EPISODE · Aug 7, 2026 · 5 MIN
البارثنون: خدعة بصرية عبقرية خلّدت أعظم صروح التاريخ
from من أرشيف القرية الإلكترونية · host القرية الإلكترونية - أبوظبي
[البارثنون: الصرح الذي بُني من خطوط منحنية لتراه العين مستقيماً] هل تعلم أن كل خط مستقيم تراه في البارثنون هو في الحقيقة خط منحنٍ؟ نعم، هذا الصرح العظيم الذي يقف شامخاً فوق أثينا منذ آلاف السنين، بُني على خدعة بصرية عبقرية. خدعة تطلبت علماً عميقاً بالرياضيات والبصريات، لتجعل من الحجارة كائناً ينبض بالحياة والحرية. فكيف حدث ذلك؟ رافقني في هذه الرحلة إلى قلب العصر الذهبي اليوناني. في عام أربعمائة وسبعة وأربعين، بدأ المهندس إكتنوس ينشئ هيكلاً جديداً لأثينة بارثنوس، يساعده في ذلك كلكراتيز، ويشرف عليهما النحات العظيم فدياس وبركليز إشرافاً عاماً. وأنشأ إكتنوس في الطرف الغربي من البناء حجرة لكاهناتها العذارى سماها حجرة العذارى. ومع مرور الزمن، استعير هذا الاسم فأطلق على البناء كله. هكذا وُلد اسم البارثنون. اختار إكتنوس لبناء الهيكل رخام جبل بنتكلوس الأبيض المشوب بحبيبات حديدية. والمدهش أنه لم يستخدم في البناء ملاطاً أبداً. بل نُحتت كتل الحجارة وصُقلت بحيث تمسك كل كتلة بالتي تليها كأن الاثنتين كتلة واحدة. أما الأعمدة فقد ثُقبت صفحاتها ووُضعت في كل ثقب قطعة من خشب الزيتون تصل كلاً منها بالأخرى، حتى لا يكاد يُرى فارق بين السطحين المتقابلين. والآن نصل إلى السر الأعظم. لم تكن واجهات البناء كاملة التربيع، ولكنها خُططت بحيث تظهر لمن ينظر إليها من أسفل كأنها مربعة. كان قطر كل عمود يزداد قليلاً من قاعدته إلى وسطه نحو ثلاثة أرباع البوصة ثم ينقص كلما علا. وكل خط أفقي ينحني إلى أعلى نحو الوسط. لماذا كل هذا؟ لأن هذه الانحناءات لم تكن إلا تصحيحاً دقيقاً للخداع البصري. فلولاها لبدت قواعد صفوف الأعمدة منخفضة في وسطها مائلة نحو الخارج. لقد كان البارثنون صرحاً يجمع بين العلم والفن في آن واحد. وماذا عن الزينة والنقوش؟ هنا تتجلى عبقرية أخرى. فقد نُقشت على الأجنبة الاثنتين والتسعين نقوش بارزة تقص كفاح الحضارة والوحشية في حروب اليونان والطرواديين، واليونان والأمزونيات، والجبابرة والآلهة. وفي القوصرة الشرقية فوق المدخل، كان الزائر يشهد مولد أثينة من رأس زيوس. وفي الركن الأيسر أربعة رؤوس جياد تبرق أعينها وتنخر مناخيرها وهي مسرعة في عدوها تعلن شروق الشمس. أما في الركن الأيمن فيسوق القمر عربته للمغيب، بجيادها التي وُصفت رؤوسها بأنها أجمل رؤوس للخيل في تاريخ النحت كله. بلغت روعة هذه التماثيل حداً جعل النحات كنوفا يقول عنها: إن سائر التماثيل من حجارة أما هذه فمن لحم ودم. وأجمل من ذلك كله كان الأفريز الشهير، الممتد إلى مدى خمسمائة وخمسة وعشرين قدماً. فيه نشاهد فتيان أتيكا وفتياتها يقدمون الهدايا وفروض الطاعة للآلهة أثينة. فرسان حسان تتمثل فيهم المهابة فوق خيول أجمل منهم، وشيوخ هادئون يحملون أغصان الزيتون، ونساء موقرات يحملن الأثواب التي نسجنها وطرزنها لهذا اليوم المقدس. والأعجب أن المثّالين استطاعوا، فيما لا يزيد على بوصتين ونصف من النقش البارز، أن يخدعوا العين فيُخيّل إليها أن جواداً بعيد عن الآخر. وهل تتخيل أن البارثنون لم يكن أبيض كما نراه اليوم؟ كانت أجزاء كثيرة منه مطلية بالألوان الزاهية الصفراء والزرقاء والحمراء. فالرخام طُلي باللونين الزعفراني واللبني، وكانت الواجهة حمراء. لقد فضّل اليونان الألوان الناصعة لأنهم شعب اعتاد جو البحر الأبيض المتوسط. لكن دعنا نكون منصفين. لم يكن هذا الفن بلا أخطاء. فقد كانت التماثيل تُعنى بالجسم فوق ما يجب، وقلما كانت تنفذ إلى الروح. وظلت المباني مدى ألف عام متشبثة بالشكل الرباعي البسيط، وتجنبت الأساليب الصعبة كالأقواس والقباب. ومع ذلك، تبقى الحقيقة الكبرى ماثلة أمامنا. إن جوهر هذا الفن هو التوسط والاعتدال، والتناسب بين الأجزاء، وعلوّ سلطان العقل دون أن يقضي على الشعور، والكمال الهادئ الذي يقنع بالبساطة. واليوم، وقد تجرد البارثنون من ألوانه، فإنه يبدو أجمل ما يكون في الليل، حين تظهر من الفراغ الذي بين العمد مناظر السماء المتغيرة، وأضواء المدينة النائمة مختلطة بتلألؤ النجوم. لقد كان الفن اليوناني أعظم ما أبدعه اليونان، وكان حياة العقل ممثلة في الحجر، وهو خير ما أهدته بلاد اليونان إلى بني الإنسان.
Embed this episode
What this episode covers
[البارثنون: الصرح الذي بُني من خطوط منحنية لتراه العين مستقيماً] هل تعلم أن كل خط مستقيم تراه في البارثنون هو في الحقيقة خط منحنٍ؟ نعم، هذا الصرح العظيم الذي يقف شامخاً فوق أثينا منذ آلاف السنين، بُني على خدعة بصرية عبقرية. خدعة تطلبت علماً عميقاً بالريا
Ready to play
البارثنون: خدعة بصرية عبقرية خلّدت أعظم صروح التاريخ
No transcript for this episode yet
Similar Episodes
No similar episodes found.