EPISODE · Aug 12, 2026 · 5 MIN
البوابة الملكية: يوميات كاتب بين المدن والذات
from من أرشيف القرية الإلكترونية · host القرية الإلكترونية - أبوظبي
البوابة الملكية: يوميات كاتب بين المدن والذات البوابة الملكية هل يمكن لإنسان أن يكون ميتا قبل أن يموت؟ هذا ما شعر به كاتبنا وهو يستحضر الشاعرة ناديا تويني. شاعرة كان حزنها كبيرا لكنها بدت رغم ذلك متماسكة وقوية. كانت تصارع السرطان. وحين زارها في بيتها في منهاتن نيويورك في تشرين الأول أكتوبر عام ألف وتسعمئة وواحد وثمانين وجدها لطيفة وضاحكة ومقتصدة في كلامها وحركاتها. وكأنها لا تعايش الموت. نحن هنا أمام يوميات كاتب من كتاب غبار القارات. يوميات تبدأ في صيف الثمانينات. ففي يوم الخميس السابع من تموز يوليو يقبع الكاتب في البيت يعاني حالة سأم مشوب بكآبة. أنهى ذلك الصباح كتاب إيريك سيغال رجل وامرأة وولد وبدأ قراءة ناتالي ساروت. لكن ذهنه مشغول بناديا تويني وبتعليقها المختصر حين حدثته عن أهل تونس وإعجابهم بأنفسهم. قالت له إن أهل تونس يعتبرون أنفسهم فوق الكل. وفهم من ذلك أشياء كثيرة عن التماثل الكاذب والمزيف الذي قام عليه المشروع البورقيبي. مشروع ينتمي إلى أول القرن. إلى الجيل العلماني المسلم الذي عشش داخل دماغ مصطفى كمال أتاتورك. وهو الوهم نفسه الذي قاد إيران الشاهنشاهية إلى مأساتها. ثم تأتي بوادر الخريف. رياح عنيفة في خليج حلق الوادي في تونس قادمة من إيطاليا محملة بروائح مختلطة. لعلها زهور جنوب أوروبا ممتزجة بأشياء البحر. والكاتب مكتظ بالمشاريع. حوارات مع المفكرين العرب وترجمة أعمال Lorca وترجمة أشعار جورج شحادة ولمسات أخيرة على مجموعته الشعرية. ويسأل نفسه سؤالا يستحق أن نتوقف عنده جميعا. أليست استعادة الذات هي استعادة العالم؟ وهنا يصل إلى الفكرة التي أعطت هذه اليوميات عنوانها. البوابة الملكية. فالمواجهة الصادقة والصارمة للذات هي التي أدت به إلى فرح التوافق والتصالح مع الذات. وهذا الفرح يمر من البوابة الملكية. بوابة المحبة البسيطة الصادقة التي تكسر العزلة السوداء. فالمعاناة الصادقة لقاء. والكذب عزلة سوداء. ويضيف تأملا جميلا عن العطاء. فالذات كالبئر تزداد ثراء كلما ازدادت عطاء. بشرط ألا يضم هذا العطاء رغبة واعية بمردود أو بمقابل. وإلا كف العطاء عن أن يكون عطاء. ثم ينتقل بنا إلى أثينا. إلى الطريق الصاعدة نحو الأكروبوليس. الرخام اليوناني ليس غريبا عنه فهناك تماثيل كثيرة لهذه الآلهة في قرطاج وفي متحف باردو في تونس. لكن الذي شده بفرح هو تلك البيوت الصغيرة الملونة في سفح الربوة. هناك اكتشف انحيازه إلى اليونان المتوسطية الحسية. عالم النوافذ الصغيرة والغرف العامرة المضيئة. وفي أثينا يحدث اللقاء الأجمل. يتصل عند الظهر بالشاعر Yannis Ritsos حاملا إليه رسالة من صديقه الشاعر Lorand Gaspar. وفي الواحدة وعشرين دقيقة كان يطرق بابه. سار الحديث عفويا كجدول بري. عن الشعر واللغة وعن الماضي اليوناني وعن أصدقائه الشعراء وخصوصا ناظم حكمت. وجد الكاتب أن Ritsos الإنسان بسيط وشاسع ويومي كقصائده. قال له أنا في الخامسة والسبعين ولكني أحب الجمال. وقال أيضا أنا أصغر من الشباب وأكبر من الشيخوخة. هكذا اختزل سنه. وحين سمعا دقات جرس مدرسة يصعد من الأسفل قال الكاتب إنه يحب رؤية الأطفال وهم يخرجون من المدرسة متدافعين. هذا الصخب جميل. إنه استمرار الحياة. وتمتد اليوميات عبر السنين. ففي أكتوبر عام ألف وتسعمئة وستة وتسعين نجده في سلمنكة الإسبانية ذات الملمح اليوناني. يسمع في الليل نشيج نهر التورميس ويستحضر الأندلس. الفردوس المفقود كما صوره الأمير شكيب أرسلان. ويلتقي هناك بفيلي البحار الباحث في تاريخ الأندلس الذي نقل رحلة ابن جبير إلى الإسبانية. وقال له فيلي شيئا مثيرا. هل تدري أن ابن بطوطة أخذ الكثير في نص الرحلة عن ابن جبير؟ لقد تتبع سرقات ابن بطوطة كلها. أما في مدريد فقد بحث الكاتب عن إسبانيا الأسطورية ولم يجدها. غابت في التماثل الذي جاءت به العولمة. لم يبق من إسبانيا إلا Cervantes وGóngora وLorca وVelázquez. وفي مقهى الأندلس يسمع الفلامنكو. موسيقى المتحف كما يسميها. وتنتهي الرحلة في مارس عام ألفين وثلاثة في دير فرنشسكاني بقرية جبلية إيطالية. قرية حجرية متشبثة بالجبل. هناك يتأمل الصمت والحجارة والليل الأسود الكثيف. فما الذي تتركه فينا هذه اليوميات؟ ربما هذا. أن الكتابة قد تعيد الإنسان إلى حقيقته. إلى تلك الجوهرة المنسية التي علاها الغبار. وأن البوابة الملكية نحو التصالح مع الذات لا تمر عبر العزلة بل عبر المحبة الصادقة والعطاء الذي لا ينتظر مقابلا. فهل جربت يوما أن تحفر في صمتك الداخلي بحثا عن جوهرتك المنسية؟
Embed this episode
What this episode covers
البوابة الملكية: يوميات كاتب بين المدن والذات البوابة الملكية هل يمكن لإنسان أن يكون ميتا قبل أن يموت؟ هذا ما شعر به كاتبنا وهو يستحضر الشاعرة ناديا تويني. شاعرة كان حزنها كبيرا لكنها بدت رغم ذلك متماسكة وقوية. كانت تصارع السرطان. وحين زارها في بيتها
Ready to play
البوابة الملكية: يوميات كاتب بين المدن والذات
No transcript for this episode yet
Similar Episodes
No similar episodes found.