EPISODE · Aug 2, 2026 · 5 MIN
وجهان لأمة واحدة: إنجلترا بين التزمت والتحلل
from من أرشيف القرية الإلكترونية · host القرية الإلكترونية - أبوظبي
[إنجلترا في القرن الثامن عشر — وجهان لأمة واحدة] هل تصدق أن أمة واحدة يمكن أن تعيش بنظامين أخلاقيين متناقضين في الوقت نفسه؟ هذا بالضبط ما قاله آدم سمث عن إنجلترا في القرن الثامن عشر. ففي كل مجتمع رسخ فيه التمييز بين مراتب الناس، كان هناك دائما مخططان للأخلاق ساريان معا. الأول صارم متزمت تعجب به عامة الشعب، والثاني متحرر أو متحلل يعتنقه من يسمون المجتمع العصري. رحلتنا اليوم إلى قلب هذا التناقض المذهل. استمع إلى جون وسلي وهو يصف الأخلاق الإنجليزية عام سبعة وخمسين وسبعمائة وألف. قال إنها خليط من التهريب والأيمان الكاذبة والفساد السياسي والسكر والقمار والغش في المعاملات. صورة قاتمة أليس كذلك؟ لكن الواقع كان أكثر غرابة مما تتخيل. فقد ساد يومها معيار أخلاقي مزدوج صارخ. مئات المواخير كانت ترفه عن الرجال، بينما هؤلاء الرجال أنفسهم كانوا يسمون انعدام العفة في المرأة جريمة لا يكفر عنها غير الموت. حتى جولدسمث الرقيق كتب أن المرأة الجميلة إذا أتت الحماقة فلا حيلة تمحو ذنبها إلا الموت. وقال جونسون عام ثمانية وستين وسبعمائة وألف إن المرأة التي تحنث بعهود الزواج أشد إجراما من الرجل الحانث بعهوده، وإنه لن يستقبل في بيته ابنة له هربت من زوجها لهذا السبب. أما الطلاق؟ فكان ترف الأغنياء وحدهم، لا سبيل إليه إلا بقانون برلماني يكلف آلاف الجنيهات. ولك أن تعلم أنه في الفترة من ألف وستمائة وسبعين إلى ألف وثمانمائة، لم يسجل غير مائة واثنين وثلاثين إذنا بالطلاق فقط. لكن أبشع من كل هذا كانت وصمة أخرى في جبين تلك الحقبة. تجارة الرقيق. كان التجار يبحرون من لفربول وبرستل ولندن إلى أفريقيا، يشترون الزنوج ويقتنصونهم، ويشحنونهم إلى جزر الهند الغربية، ثم يعودون بشحنات رابحة من السكر والتبغ والروم. وبحلول عام ستة وسبعين وسبعمائة وألف، كان التجار الإنجليز قد حملوا إلى أمريكا ثلاثة ملايين من العبيد. ثلاثة ملايين إنسان. ويضاف إليهم ربع مليون ماتوا في الرحلة وقذف بهم في البحر. والأدهى أن الحكومة نفسها كانت تحمي هذه التجارة وتمنح إعانة سنوية قدرها عشرة آلاف جنيه لدعم قلاع الشركات في أفريقيا. ومع ذلك، بدأ ضمير إنجلترا يتنبه ببطء. ففي عام اثنين وسبعين وسبعمائة وألف قضت محكمة إنجليزية بأن العبد يصبح حرا تلقائيا في اللحظة التي يطأ فيها أرض إنجلترا. وندد بالتجارة ألمع العقول، من دانيال ديفو إلى آدم سمث وصموئيل جونسون وإدموند بيرك. وكانت طائفة الكويكرز أول من نظم المعارضة، فحرموا من عضويتهم كل مشتغل بهذه التجارة عام واحد وستين وسبعمائة وألف. ثم بدأ وليم ولبرفورس عام تسعة وثمانين وسبعمائة وألف حملته الطويلة في مجلس العموم. وظل التجار يقنعون المجلس بتأجيل مشروعه المرة بعد المرة، حتى صدر القانون أخيرا عام سبعة وثمانمائة وألف محرما حمل العبيد من الممتلكات البريطانية. أما الفساد السياسي فكان في الحضيض. حتى إن فرانكلين أسف على نشوب الحرب الأمريكية لسبب غريب. قال لو أعطاه المستعمرون ربع المال الذي أنفقوه على الحرب لحصلوا على استقلالهم دون أن يريقوا قطرة دم. قال كنت أشتري البرلمان كله وحكومة بريطانيا بأسرها. ورغم كل هذا، كان للإنجليز صفة أساسية لافتة. النشاط الشديد والعافية العارمة. فمن هذه العافية انبثقت روح المرح، والقدرة على المعاناة في صمت، ومفاخرة كل إنجليزي بأن بيته قلعته التي لا تقتحم إلا بمقتضى القانون. ولاحظت مدام دوفان أن الإنجليز كلهم شخصيات متفردة، لا تجد منهم اثنين على شاكلة واحدة. ووافقها هوراس ولبول قائلا إنه ما من بلد آخر ينجب هذا العدد الكبير من الشخصيات المنفردة المتميزة. فتأمل معي هذه المفارقة. أمة جمعت بين قسوة تجارة الرقيق وضمير أنهاها، بين الفساد السياسي والولع بالحرية، بين التزمت والتحلل. وحين هزمت إنجلترا في ذلك العصر، من هزمها؟ الإنجليز أنفسهم الذين ازدرعوا في أمريكا ذلك الولع الإنجليزي بالحرية. لقد كانت سلالتهم سلالة قوية حقا، بكل تناقضاتها. وربما هذا هو الدرس الأعمق. أن الأمم لا تكون خيرا خالصا ولا شرا خالصا، بل نسيجا معقدا من الاثنين معا.
Embed this episode
What this episode covers
[إنجلترا في القرن الثامن عشر — وجهان لأمة واحدة] هل تصدق أن أمة واحدة يمكن أن تعيش بنظامين أخلاقيين متناقضين في الوقت نفسه؟ هذا بالضبط ما قاله آدم سمث عن إنجلترا في القرن الثامن عشر. ففي كل مجتمع رسخ فيه التمييز بين مراتب الناس، كان هناك دائما مخططان للأ
Ready to play
وجهان لأمة واحدة: إنجلترا بين التزمت والتحلل
No transcript for this episode yet
Similar Episodes
No similar episodes found.