EPISODE · Jul 23, 2026 · 5 MIN
مؤرخ الأقنعة — بييترو لونجي وأسرار البندقية الساخرة
from من أرشيف القرية الإلكترونية · host القرية الإلكترونية - أبوظبي
عنوان: مؤرخ الأقنعة — بييترو لونجي وأسرار البندقية الساخرة تخيل مدينة يرتدي أهلها الأقنعة قرابة عشرة شهور في السنة. ليس في مسرحية ولا في حفلة تنكرية عابرة، بل في الشارع والبيت والسوق. هذه هي البندقية في القرن الثامن عشر. وهناك، وسط هذا العالم الغريب، وقف رسام يراقب كل شيء بعين لا يفوتها تفصيل. اسمه بييترو لونجي. عاش بين عامي ألف وسبعمئة واثنين وألف وسبعمئة واثنين وثمانين. فمن هو هذا الرجل الذي لُقّب عن جدارة بمؤرخ الأحداث الصادق؟ كان لونجي أشبه بصحفي ثرثار يرقب مسرى الحياة في مدينة البندقية ويسجلها لوحة بعد لوحة. لكن انتبه، فسخريته لم تكن لاذعة قارصة كلسعات الفنان الإنجليزي وليام هوجارث. كانت سخرية هادئة، وإذا عرض للعادات والأعراف صورها بحياد تام. ولهذا السبب بالذات تزاحم حوله الأشراف وعلية القوم منذ عام ألف وسبعمئة وأربعين، يتسابقون للفوز بلوحاته الصغيرة. وماذا كانت تصور هذه اللوحات؟ كل شيء تقريبًا. مجالس تناول شراب الشوكولاته صباحًا في مرابع الأوساط الثرية. دروس الرقص. حفلات الكونسير العائلي. وحتى تسليم الرسائل الغرامية. لم يكتف لونجي بالشخوص، بل حرص على تسجيل محتويات الغرف والقاعات الفينيسية من أثاث وثريات وستائر ومفروشات، مستعرضًا أزياء النساء والرجال العصرية. ونزل أيضًا إلى الأوساط المتواضعة فسجل طقوس حياكة الملبس وطهو الطعام. ثم خرج إلى الشارع. وهنا تبدأ الحكايات المثيرة حقًا. ففي عام ألف وسبعمئة وواحد وخمسين ظهر حيوان وحيد القرن في مدينة البندقية للمرة الأولى. حدث غريب هزّ المدينة، حتى إن جوفاني جريماني دي سيرفي، أحد وجهاء البندقية، طالب لونجي بتسجيل هذا الحدث في لوحة يقتنيها. وصوّر لونجي أيضًا ألعاب المشعوذين في الأعياد، وذلك الدجال الذي أسموه حكيم الصحة، وهو يعالج أسنان المارة ويخلعها في الطريق العام. أما أناقة تكويناته وتوهج ألوانه وبراعة فرشاته فكلها تنضوي تحت راية طراز الروكوكو. لكن لماذا الأقنعة؟ لماذا نرى في معظم لوحاته، ولوحات معاصريه من الفنانين البنادقة، شخوصًا مقنّعة في الطريق العام وداخل الدور؟ الجواب في طبيعة المدينة نفسها. فالكرنفالات في البندقية كانت تستغرق قرابة عشرة شهور على مدار السنة، واعتاد البنادقة ارتداء الأقنعة، لا سيما إذا شاءوا ارتكاب ما يخالف القانون. وكم حاولت سلطات الجمهورية سنّ قوانين تحد من هذه الظاهرة، لكن دون جدوى. فقد خصص أهل البندقية مواسم بعينها ينطلقون فيها إلى اللهو والمرح واستباحة الموبقات التي تدخل السرور عليهم. ولا عجب، فالبندقية كانت من المدن المولهة بالمجد. لم يقنع أهلها بتحويل مدينتهم لتصبح أجمل مدن العالم فحسب، بل ابتكروا لتكريمها حفلات تشاطر الطقوس الدينية جلالها وروعتها، حتى أصبحت المواكب والمهرجانات والكرنفالات برًا وبحرًا واحدة من مهام الدولة. تخيل الدوج وشيوخه يرتدون باذخ الثياب وسط العمائر الفارهة في ساحة القديس مرقص أو على ضفتي القناة، والناس ينتظرون هذه المناسبات نافدي الصبر، يتمنون لو أمكن تكرارها كل يوم وكل ليلة. وثمة خيط آخر يستحق الانتباه. علاقة وثيقة ربطت بين صور لونجي ومسرح كارلو جولدوني. فشخوصه المصورة مماثلة إلى حد بعيد لشخوص جولدوني الدرامية. كانا متقاربين قيمًا وأهدافًا، وسخريتهما رغم كل شيء سخرية بناءة تفيض إنسانية. لكن القصة لا تنتهي نهاية سعيدة تمامًا. ففي أواخر حياته عاصر لونجي نهاية جمهورية البندقية وما طرأ على مجتمعها من تغير. وانعكس ذلك على فنه، فكادت لوحاته تصبح انطباعية النزعة بعد أن لم يعد يلتزم الدقة في رسومه، غير مكترث بتقنية الكياروسكورو، فبدت شخوصه أحيانًا جامدة غير متماسكة. وهو ما يعكس مناخ الكآبة والإحباط الذي يسود الأمم عادة في خواتيم الحقب التاريخية. ومع ذلك ظل يصر على أن ما يصوره هو الواقع بحذافيره. وبرغم احتشاد جدران دور البندقية بلوحاته، لم تظفر أعماله بالإقبال عالميًا. وحين اختار باريس مقرًا له لم يكن سعيدًا فيها، إذ رأى مجتمعها، رغم ثقافته الرفيعة، أسنًا وبورجوازيًا إلى حد بعيد. وهناك، مع بروز معارض صالون باريس المستحدثة وقتئذ، أصبح فن التصوير لا يواجه جمهور المتذوقين فحسب بل نقاد الفن أيضًا. وهكذا يبقى بييترو لونجي شاهدًا نادرًا على مدينة كاملة في لحظة غروبها. رسام لم يخترع عالمًا خياليًا، بل نقل لنا الواقع كما رآه، بأقنعته ومهرجاناته ودجاليه ووجهائه. فحين تنظر اليوم إلى لوحاته، فأنت لا ترى مجرد ألوان على قماش، بل ترى ذاكرة أمة سجّلها مؤرخ صادق بريشة من روكوكو. فهل هناك شهادة على التاريخ أبلغ من هذه؟
Embed this episode
What this episode covers
عنوان: مؤرخ الأقنعة — بييترو لونجي وأسرار البندقية الساخرة تخيل مدينة يرتدي أهلها الأقنعة قرابة عشرة شهور في السنة. ليس في مسرحية ولا في حفلة تنكرية عابرة، بل في الشارع والبيت والسوق. هذه هي البندقية في القرن الثامن عشر. وهناك، وسط هذا العالم الغريب، وقف
Ready to play
مؤرخ الأقنعة — بييترو لونجي وأسرار البندقية الساخرة
No transcript for this episode yet
Similar Episodes
No similar episodes found.