EPISODE · Aug 3, 2026 · 5 MIN
سبينوزا: الملحد الذي عشق الله
from من أرشيف القرية الإلكترونية · host القرية الإلكترونية - أبوظبي
[سبينوزا: الفيلسوف الذي أحبّ الله بلا دين] تخيّل معي فيلسوفًا اتّهمه الناس بالإلحاد. طردوه ونبذوه. ثم انتهى به الأمر نشوانَ بحب الله. غامرًا ذهنه بالفرح والبهجة في تأمل الكائن السرمدي اللامتناهي. كيف يحدث هذا؟ كيف يصبح المهرطق الوديع عاشقًا لله؟ هذه هي قصة سبينوزا. القصة التي أربكت الأجيال القادمة وحيّرتها. لنبدأ من فكرة صادمة. يقول سبينوزا إننا لن تكون لنا سيادة تامة على أنفسنا أبدًا. لماذا؟ لأننا سنبقى جزءًا من الطبيعة. خاضعين كما كان يقول نابليون لطبيعة الأشياء. فالعواطف هي قوتنا الدافعة. أما العقل؟ فهو مجرد ضوء وليس لهيبًا. ومن هنا تأتي القاعدة الذهبية عنده: أية عاطفة لا يمكن تعويقها أو القضاء عليها إلا بعاطفة أخرى متعارضة وأشد قوة. ولهذا يحاول المجتمع جاهدًا أن يلطّف من انفعالاتنا وأهوائنا. كيف؟ باللجوء إلى حبنا للثناء وحسن الجزاء. وخوفنا من العتاب والعقاب. ويغرس فينا الشعور بالصواب والخطأ. والضمير نفسه، عند سبينوزا، نتاج اجتماعي. وليس هبة أو منحة فطرية إلهية. لكنه يرفض شيئًا واحدًا بشدة. استخدام الثواب والعقاب الوهميين في الحياة بعد الموت حافزًا على الخلق القويم. فهذا تشجيع على الخرافة لا يليق أبدًا بمجتمع ناضج. الفضيلة ينبغي أن تكون جزاء نفسها. وهي عنده المقدرة والذكاء والقوة. لا الإذعان والطاعة والخوف. واسمع هذه العبارة التي تلخص فلسفته في الحياة. إن أقل ما يفكر فيه الإنسان الحر هو الموت. وإنه ليفرغ كل حكمته وعقله في التأمل في الحياة لا في الموت. فقد اشمأز سبينوزا من النظرة إلى الحياة بأنها وادٍ من الدموع. ورأى أن التفكير في الموت ليل نهار سبة في جبين الحياة وامتهان لها. لكن هنا مفارقة عجيبة. هذا الفيلسوف الذي رأى أن الذهن ينقطع وجوده عندما يفنى الجسم، كان يحوم أحيانًا حول فكرة الخلود. كيف؟ يقول إننا نتصور الأشياء بطريقتين. إما بالنسبة لزمان ومكان معينين. أو نراها متضمنة في الله وفي النظام والقوانين الأزلية. وعندما نرى الأشياء بهذه الحالة السرمدية، فإننا نراها كما يراها الله. وعند هذا الحد تصبح أذهاننا جزءًا من الذهن الإلهي وتشارك في الأزلية. فالذهن أزلي طالما أنه يتصور الأشياء في ظل الأبدية. والآن نصل إلى قلب فلسفته الأخلاقية. جملة واحدة تكشف عن نقطة البداية. إن العاطفة التي تكون انفعالًا أو هوى لا تعود انفعالًا ولا هوى إذا نحن كوّنّا عنها فكرة واضحة متميزة. ما معنى هذا؟ ببساطة، بقدر ما يفهم الذهن كل الأشياء على أنها ضرورية لازمة، يكون أكثر سيطرة على العواطف. غاضب من إساءة؟ انظر إلى المسيء باعتباره نتاج ظروف لم يستطع التحكم فيها. حزين على فقد والدين مسنين؟ تذكّر أن الموت أمر طبيعي. فمحاولة الفهم هي الأساس الأول الوحيد للفضيلة. والمعرفة قدرة أو قوة. وأفضل أشكالها سيطرتنا على أنفسنا. ومن هذا المذهب الطبيعي يصل سبينوزا إلى نتائج أخلاقية مدهشة تشبه ما وصل إليه المسيح. فالذي يعرف بحق أن كل الأشياء تنشأ من ضرورة الطبيعة الإلهية، لن يجد إطلاقًا شيئًا جديرًا بالكراهية أو السخرية أو الازدراء. والرجل القوي لا يبغض أحدًا. ولا يثير غضبه أحد. ولا يحسد أحدًا. وليس بأية حال مغرورًا. ومن يرغب في الانتقام للأذى بالكراهية المتبادلة إنما يعيش حليف البؤس والشقاء. فالكراهية تتفاقم إذا كانت متبادلة. ويمكن القضاء عليها بالحب. والناس بهدى من العقل لا يرجون لأنفسهم شيئًا لا يحبونه لسائر البشر. أحب لأخيك ما تحب لنفسك. ثم يأتي التتويج. الفكر الأخير الذي ختم به عمله. الحب العقلي لله. فالله عنده هو الحقيقة الأساسية. القانون الثابت الذي لا يتغير للكون نفسه. واحترام إرادة الله والامتثال الواعي لقوانين الطبيعة شيء واحد. يقول: إن أعظم خير للذهن هو معرفة الله. وأسمى فضيلة في الذهن هي معرفة الله. وهكذا زاوج سبينوزا في نفسه بين العالِم الرياضي والمتصوف. أبى أن يرى في ربه روحًا تكافئ الابتهالات بالمعجزات. لكنه خصّه بعبارات رقيقة ألهمت لآلاف السنين المتدينين والمتصوفين في البوذية واليهودية والمسيحية والإسلام. الرجل الذي أبصر الكون رسمًا هندسيًا، انتهى برؤية كل الأشياء في الله. وأصبح الملحد النشوان بحب الله. فهل الحكمة الحقيقية أن نفهم العالم بدل أن نكرهه؟ ربما هذا هو الدرس الأعمق. أن الدافع الذي لا يقاوم للعثور على معنى في الكون، جعل النائي عن كل عقيدة يختم محاولته برؤية إله قدير. وبإحساس مثير رفيع بأنه بلغ الأبدية. ولو للحظة واحدة.
Embed this episode
What this episode covers
[سبينوزا: الفيلسوف الذي أحبّ الله بلا دين] تخيّل معي فيلسوفًا اتّهمه الناس بالإلحاد. طردوه ونبذوه. ثم انتهى به الأمر نشوانَ بحب الله. غامرًا ذهنه بالفرح والبهجة في تأمل الكائن السرمدي اللامتناهي. كيف يحدث هذا؟ كيف يصبح المهرطق الوديع عاشقًا لله؟ هذه هي ق
Ready to play
سبينوزا: الملحد الذي عشق الله
No transcript for this episode yet
Similar Episodes
No similar episodes found.