EPISODE · Aug 14, 2026 · 5 MIN
القاهرة التي لا يملكها أحد
from من أرشيف القرية الإلكترونية · host القرية الإلكترونية - أبوظبي
القاهرة التي لا يملكها أحد استمع جيدا لهذه المفارقة. بلد شهد أطول استعمار متصل في التاريخ. ثلاثة وثلاثين قرنا كاملة. منذ غزو الإسكندر الأكبر عام 332 قبل الميلاد حتى خروج الاحتلال البريطاني عام 1954. ومع ذلك ظل هذا البلد صامدا يرفض الموت ويحوّل حتى الموت نفسه إلى عقيدة واستمرار للحياة. هذه هي مصر. وهذه هي القاهرة التي يقول عنها كاتبنا إنها ليس لها صاحب. هي مدينة تهب نفسها إلى من تختاره. من يحبها بصدق. جاء الكاتب إلى القاهرة عام 1985 ملتحقا بجامعة القاهرة. غريبا لا يعرف أحدا. مثل ملايين تأويهم هذه المدينة التي يسميها أم اليتامى. وظل يبادلها شيئا من عدم ارتياح. لا يحتمل زحامها ولا صخبها. إلى أن جاءت الأيام الأخيرة من عام 1997. كان في الإسكندرية مع عدد من الأدباء والأصدقاء. شعروا بالجوع بعد منتصف الليل بأكثر من ساعتين. وقطعوا مسافات بحثا عن مطعم أو محل مفتوح فيه عيش وملح. كان البرد قارسا والجوع يضاعف الإحساس به. فقرر العودة في الفجر إلى القاهرة التي بدت له كالمعاتبة. ولها الحق. فلا يخلو حضنها من دفء. ولا تغلق فيها مطاعم أو صيدليات. وعلى كل رصيف قهوة يبدد روادها وحشة المكان. وماذا يستقبلك حين تصل إلى هذه المدينة؟ وجه الملك رمسيس الثاني. أول ما تصافحه عيناك قادما من شمال البلاد أو جنوبها. تمثال يقف شامخا في ميدان رمسيس أمام محطة السكك الحديدية التي تضخ أكثر من مليوني إنسان يوميا إلى العاصمة. ومنذ انتقل التمثال إلى ميدانه عام 1954 تحول إلى معلم يحلو لأحفاد رمسيس التقاط صورة تذكارية بجواره. غير مبالين بأن قاماتهم لا تبلغ ركبته. لكن القاهرة ليست مدينة واحدة. بل بضع مدن تتجاور وتتنافر وتتشاجر مثل أمعاء البطن الواحد. انتهت أيام القاهرة الفاطمية لتصبح ذكرى. وانتقل مركز الثقل منذ أيام الخديوي إسماعيل إلى منطقة وسط البلد التي بناها على غرار باريس. وفي وسطها قصر عابدين ذو الخمسمائة غرفة. قصر شاهد على صروف الدهر. ففي ميدان عابدين في التاسع من سبتمبر عام 1881 وقف الزعيم أحمد عرابي متحديا الخديوي توفيق. معلنا نداءه المأثور. لقد خلقنا الله أحرارا ولم يخلقنا تراثا ولا عقارا. فوالله الذي لا إله إلا هو لا نورث ولا نستعبد بعد اليوم. لكن الأمور سارت على عكس ما أراد عرابي. خذله السلطان العثماني. وأعلن توفيق أنه عاص. ووقعت خيانات وهزم جيشه. بل أصدر توفيق منشورا يصفه فيه بالشقي العاصي. وأقام في سبتمبر عام 1882 الولائم للجيش الإنجليزي بمناسبة هزيمته. ومنح القادة الإنجليز أوسمة ونياشين. غير أن للتاريخ حكمه. والتاريخ يحكم على مهل. أعيد الاعتبار لعرابي. وحملت إحدى محطات مترو الأنفاق اسمه. وأصبحت صورته شعارا لجامعة الزقازيق. أما توفيق فيظل في الذاكرة الحاكم الخائن. أرأيت كيف ينصف الزمن من ظلمهم عصرهم؟ وهناك مشهد آخر يختصر الحكاية كلها. المؤرخ الفلسطيني نقولا زيادة زار القاهرة منتصف ثلاثينيات القرن العشرين فقال إنه رأى فيها مدينة لأول مرة. بدت له القدس ودمشق وحلب وبيروت قرى كبيرة جدا بالنسبة إلى هذه المدينة. وبعد أن أصر على تسلق الهرم الأكبر قال. وقفت على قمة هرم الجيزة الأكبر وألقيت بنظرة إلى ما انبسط أمامي فرأيت دنيا تآمرت الطبيعة والإنسان على إقامتها وتزويقها وزخرفتها. فالمصري مهما بدا غير مبال بتاريخه هو في حقيقة الأمر أسير أفعل التفضيل. أول دولة. أقدم هرم. أول طبيب. أول طبيبة. ومن مصر القديمة يطل إيمحتب أبو الحضارة المصرية الذي بنى أول هرم في التاريخ. هرم زوسر في سقارة. كما تطل بيشيشت أول طبيبة في التاريخ حاملة لقب ريشة الأطباء. وحتى الغرباء الذين حكموا مصر أسرتهم. المماليك الذين حكموها وماتوا خارجها أوصوا بأن يدفنوا في تراب بلاد لا يعرفون لغتها ولم يختلطوا بشعبها. لكنها استوعبت طموحاتهم ثم أسرتهم. فلم يجدوا لأنفسهم غيرها وطنا أحياء وأمواتا. هذه إذن هي الفكرة الكبرى. مصر ليست هبة النيل فقط كما قال هيرودوت. بل هبة الصمود ورفض الموت. مدينة تحنو على أهلها وضيوفها بلا تفرقة. ولا ترد أحدا. ولا يستطيع كثيرون الفكاك من سحرها. وكما قال صديق الكاتب في رسالته. مصر أجمل حاجة خلقها ربنا. أم الدنيا عن حق وليس عن سخرية. فهل يوجد في العالم بلد له تاريخ بمثل هذا العمق أو هذا الجمال؟
Embed this episode
What this episode covers
القاهرة التي لا يملكها أحد استمع جيدا لهذه المفارقة. بلد شهد أطول استعمار متصل في التاريخ. ثلاثة وثلاثين قرنا كاملة. منذ غزو الإسكندر الأكبر عام 332 قبل الميلاد حتى خروج الاحتلال البريطاني عام 1954. ومع ذلك ظل هذا البلد صامدا يرفض الموت ويحوّل حتى المو
Ready to play
القاهرة التي لا يملكها أحد
No transcript for this episode yet
Similar Episodes
No similar episodes found.