EPISODE · Aug 2, 2026 · 5 MIN
سر الجمال الأول: كيف اخترع الإنسان البدائي الفن؟
from من أرشيف القرية الإلكترونية · host القرية الإلكترونية - أبوظبي
# سر الجمال الأول: كيف اخترع الإنسان البدائي الفن؟ تخيّل معي رجلاً بدائياً يقطع رحلات بعيدة محفوفة بالخطر. لماذا؟ ليس بحثاً عن الطعام ولا هرباً من عدو. بل ليحصل على أصباغ ملونة يجمّل بها جسده. نعم. قبل خمسين ألف سنة كان الفن قد بدأ رحلته مع الإنسان. ولا يزال الناس حتى اليوم يتنازعون على تحديد مصادره. فما الجمال أصلاً؟ ولماذا نُفتن به؟ يجيب النص الذي بين أيدينا إجابة مدهشة. الشيء لا يمتعنا لأنه جميل. بل نحن نسميه جميلاً لأنه يمتعنا. فالطعام جميل في عين الجائع. وكل ما يشبع رغبة عند الإنسان يبدو لعينيه جميلاً. ومن هنا يبدأ الفن من تمجيد الإنسان لجسمه. ففي أعماق قلوبنا لسنا نرى شيئاً أجمل من أشكالنا. لكن انتظر. هل كان إحساس البدائي بالجمال يشبه إحساسنا؟ إليك هذه المفارقة العجيبة. حين سُئل رئيس قبيلة من الهنود أي زوجاته أروع جمالاً اعتذر عن الجواب لأنه لم يفكر قط في هذا الموضوع. وفي أرجاء أفريقية كلها كانت أجمل النساء هي المرأة السمينة. حتى قال منجوبارك عن نيجيريا إن لفظتي السمنة والجمال تكادان تكونان مترادفتين. بل إن المرأة التي تبلغ الجمال الكامل هي من ساوت بوزنها حمل الجمل ولا تستطيع المشي إلا بعبدين يسندانها من الجانبين. والمفاجأة الأكبر؟ الذكر لا الأنثى في الشعوب الساذجة هو الذي كان يتزين. تماماً كما في عالم الحيوان. ففي أستراليا كان التزين يكاد يكون كله احتكاراً للرجل. وفي بعض القبائل كان تجميل الجسم يستنفد وقتاً أكثر مما تستهلكه أية مهمة أخرى من مهام النهار. ومن صبغ الجسم انتقل الإنسان إلى ما هو أدوم. الوشم والوصم والثياب. فلما عزت عليهم الثياب ووسائل الزينة زينوا جلودهم كما قال ثيوفيل جوتييه. وهنا مفارقة أخرى تستحق التأمل. الثياب نفسها لم تبدأ ستراً للعورة ولا وقاية من البرد. بل بدأت ضرباً من الزينة. فحين أشفق دارون على الفويجيين من عريهم وأعطى أحدهم قطعة قماش حمراء ليتقي بها البرد مزقها الرجل أشرطة ووزعها على زملائه للزينة. أليس هذا مذهلاً؟ إن كل شيء في تغير إلا المرأة والرجل. ثم انتقل حب التجميل من الجسم إلى الأشياء. وهنا وُلد الفن بمعناه الحقيقي. فالفن يبدأ حين يبدأ الناس في تجميل الأشياء. ولعل أول ما تعلق به فن التجميل هو الخزف. والعجيب أن النساء البدائيات قبل اختراع عجلة الخزاف استطعن أن يرتفعن بهذه الصناعة إلى مرحلة الفن. ومن الخزف وُلد التصوير حين زخرف الخزاف أوانيه بالألوان. ومنه أيضاً وُلد النحت. وعلى قبور الموتى أقام سكان جزيرة إيستر تماثيل هائلة يبلغ ارتفاع بعضها ستين قدماً. بل إن العمارة نفسها اتجهت إلى المقابر قبل الدور. لماذا؟ لأن الموتى عند البدائيين كانوا أهم وأقوى من الأحياء. والموتى مستقرون في مكان واحد بينما الأحياء يتجولون. وقبل النحت والبناء بزمن طويل وجد الإنسان لذة في الإيقاع. فطوّر صياح الحيوان وتغريده حتى جعل منه غناءً ورقصاً. وربما أنشد مثل الحيوان قبل أن يتعلم الكلام. ولن تجد فناً يميز البدائيين ويعبر عن نفوسهم كما يميزهم الرقص. ومن الرقص نشأ العزف الموسيقي. ومن وتر القوس قديماً نشأت عشرات الآلات وصولاً إلى الكمان والبيان الحديثين. ومن الموسيقى والغناء والرقص مجتمعة خلق لنا الهمجي المسرحية والأوبرا. فقد كانت قبائل أستراليا الشمالية الغربية تمثل مسرحية الموت والبعث. يهبط الراقصون إلى الأرض في حركة بطيئة ويغطون وجوههم بالغصون تمثيلاً للموت. ثم ينهضون نهوضاً مباغتاً يعلنون بعث الروح. فماذا نستخلص من هذا كله؟ إن البدائيين السابقين لعصر الحضارة خلقوا لنا صور الحضارة وأسسها. فكل عنصر من عناصر المدنية وُضعت أصوله في تلك المرحلة إلا عنصرين اثنين هما الكتابة والدولة. الاقتصاد والقانون والأخلاق والدين واللغة والطب والفن. كلها بدأت هناك. فبغير هؤلاء الهمج وما أنفقوه من مائة ألف عام في تجريب وتحسس لما كُتب للمدنية النهوض. نحن مدينون لهم بكل شيء تقريباً. كما يرث اليافع المحظوظ سبيله إلى الثقافة والأمن والدعة من أسلاف أميين ورثوه ما ورثوه بكدحهم الطويل. فحين تنظر اليوم إلى لوحة أو تستمع إلى موسيقى تذكّر أن وراء كل هذا الجمال رجلاً بدائياً حمل أصباغه ذات يوم وقرر أن يكون جميلاً.
Embed this episode
What this episode covers
# سر الجمال الأول: كيف اخترع الإنسان البدائي الفن؟ تخيّل معي رجلاً بدائياً يقطع رحلات بعيدة محفوفة بالخطر. لماذا؟ ليس بحثاً عن الطعام ولا هرباً من عدو. بل ليحصل على أصباغ ملونة يجمّل بها جسده. نعم. قبل خمسين ألف سنة كان الفن قد بدأ رحلته مع الإنسان. ولا
Ready to play
سر الجمال الأول: كيف اخترع الإنسان البدائي الفن؟
No transcript for this episode yet
Similar Episodes
No similar episodes found.