن في بالرم جامعة، وأطباء عظام أثر طبهم تأثيرا ذا بال في مدرسة سالرنو الطبية. (عامر) ثم جاء النورمان، أليس كذلك؟ (محمد) نعم، ففتحوا صقلية بين عامي ألف وستين وألف وواحد وتسعين. وفخر الكونت روجر بأنه سوى بالأرض المدائن والقلاع والقصور العربية. لكن هل يمكن محو حضارة كاملة؟ (عامر) يبدو أن الجواب لا! (محمد) بالفعل، لقد كان نصف ما امتازت به صقلية النورمانية من البهاء والعظمة صدى لعهدها العربي الزاهر. وبقي الطراز المعماري الإسلامي شاهدا على قصر لازيزا وعلى سقف كابلا بلاتينا، حيث زين المزار المسيحي بالنقوش العربية الإسلامية. (عامر) وهكذا يعلمنا التاريخ درسه الخالد. الجيوش تأتي وتذهب، والأسوار تبنى وتهدم، لكن الحضارة حين تزرع جذورها في أرض تبقى آثارها حية حتى في قصور من هزموها. (محمد) وربما كان أجمل ما في القصة أن نقوشا عربية ما زالت تزين معبدا مسيحيا في قصر ملوك نورمان. فهل هناك شهادة أبلغ من هذه على أن الحضارات تتحاور حتى وهي تتحارب؟
Embed this episode
What this episode covers
(محمد) هل تعلم يا عامر أن روما نفسها، عاصمة المسيحية في الغرب، دفعت الجزية للمسلمين ذات يوم؟ (عامر) روما تدفع الجزية؟ هذا أمر يثير الدهشة حقا! كيف حدث ذلك؟ (محمد) نعم، لقد اضطر البابا في عام ثمانمئة وستة وسبعين إلى دفع خمسة وعشرين ألف منقوص سنويا حتى يك
Ready to play
حوار: صقلية.. حين كادت إيطاليا أن تصبح عربية
No transcript for this episode yet
Similar Episodes
No similar episodes found.