EPISODE · Aug 2, 2026 · 5 MIN
عندما كتبت حياة بالفرنسية — رسالة أشعلت معركة اللغة والهوية
from من أرشيف القرية الإلكترونية · host القرية الإلكترونية - أبوظبي
[عندما كتبت حياة بالفرنسية — قصة رسالة أثارت معركة اللغة والهوية] تخيّل معي هذا المشهد. رسالة أنيقة الشكل جميلة الخط تصل إلى بريد مجلة الرسالة. في رأسها كلمة المعادي وفي ذيلها توقيع باسم حياة. لكن المفارقة الصادمة أن هذه الرسالة المصرية الخالصة كانت مكتوبة بالفرنسية من أولها إلى آخرها. نحن في الأول من يونيو عام ألف وتسعمئة وثلاثة وثلاثين. والكاتب الكبير أحمد حسن الزيات يفتح هذا الكتاب فيتذكر بأسلوبه وإمضائه تلك المقالات الرقيقة التي كانت تتألق بالذكاء النسوي المصري في صدر جريدة الليبرتيه أيام كان يصدرها الأستاذ ليون كاسترو. فماذا قالت الآنسة حياة في رسالتها؟ وماذا كان رد الزيات؟ بدأت حياة رسالتها بموقف جريء لا يخلو من التحدي. قالت بوضوح إنها ما اعترفت منذ عرفت الرجل وسبرت قواه في مطالعاتها واختباراتها أن له من المزايا الفطرية ما يجعله قيّمًا على المرأة. بل ذهبت أبعد من ذلك فقالت إن من هوان نفسها عليها أن تقبل منه العطف لأنها ضعيفة أو اللطف لأنها امرأة. ثم وجهت سهامها نحو المجلة نفسها. صحيح أنها شغلت الصفحة الأولى من كتابها بتقريظ الرسالة وكتّابها. لكنها أعلنت أن مسألة المرأة لا تتعلق إلا بالنساء ولا يكون الحكم فيها إلا لهن. وأن دخول الرجل فيها ليس إلا أثرًا من اعتقاده القديم أن في يده زمام هذا الجنس المنكوب يرخيه ويشده على هواه. واسمع كيف صاغت فكرتها عن الحرية. قالت إن حرية المرأة كحرية الأمة سبيلها الفعل وحجتهما القوة. أما الدفاع بالقول والإقناع بالحق فأصوات مبهمة كزفيف الريح المحبوسة في مخارم الجبل لا تدل على الطريق ولا تساعد على الفرج. ثم جاء سؤالها الجارح للمجلة. إذا كان رأيك في المرأة هذا الرأي وعطفك عليها هذا العطف فلمَ حرمتها أن يكون لثقافتها مظهر في الرسالة بجانب ثقافة الرجل؟ حتى إنها قالت إن من يقرأ الرسالة في غير مصر يظنها تصدر عن بلاد كبلاد الأسطورة الصينية ليس فيها امرأة. فكيف رد الزيات على هذا الاتهام؟ بذكاء لافت. قرر ألا يخوض في حديث المرأة احترامًا لإرادة الآنسة نفسها التي رفضت أن يناقش رجل موضوعًا لا شأن له به. لكنه كشف الحقيقة المدهشة. المجلة فتحت الباب للنساء وانتظرت. فماذا وصلها بعد تسعة أعداد كاملة؟ كتابان اثنان فقط. أحدهما من حياة نفسها والآخر من آنسة تسمى عفيفة سيد من شارع الشيخة صباح في طنطا. وهنا تأتي المفارقة الأولى. كتاب حياة قبلته الرسالة موضوعًا ورفضته شكلًا. لماذا؟ لأنه مكتوب بالفرنسية الخالصة. وهنا انفجرت أسئلة الزيات الشهيرة. هل تظنين أن العربية تقل جمالًا في الفم الجميل والقلم المذهب عن الفرنسية؟ وهل تظنين أن جرس العربية يقل إمتاعًا في الصالون وإيقاعًا في النجوى عن جرس الفرنسية؟ وهل تعتقدين أن المصرية لا تكون حديثة النشأة ولا عصرية الثقافة إلا إذا كتبت بالفرنسية؟ ثم لمس الوتر الأكثر إيلامًا. أنتِ يا سيدتي تسمّين حياة وتشيرين في كتابك إلى حفظ القرآن وإقامة الصلاة. فكيف تسيئين بنفسك إلى كرامتك وبيدك إلى لسانك؟ وختم حكمه بعبارة قاسية. هذا كتابك وهو في رأيي محتاج إلى عفو الوطن. أما الكتاب الثاني فمفارقته من نوع آخر. جاء بالعربية هذه المرة. لكنه كان في نظر الزيات عبثًا طفليًا. فقد أرسلت صاحبته مقالة ترغب في نشرها تشجيعًا لها ولزميلاتها على الكتابة. وكان عنوان المقالة قبلة حية في رسالة. مقالة استنكرها الزيات أشد الاستنكار ووصف مضمونها بأن المتكلم فيها عاشق داعر والمخاطبة معشوقة هلوك. وختم الزيات بسؤاله لحياة. هل يروقك بعد ذلك أن تكون لثقافة المصرية في الرسالة هذا المظهر الأجنبي أو ذلك العبث الخلقي؟ فماذا نتعلم من هذه القصة التي مضى عليها قرابة قرن من الزمان؟ نتعلم أن معركة الهوية واللغة ليست وليدة اليوم. امرأة تطالب بحقها في التعبير. وكاتب يطالبها بأن يكون هذا التعبير بلسانها العربي لا بلسان أجنبي. الزيات لم يرفض صوت المرأة. بل رفض أن يأتي هذا الصوت مشوهًا بثقافة لا ترضاها الرسالة للفتاة كما قال. وبين مطلب الحرية ومطلب الأصالة يبقى السؤال معلقًا حتى يومنا هذا. هل يمكن أن نكون عصريين بألسنتنا نحن لا بألسنة غيرنا؟ سؤال طرحته رسالة أنيقة وصلت ذات يوم من عام ألف وتسعمئة وثلاثة وثلاثين. وما زلنا نبحث له عن جواب.
Embed this episode
What this episode covers
[عندما كتبت حياة بالفرنسية — قصة رسالة أثارت معركة اللغة والهوية] تخيّل معي هذا المشهد. رسالة أنيقة الشكل جميلة الخط تصل إلى بريد مجلة الرسالة. في رأسها كلمة المعادي وفي ذيلها توقيع باسم حياة. لكن المفارقة الصادمة أن هذه الرسالة المصرية الخالصة كانت مكتو
Ready to play
عندما كتبت حياة بالفرنسية — رسالة أشعلت معركة اللغة والهوية
No transcript for this episode yet
Similar Episodes
No similar episodes found.