EPISODE · Jul 31, 2026 · 5 MIN
خمسة وثلاثون يوماً على ظهر جمل: رحلة مصري إلى قلب نجد
from من أرشيف القرية الإلكترونية · host القرية الإلكترونية - أبوظبي
[رحلة في قلب الجزيرة: مصري على ظهور الإبل نحو الرياض] تخيّل أن تركب جملاً وتقطع الصحراء خمسة وثلاثين يوماً في أرض نجد وحدها. تخيّل أن تمضي شهرين كاملين بين الرمال والجبال والآبار الشحيحة، فقط لتصل من حدود الأردن إلى الرياض. هذا بالضبط ما فعله رحالة مصري يُدعى محمد شفيق، سلك طريقاً يقول إنه لم يطرقها سواه حتى ذلك الحين من الأجانب عن تلك البلاد. فما الذي دفعه إلى هذه الرحلة الشاقة الطويلة؟ بدأت القصة بزيارة الأمير سعود، ولي عهد نجد والحجاز، إلى مصر في صيف العام السابق. يعترف الكاتب أنه كان قبلها يجهل كل شيء تقريباً عن أحوال تلك البلاد العربية، خاصة بعد إدماج القطرين، نجد والحجاز، في حكم واحد تحت سلطان الملك عبد العزيز آل سعود. فلما دعا الأمير سعود المفكرين لزيارة بلاده ونشر الحقائق المجردة عنها للناطقين بالضاد، تحرّكت في نفس رحالتنا رغبة قديمة في استطلاع أحوال الأمم والبلدان. انطلق من القاهرة إلى فلسطين، ثم استأجر سيارة من عمّان قطعت به نحو أربعمائة كيلومتر في يوم كامل، عبر أرض قاحلة لا زرع فيها ولا ضرع. ووصل إلى قريات الملح، أول بلدة تدخل في منطقة نفوذ ابن السعود، قرية صغيرة لا يزيد سكانها عن ستمائة نسمة، يعيشون من زراعة القمح وتمر النخل واستخراج الملح. ومن هناك بدأت الرحلة الحقيقية. قافلة من خمسة جمال، ولحية طويلة صارت أمراً محتوماً، وثياب بدوية، وصبر على انعدام وسائل النظافة، فالصابون هناك لا يوجد إلا بصعوبة زائدة وبسعر مرتفع جداً. لكن ما أدهش رحالتنا لم يكن قسوة الطريق. بل شيء آخر تماماً. الأمانة. أمانة تكاد لا تُصدَّق. يروي أن السرقة والزنا معدومان قطعاً في تلك البلاد. وفي الجوف، شهد بنفسه حادثة عجيبة. رجل أبلغ الأمير أن كيساً من البن ضاع منه في الطريق. وبعد يومين حضر رجل آخر سلك الطريق نفسها، فسأله الأمير هل وجد شيئاً، فقال إنه وجد كيساً من البن جسّه بعصاه ثم تركه مكانه. فماذا فعل الأمير؟ أمر بضربه خمسين عصا. خمسين عصا لرجل لم يسرق! ولمّا سأله الرحالة عن السبب، أجابه الأمير: كان يجب عليه أن يرى الكيس ولا يلمسه حتى يأتيه صاحبه فيأخذه. وفي حائل، وجد السجن خالياً إلا من حراسه. سجن بلا مسجونين. لأن الأحكام الشرعية وحدها، كما استخلص، خير وازع يقطع خط الرجعة دون الجرائم. وتأمل هذه الصورة. بقعة في وسط الصحراء تدعى عظوظه، يقول العرب إنها كانت مكان مدينة لوط، ويقولون إن بطنها يحوي كنوزاً من الذهب. ومع ذلك، لم تحدّث نفس أفقر أعرابي في الوصول إليها، لأن أرضها في اعتقادهم نجسة قد غضب الله عليها. ومضت القافلة من الجوف إلى حائل، المدينة العامرة ذات الشوارع الفسيحة، حيث استقبله الأمير عبد العزيز بن مساعد، ابن عم الملك. ثم إلى بريدة، حيث استقبله أميرها مبارك بن مبيريك باسم جلالة الملك استقبالاً هو غاية في الود ونهاية في الكرم. وهناك في إقليم القصيم، مرّ بذكر عنيزة، المدينة التي أسماها الشاعر أمين الريحاني باريس نجد، لأن منازلها مؤلفة من ثلاث طبقات على نسق مباني المدن المتحضرة. وفي الطريق إلى الرياض، مرّ بالدرعية، المدينة الأثرية التي كانت عاصمة لنجد، والتي نشأت فيها أسرة آل سعود، ومنها ظهرت الدعوة الوهابية، ولا تزال آثار مدافع إبراهيم باشا بادية للأنظار في خرائبها القديمة. ثم كانت اللحظة الكبرى. وصل الرياض في صباح اليوم الثامن، وقد لبست المدينة زخرفها ابتهاجاً بعودة الملك عبد العزيز إليها للمرة الأولى بعد فتحه الحجاز، في موكب فخم مؤلف من ست وعشرين سيارة. وحين دخل الرحالة على الملك، استقبله استقبالاً ودياً كأن بينهما صداقة قديمة، وأمر بإعداد منزل خاص لإقامته. فما الذي تتركه فينا هذه الرحلة؟ إنها شهادة نادرة على زمن كانت فيه الجزيرة العربية مجهولة حتى عند أقرب جيرانها. رحلة كشفت أن وراء تلك الصحارى الموحشة شعباً يردد عبارة واحدة: الملك لله ثم لعبد العزيز بن السعود. شعب فقير لكنه لا يمس ذهباً ملقى في الطريق، بسيط لكنه شديد التمسك بأوامر الله ونواهيه. وربما كان أجمل ما في الرحلة تلك اللفتة الصغيرة، حين كان رفاق الدرب البدو يبتهلون في صلاتهم بالدعاء لمصر وأهلها، مجاملة لضيفهم المصري، فتسري عنه وعثاء السفر، وتشعره، كما قال، بعظمة الرابطة الإسلامية التي تجمع الشعوب.
Embed this episode
What this episode covers
[رحلة في قلب الجزيرة: مصري على ظهور الإبل نحو الرياض] تخيّل أن تركب جملاً وتقطع الصحراء خمسة وثلاثين يوماً في أرض نجد وحدها. تخيّل أن تمضي شهرين كاملين بين الرمال والجبال والآبار الشحيحة، فقط لتصل من حدود الأردن إلى الرياض. هذا بالضبط ما فعله رحالة مصري
Ready to play
خمسة وثلاثون يوماً على ظهر جمل: رحلة مصري إلى قلب نجد
No transcript for this episode yet
Similar Episodes
No similar episodes found.