EPISODE · Aug 6, 2026 · 5 MIN
حين وُلد الأدب على خشبة هشّة: حكاية شعراء روما الأوائل
from من أرشيف القرية الإلكترونية · host القرية الإلكترونية - أبوظبي
# صوتٌ من روما القديمة: حين وُلد الأدب على خشبة هشّة تخيّل أن تُهدَم دار المسرح بأكملها بعد كل عرض. نعم، هكذا كان الحال في روما القديمة. خشبةٌ من الخشب تُبنى ثم تُهدَم، ونظارةٌ يقفون في العراء أو يجلسون على مقاعد جاءوا بها معهم. ومع ذلك، من هذه البدايات المتواضعة وُلدت نهضةٌ أدبية غيّرت وجه اللغة اللاتينية إلى الأبد. فكيف حدث ذلك؟ القصة تبدأ مع جماعةٍ كان هدفها أن تناصر الفنون والفلسفة، وأن تجعل اللاتينية لغةً رقيقة سلسة أدبية. إنها جماعة سبيو. وفي عام مئتين وأربعة قبل الميلاد، جاء كاتو، العدو الألد لكل ما يمثله سبيو، بشاعرٍ إلى روما. فما كان من سبيو إلا أن احتفى به وأكرم مثواه. كان هذا الشاعر هو كونتس إنيوس، المولود عام مئتين وتسعة وثلاثين قبل الميلاد قرب برنديزيوم، من أبوين أحدهما يوناني والآخر إيطالي. لم يترك إنيوس بحراً من بحور الشعر إلا حاوله. كتب ما لا يقل عن عشرين مأساة، وكان يغيظ الأتقياء بأمثاله التهكمية، كقوله: أُسلّم معكم أن ثمة آلهة، ولكنهم لا يبالون بما يفعله الآدميون، وإلا لكانت عاقبة الطيبين الخير وعاقبة الخبيثين الشر، وهذا قلّما يحدث. ويقول شيشرون إن من استمعوا لهذا القول طربوا وصفقوا له استحساناً. لكن أعظم أعماله كان ملحمةً كبيرة تروي تاريخ روما من مجيء إينياس إلى بيرس، ظلت إلى أيام فرجيل الملاحمَ القوميةَ لإيطاليا. وقد أعدّ إنيوس الطريق للكريشيس وهوراس وفرجيل. ومات بذات الرئة في سن السبعين، بعد أن كتب لنفسه قبريةً يقول فيها: لا تبكوا عليّ ولا تحزنوا لوفاتي، فإني أبقى على شفاه الرجال وأحيا. غير أن إنيوس أخفق في شيءٍ واحد: المسلاة. فقد كان الناس يفضّلون الضحك على الفلسفة. وبهذا التفضيل أغنَوا رجلاً آخر اسمه بلوتس، وأفقروا إنيوس. فمن هو بلوتس؟ وُلد تيتس مكسيوس بلوتس في أمبريا عام مئتين وأربعة وخمسين قبل الميلاد. عمل خادماً من خدم المسرح في روما، وادّخر بعض المال ثم أضاعه، فاضطره العيش إلى كتابة المسرحيات. كان رجلاً شعبياً شديد المرح، ضاحكاً صخّاباً، ولكنه طيب القلب عطوف على الناس جميعاً. بلغ عدد ما كتبه أو صقله مئةً وثلاثين مسرحية، بقيت منها إلى الآن عشرون. وكان جمهوره خشناً غليظاً، حتى إن الخطب الافتتاحية كانت تُنذر الأطفال بالعقاب إذا أحدثوا ضجيجاً، وتحذّر النساء من الثرثرة أثناء التمثيل. بل كان التمثيل ينقطع أحياناً إذا صحبه صراعٌ أو ألعابٌ بهلوانية على الحبال، لأنها أشد إثارةً لحماسة النظارة! وفي السنة التي تُوفي فيها بلوتس على الأرجح، عام مئة وأربعة وثمانين قبل الميلاد، وُلد في قرطاجنة شاعرٌ من طرازٍ مختلف تماماً: ترنس. كان عبداً، لكن سيده أدرك مواهبه فعلّمه ووهبه حريته. وفي عام مئة واثنين وستين كتب أشهر مسرحياته: المعذّب نفسه. وفيها العبارة التي صفّق لها النظارة طرباً وإعجاباً، والمعروفة في جميع أنحاء العالم: إني إنسان، ولا أرى أن شيئاً مما يتصل بالإنسان غريبٌ عليّ. لكن المفارقة المؤلمة؟ أن رقّة ترنس كانت سبب انصراف الجمهور عنه. فقد كان يعوزه مرح بلوتس وخفة روحه. حتى إن مسرحيته هيرا أخفقت لأن النظارة غادروا الملهى أثناء التمثيل ليشهدوا صراعاً للدببة. وقد وصفه قيصر بأنه المحب للكلام الطاهر، لكنه أسف لأنه لم يوهب القدرة على الضحك، وسمّاه نصف مناندر. ومات ترنس شاباً في أركاديا، في الخامسة والعشرين من عمره. فما الذي تبقّى من كل هذا؟ الكثير. فإنيوس ثار على الأوزان القديمة وأدخل الشعر السداسي الأوتاد. وبلوتس ربط الأدب الروماني منذ بدايته بالرجل العادي ربطاً لم يبلغه فيما بعد. أما ترنس، ذلك العبد الأجنبي، فقد أفلح في شيءٍ واحد على الأقل: صاغ من اللغة اللاتينية أداةً أدبية، هي التي استطاع بها شيشرون في القرن التالي أن يكتب نثره، وفرجيل أن ينشئ شعره. فتأمّل: خشبةٌ هشّة تُهدم بعد كل عرض، وجمهورٌ يفضّل صراع الدببة على الشعر، وعبدٌ محرَّر مات في الخامسة والعشرين. ومع ذلك، من هنا بالضبط وُلدت لغةٌ حملت حضارةً بأكملها. فهل كان إنيوس مخطئاً حين قال إنه سيبقى على شفاه الرجال ويحيا؟ ها نحن، بعد أكثر من ألفي عام، ما زلنا نردّد اسمه.
Embed this episode
What this episode covers
# صوتٌ من روما القديمة: حين وُلد الأدب على خشبة هشّة تخيّل أن تُهدَم دار المسرح بأكملها بعد كل عرض. نعم، هكذا كان الحال في روما القديمة. خشبةٌ من الخشب تُبنى ثم تُهدَم، ونظارةٌ يقفون في العراء أو يجلسون على مقاعد جاءوا بها معهم. ومع ذلك، من هذه البدايات
Ready to play
حين وُلد الأدب على خشبة هشّة: حكاية شعراء روما الأوائل
No transcript for this episode yet
Similar Episodes
No similar episodes found.