EPISODE · Aug 22, 2026 · 5 MIN
أمسية قرطاج: أسرار سان جون بيرس كما روتها أرملته
from من أرشيف القرية الإلكترونية · host القرية الإلكترونية - أبوظبي
أُمسِيَة قرطاج: أسرار سان جون بيرس كما روتها أرملته في مساء خريفي بعيد على شواطئ قرطاج جلس شعراء شباب أمام امرأة أميركية فارعة القامة ليتحدثوا عن رجل لم يزر العالم العربي قط لكن شِعره غزا أرواحهم وغيّر لغتهم. تلك المرأة كانت دوروتي ليجي زوجة الشاعر الفرنسي الأسطوري سان جون بيرس. وبعد سنوات طويلة وعلى بوابة مكتبة الكونغرس في واشنطن سيسمع الكاتب جملة قصيرة تعيد كل شيء إلى الحياة: لقد توفيت دوروتي هذا الأسبوع. كيف تختلط الذكريات في رؤوسنا؟ في ذاكرة كاتبنا اختلطت أُمْسِيتان رغم السنوات التي تفصل بينهما. أمسية ببغاء كلود الذي كان يصدح من وراء قضبان قفصه الحديدي أمام خليج قرطاج مرسِلاً أنغام غابته وسط صالون باروكي إيطالي. وأمسية أخرى دعا فيها الشاعر لوران غسبار أصدقاءه بعد محاضرته عن بيرس في قاعة مكتبة شارل ديغول. كانوا ثلاثة من الأصدقاء: الحبيب السالمي ومحمد الغزي ومنصف غشام. جاؤوا للقاء أرملة الشاعر الذي كان قد توفي منذ أشهر فقط. في تلك القاعة الرخامية البيضاء التي تتوسطها نافورة من المرمر في بيت الشاعرة جاكلين دواد جلست دوروتي بلطف وأناقة أرستقراطية. لم تكن الجلسة محاضرة جامعية متجهمة بل جلسة شاي عفْوية. تحدثت دوروتي باقتضاب عن زوجها. قالت إنه لم يكن يحب الحديث عن شعره وكان صارما في ذلك رغم أنه كان يحب الكلام والإبهار في لقاءاته مع الأصدقاء. ثم جاءت المفاجأة. حين ذكر الحاضرون الترجمات العربية لأشعار بيرس أظهرت دوروتي سرورا وتعجبا. لم تكن تدري أن ترجمات عربية لأشعار زوجها بدأت تظهر منذ أواخر الخمسينات. ذكروا لها ترجمة أدونيس الرائدة في مجلة شعر وأسماء مُترجِمين كثيرين. وقالوا لها إن اللغة العربية لغة غنائية في جوهرها لذا لم تجد عنتا في استيعاب الغنائية الفرنسية من لامارتين إلى رامبو إلى بيرس. سألوها: هل عَرَف بيرس العالم العربي؟ قالت لا لم نأت إلى تونس. ولو درى بكل هذا الاهتمام لسَرّه جدا. ثم صمتت لحظة كأنها تسترجع شيئا قصيّا وقالت بفرنسيتها ذات اللكنة الأميركية الخفية: كان يحب شِعر اللبناني جورج شحادة. لكن أغرب ما كشفته تلك الأمسية كان هوس بيرس بصورته. هل تصدق أن شاعرا بهذه العظمة لم يَدْلِ طيلة حياته بأي حديث صحفي؟ كان شديد التحفظ حتى إن اللقب الذي اتخذه لنفسه لم يكن مجرد لعبة تخفي نرجسية بل خيارا وجوديا. وهناك قصة تشبه الروايات: الشاعر اليوناني الشهير جورج سيفيريس لَمَح بيرس صدفة في إحدى المرايا في بهو فندق بمانهاتن فقام وتعرف عليه وقضيا يوما كاملا معا. وكتب سيفيريس في مذكراته وصفا لهذا اللقاء قال فيه إن وجه بيرس يقع بين وجهي شارلي شابلن وأدولف هتلر. فما كان من بيرس حين اطلع على الترجمة الفرنسية إلا أن تَرَجّى لوران غسبار أن يزيل هذه الجملة. وصدر النص فعلا بعد وفاة الشاعر في مجلة ألف دون ذلك الوصف. وأكدت المصورة الفرنسية جيزيل فروند القصة نفسها بعد سنوات. حين دخلت عليه غرفة الفندق لتأخذ صورا تلقائية تشي ببساطة الحياة اليومية وَجًدته مسَمّرا وجامدا فوق أريكة قد هيأ نفسه بكل عناية لِيَمْثُلَ أمام عدسة الكاميرا. أما في الكتابة فكان يعامل نصوصه بصرامة شديدة يشتغل على مسودات كثيرة حتى إن قصيدته الأخيرة نشيد الاعتدال التي كتبها قبل وفاته بقليل كانت أطول بكثير من النص المنشور في غاليمار. وكشفت دوروتي أن الشاعر الأميركي أرشيبالد ماكليش صديقها وصديق بيرس هو الذي عمل على توظيف بيرس في مكتبة الكونغرس مديرا لقسم الآداب الفرنسية. فماذا تبقى من تلك الأمسية على بحر قرطاجة؟ أمسية نصفها ضوء ونصفها ظلال. لم يكن ثمة ببغاء في الصالون كما اختلط في الذاكرة. كان هناك مرمر النافورة التي بلا ماء والتي اقتلعت الآن بتجديد البيت. لكنها ما تزال مركزا حدد دائرة تَحَلَّقَ حولها الناس على امتداد السنين. وما تزال أحاديثهم تسيل في الزمن مع سيلان مياهها اللامرئية. وربما هذا ما يفعله الشعر بنا: يبقى حاضرا حتى بعد أن يرحل أصحابه وتجف نوافير بيوتهم.
Embed this episode
What this episode covers
أُمسِيَة قرطاج: أسرار سان جون بيرس كما روتها أرملته في مساء خريفي بعيد على شواطئ قرطاج جلس شعراء شباب أمام امرأة أميركية فارعة القامة ليتحدثوا عن رجل لم يزر العالم العربي قط لكن شِعره غزا أرواحهم وغيّر لغتهم. تلك المرأة كانت دوروتي ليجي زوجة الشاعر الف
Ready to play
أمسية قرطاج: أسرار سان جون بيرس كما روتها أرملته
No transcript for this episode yet
Similar Episodes
No similar episodes found.