EPISODE · Aug 2, 2026 · 5 MIN
انكساغوراس... الرجل الذي رأى الشمس حجارة محترقة فحكمت عليه أثينا بالإعدام
from من أرشيف القرية الإلكترونية · host القرية الإلكترونية - أبوظبي
[انكساغوراس... الرجل الذي فتح رأس كبش فأغضب مدينة بأكملها] تخيل معي هذا المشهد. رجل يقف أمام حشد من الأثينيين، وبين يديه كبش غريب له قرن واحد في وسط جبهته. العرافون يصرخون: هذا نذير من نذر الآلهة! لكن هذا الرجل يفعل شيئا لم يتوقعه أحد... يأمر بفتح رأس الحيوان، ويُري الحاضرين أن مخ الكبش نما في مقدمة الجبهة بدل أن يملأ جانبي الجمجمة، فنشأ من ذلك القرن الوحيد. لا آلهة هنا... مجرد علة طبيعية. هذا الرجل هو انكساغوراس. والمدينة التي صدمها بالعلم... ستحكم عليه لاحقا بالإعدام. لكن كيف وصلنا إلى هذه اللحظة؟ في مفارقة عجيبة، حرّمت الشرائع الأثينية دراسة علم الفلك في الوقت الذي بلغ فيه عصر بركليز أعلى درجاته. نعم، سمعت صحيحا... المدينة التي نعتبرها منارة الحضارة كانت تحرّم النظر إلى السماء بعين العالم. ومع ذلك، كان القرن الخامس في المستعمرات اليونانية عصر تطور علمي عجيب، في زمن يكاد يكون خاليا من الآلات العلمية. فقد أعلن انبادوقليس أن الضوء يستغرق بعض الوقت في انتقاله من نقطة إلى أخرى. وأعلن بارمنيدس أن الأرض كروية الشكل. بل إن فيلولاوس الفيثاغوري خلع الأرض عن عرشها في مركز الكون، وأنزلها منزلة كوكب من كواكب كثيرة تطوف حول نار تتوسطها جميعا. وفي وسط هذا الحراك، أقبل انكساغوراس على أثينة من كلزميني حوالي عام أربعمائة وثمانين قبل الميلاد، وهو في الخامسة والعشرين من عمره. وحين سأله بعضهم عن الغرض من الحياة، أجاب: البحث عن حقيقة الشمس والقمر والسماء. أهمل الثروة التي خلفها له والده، وحلت به الفاقة، بينما كان كتابه في الطبيعة يُعد أعظم الكتب العلمية التي ظهرت في ذلك القرن. فماذا قال في هذا الكتاب؟ قال إن العالم كان في بادئ الأمر فوضى مكونة من بذور مختلفة الأنواع، يسري فيها عقل أصدر أمره إلى هذه البذور فبعث فيها دوامة رحوية. وقال إن الشمس والنجوم كتلة من صخور حمراء متوهجة أكبر من البلوبونيز مرارا كثيرة. وإن القمر جسم صلب في سطحه سهول وجبال وأخاديد، يستمد ضوءه من الشمس. بل فسّر الخسوف والكسوف تفسيرا علميا صحيحا... يخسف القمر إذا توسطت الأرض بينه وبين الشمس، وتكسف الشمس إذا توسط القمر بينها وبين الأرض. وذهب أبعد من ذلك... فربما كانت بعض الأجرام السماوية مسكونة، عليها أناس يسكنون المدن ويزرعون الأرض كما نزرعها نحن. وقال إن الإنسان تطور أكثر من سائر الحيوانات لأن قامته المعتدلة أطلقت يديه فاستطاع بهما أن يمسك الأشياء. أدركت الآن لماذا وُصف بأنه كوبرنيق ذلك العصر ودارونه معا؟ لكن أثينة لم تحتمل. فحين لم يجد كليون، الذي كان ينافس بركليز في زعامة الشعب، وسيلة أخرى يُضعف بها خصمه، اتهم انكساغوراس بالإلحاد... لأنه وصف الشمس، وكانت لا تزال في نظر الشعب إلها من الآلهة، بأنها كتلة من الحجارة المحترقة. وأُدين انكساغوراس رغم دفاع بركليز المجيد عنه. ولم يكن راغبا في تعاطي عصير الشوكران السام، ففر إلى لمبسكوس على مضيق الهلسبنت، يكسب عيشه بتدريس الفلسفة. ولما بلغه أن الأثينيين حكموا عليه بالإعدام، قال كلمته الخالدة: لقد قضت الطبيعة عليهم وعليّ بهذا الحكم من زمن بعيد. ومات بعد بضع سنين في الثالثة والسبعين من عمره. وهل تعلم أن تخلف الأثينيين في الفلك كان واضحا حتى في تقويمهم؟ لم يكن لليونان تقويم عام، بل لكل دولة تقويمها الخاص، وحتى أسماء الشهور كانت تتغير من دويلة إلى أخرى. وبطرق ملتوية لا يكاد يدركها العقل، من زيادة شهر كل سنتين وحذف شهر كل ثماني سنين، وصلوا آخر الأمر إلى احتساب السنة ثلاثمائة وخمسة وستين يوما وربع يوم. في النهاية، تبقى قصة انكساغوراس درسا خالدا... رجل فسّر فيضان النيل بذوبان جليد الحبشة وأمطارها، وقرأ في رأس كبش قانونا طبيعيا حيث رأى الآخرون نذير آلهة. مدينة عظيمة حاكمت عالِما لأنه نظر إلى الشمس فرأى حجارة محترقة بدل إله. فاسأل نفسك... كم من الحقائق حولنا اليوم نرفضها لمجرد أنها تصدم ما ألفناه؟ ربما كانت الطبيعة، كما قال انكساغوراس، قد قضت بحكمها من زمن بعيد... وما علينا إلا أن نملك الشجاعة لنراه.
Embed this episode
What this episode covers
[انكساغوراس... الرجل الذي فتح رأس كبش فأغضب مدينة بأكملها] تخيل معي هذا المشهد. رجل يقف أمام حشد من الأثينيين، وبين يديه كبش غريب له قرن واحد في وسط جبهته. العرافون يصرخون: هذا نذير من نذر الآلهة! لكن هذا الرجل يفعل شيئا لم يتوقعه أحد... يأمر بفتح رأس ال
Ready to play
انكساغوراس... الرجل الذي رأى الشمس حجارة محترقة فحكمت عليه أثينا بالإعدام
No transcript for this episode yet
Similar Episodes
No similar episodes found.